[ ٥٦ ]
به بدئ البيان وختم، ولديه ثبت الإحسان وارتسم، وعنه افتر الزمان وابتسم، واستقر الملك لديه، استقرار الطرس في يديه، واختال التاج بمفرقه، اختيال اليراع في مهرقه، وتمنى المسك أن يستمده، كما رجا القطر أن يمده، إن جد رأيت الطود وقارا، وأن هزل خلته يعاطيك عقارا، إلا ان نكباته تتابعت ولاء، وأعقبت الانتهاب جلاء، فخلع عن سلطانه وما سوغ المقام في أوطانه، وكانت له تنديدات تنفذ المجن، وتدرك كالليل إذا جن، يرسلها إلى الغرض فتصميه، وينكابها القرح فتدميه، عدت من هناته، ومحت أكثر حسناته، ودعت إلى رفضه، وسعت في نقضه، فبقي في قبضة ابن عمار محبوسًا، ولقي من دهره المبتسم عبوسًا، واشتدت عليه المحن، وبدت إليه تلك الأحن، إلى أن سعى له الوزير الأجل أبو بكر بن عبد العزيز، وسكن من ذلك الأزيز، فتسنى انطلاقه، وانفرجت أغلاقه، وعندما خلص من ذلك الثقاف، خلوص القناة من الثقاف، جنح إلى الاستقرار ببلنسية حضرة الوزير الأجل ابي بكر، جنوح الطائر المنتشل إلى الوكر، فلقي السعد إليه آتيًا، ونزل على آل المهلب شاتيًا، فوجد ما أراد، واحمد المراد، ودعا أبا بكر لما شاء فأجاب، وأراه زمن بشره الأفق المنجاب، فأقام بين مبرات والطاف، وجنى لما أحب وقطاف، إلى أن دار ببلنسية ما دار، وعطل العدو دمره الله ذلك القطب المدار، فعلقته حبالة الأسر، واتبع هيضه بالكسر، ولم يزل يكشف للعدو دفينه ويجدف، والموج يعوق سفينه ويصرف، إلى ظأن هبت ريحطه فجرى، وتسنّى تسريحه فأدلج وسرى، ووافى شاطبة خاليًا إلا من الوجد، عاريًا غلا من المجد، وقد انتشى من الذل، فأوى إلى الظل، وأقام مشتملًا بالخمول، موملًا غير المأمول، إلى أن برئت بلنسية من آلامها، فبادر إلى استلامها، وعاد إليها عود الحلي إلى العاطل، وأنجز له قربها بعد وعد من مماطل، فحل بها حلول الهائم في وصل الحبيب المسعد، وأنشد، ويجمعنا شتى على غير موعد، ولزم مطلعه متواريًا، وأقام بها ثابتًا لا ساريًا، لم يطا رقعة أرض، ولا خرج لأداء سنة ولا فرض، حتى أدرج في كفنه، وأخرج إلى مدفنه، شهدت وفاته سنة سبع وخمسمائة وقد نيف على التسعين، وجف ماء المعين، وحين قضى دخل عليه الوزير أبو العلاء ابن ازرق شبيهه في التعمير، وحليفه منذ خلع عن تدمير، وهو يبكي ملء عينيه، ويقلب على مافاته.
[ ٥٧ ]
بسيط مجزوء
كان الذي خفت أن يكونا إنّا إلى الله راجعونا
فوضع على أعواده، وودع من القلب بسويدائه ومن العين بسواده، وصلي عليه ببلنسية، ودفن بمرسية، فانقرض الكلام بانقراضه، وبكت البلاغة على أغراضه، وقد اثبت من نثره ما ترده عذبًا نميرًا، وتروده روضًا نضيرًا، فمن ذلك رقعة كتب بها إلى المعتصم بالله صاحب المرية رياسته يصف العدو العائث بجزيرة الأندلس، كتابي أعزك الله وقد ورد كتاب المنصور ملاذي المعتد بك أيدك الله وقد أودعه ما أودع من حيات، ولم يدع مكانًا لمسلاة، فإنه للقلوب موذ، وللعيون مقذ، وللظهور قاصم، ولعرى الحزم فاصم، فليندب الإسلام نوادبه، وليبك له شاهدة وغائبة، فقد طفي مصباحه، ووطئ ساحه، وهيض عضده ثمده، إلى الله نفرغ، وإليه نضرع، في طارق الخطب ومنتابه، ولا حول ولا قوة إلا به، هو فارج الكروب، وناصر الحروب، وعالم الغيوب، ولا رب سواه، وذلك أن فرديناند وقمه الله نزل على قلعة أيوب محاصرًا لمن فيها، ومغيرًا على نواحيها، بجموع يضيق عنها الفضاء، وتتساقط لملاحظتها الأعضاء، وأنه قد بنى على قصد جهاتنا، ووطئ جنباتنا، إلا أن يدارا الله في نحره، ويحمي من شره، وغرسيه دملارة الله بسرقسطة كذلك وزميرا أهلكه بوشقة وما والاها ينكي، بما يبكي، والمسلمون بينهم سوام ترتع، وأموالهم نهب توزع، والقتل يأخذ منهم فوق ما يدع، فاطل الفكرة في هذا الحزم الداخل، والبلاء الشامل، وأسبل العبرة، وأطل العبرة، والله المرجو لتلافي الأمة، وكشف هذه الغمة، بمنه، وله مراجعًا إلى المأمون، ذي المجدين ابن ذي النون.. الآن أيدك الله عاد الشباب خير معاده، وأبيض الرجاء بعد سواده، وترك الزمان فضل عنانه، فلله الشكر المردد بإحسانه، وافاني أعزك الله لك كتاب كريم كما طرز البدر النهر، أو كما بلل الغيث الزهر، طوقتني به طوق الحمامة، وألبستني ظل الغمامة، وأثبت لي فوق النجوم منزلة، واراني الخطوب نائية عني ومعتزلة، فوضعته على رأسي إجلالًا، ولثمت كل سطوره احتفاء واحتفالًا، وناولنيه الوزير الكاتب أبو الحسن عبدك ونصيحتك اعزه الله وبشر بدنو الدار، واشار إلى ما لديك كما يشار إلى النهار، واخبرني عن ذلك المجمل بغاية الأمل، ويعلم الله أني ما أعدني لك الشيعة، ولا أرى ودك إلا د ينًا وشريعة، فإنك الموثوق بوفائه وشرفه، والمسكون إلى برد أمنه وطرفه،
[ ٥٨ ]
الذي لا توجد الأيام الفضل متممًا غلا لديه، ولا تعقد الأحرار الأصفاق إلا عليه، ولن أزال العالم بحقك ومقدارك، الناظم في سلكك واختيارك، إن شاء الله تعالى. وله إلى إقبال الدولة مهنئًا برجوع أحد معاقله إليه، والظفر بالمنتزي فيه عليه.. جراحات الأيام أيدك له هدر، وجناياتها قدر، وليس للمرء حيلة، وإنما هي أطاف لله جميلة، تستنزل الأعصم من هضابه، وتأخذ المغتربا ثوابه، أحمده عودا وبدءًا على النعمة التي ألبسك سربالها، والفتنة التي أطفأ عنك اشتعالها، والرياسة التي حمى فيها حماك، ورد ختامها إلى يمناك، وقد تناولته للباطل يد خشناء، فاستقالته يدك الحسناء، فلم يكن عنده أهلًا لتلك النيابة، ولا راءه حليا لنحصر الحبابة، والأعناق تقطعها المطامع، والنفاق يستوعر فيه المطامع، فأقر الله ﷿ الحال في نصابها، وأبرزها في كمالها تتراءى بين أترابها، ووضعت الحرب أوزارها، وأخفت الأسود أخياسها وزءارها، ومن كانت مذاهبه كمذاهبك، وجوانبه للسلامة كجوانبك، أعطته القلوب أسرارها، وأعلقته المعاقل أسوارها، وانجلت عنه الظلماء، وأكرم قرضه والجزاء، فليهنئك الإياب والغنيمة، وهما المنة العظيمة، وليكن لها من نفسك مكان، ومن شكرك لله بالموهبة أسرار وإعلان، وأما حظي منها فحظ مسلوب أمكنه سلبه، وذي مشيب عاوده شبابه وطربه، ولما اقترنا لي، وكانا معظم آمالي، وعلمت أن بهما زوال الخلاف، وتوطئ الأكناف، وأن بالصدر تثلج الصدور، ويبتهج السرور، بادرت إلى توفية الحق لك، وتعرف الحال بك، مشيعا بالدعاء في مزيدك، ضارعا في الأدامة لتأييدك، فإن الوقت إساءة وأنت إحسانه، والخير طرف وأنت إنسانه، فإن مننت، بما سألته أفضلت وأحسنت، إن شاء الله ﷿، وله إلى ناصر الدولة صاحب ميورقة، أطال الله بقاء الأمير الأجل ناصر الدولة، ومعز الملة، منيعا حرمه، رفيعا علمه، إن الذي بثته الدنيا أعزك الله من مناقبك العليا فتجلت منه أقاصيها، وتكللت به نواصيها، لجاذب إليك أحرارها، وجالب إلى ظلك أعيانها وأخيارها،
بقلوب تملكها هواها، وحركها نهاها، وهذا الوزير الكاتب أبو جعفر ابن النبي عبدك الأمل أبقاه الله صممت به إلى ذراك همم عوال، كأنها للرماح عوال، يحملها السفين، والعزم النافذ المكين، وريح جد ما تلين، إلى حلي من البيان يتقلدها، يكاد السحر يحسدها، وخلائق محمودة كأنها الخلوق، تنفح مسكا وتشوق، وأن
[ ٥٩ ]
الوشي ما خطه، وربما أزرى به أو حطه، والخبر يغنيه عن الخبر، ويعلمه بالعين لا بالأثر، والتبر تعلمه منيف القدر والأثر، فلا زلت كلفا بالإحسان، منصفًا من الزمان، إن شاء الله تعالى، وله أيضًا، أطال الله بقاء الأمير الأجل ناصر الدولة ومعز الملة، وأيده، وأعلى يده، الشفاعات أيدك الله على أقدار ملتحفيها، ولكل عندك منزلة يوافيها، ولما تأمل ذو الوزراتين الفاضل أبو الحسن العامري أبقاه الله مالك في الناس، من الطول والإيناس، بما جلبت عليه من شرف السجية، والهمم السنية، حتى مالت إليك الأهواء، وارتفع لك بالحمد اللواء، قصد ذراك، واعتقد اليمن في أن يراك، فيملأ من زهر العلي أجفانا، ومن نهر الندى جفانا، ويستبدل من صد الزمان إقبالا، ومن تهاون الأيام ابتهالا، وله قدم الوجاهة، وقدم النباهة، ويدل عليه بيانه، كما يدل على الجواد عنانه، وأرجو أن ينال بك الآمال غضة، والأيادي منك مبيضة، فأقوم عنه على منبر الثناء خطيبا، وأوقد على جمر الآلاء عودا رطيبا، لازلت للقاصدين ملاذا، وللراغبين معاذا، إن شاء الله تعالى، ولما حصل بمنت قوط معتقلا قام الوزير الأجل أبو بكر بن عبد العزيز في أمره وقعد وأبرق على ابن عمار وأرعد وخاطب المعتمد فيه شافعا، ووقف مناضلًا عنه ومدافعا، لم ينم عنه ولا أغفى، ولا استناب سواه في تخلصه ولا استكفى، فوقع الاتفاق على إخلاء جملة وكان قريبه أبو بكر بن موسى ممتنعا فيها وكانت في صدر مرسية شجا، وفي صباحها دجا، قد سدت مسالكها، وصدت سالكها، وروعت طارقها، وقطعت مرافقها، فأجاب ابن طاهر إلى تمكينهم من أزمتها، وإعطائها لهم برمتها بعد أن يحل من عقاله، ويخرج من موقع اعتقاله، وأعطى في ذاك عهودا، وموثقا وكيدا، وابن عبد العزيز قد واطاه على النكث، ورخص له في الخنث، ومهد له في فنائه موضعا، وأحله من سمائه مطلعا، فلما، حصل منجاه، وعلم أنه قد فاز بنجاه، ركب إلى بلنسية متجه، ورمى في أعينهم رهجه، فلما حل بجزيرة شقر وهي أول عمل الوزير الأجل كتب إليه، كتابي إليك وقد طفل العشي، ومال بنا إليك المطي، ولها من ذكراك حاد، ومن لقياك هاد، وسنوافيك المساء، فنغفر للزمان ما قد أساء، ونرد ساحة الأمن، ونشكر عظيم ذلك المن، فهذه النفس أنت مقيلها، وفي برد ظلك يكون ملقيها، فلله مجدك وما تأتيه، لازلت للوفاء تحييه ودانت لك الدنيا، ودامت لك العليا،
[ ٦٠ ]
إن شاء الله تعالى، فلما وافت رقعته الوزير الأجل أبا بكر ركب إليه في جملته، وتلقاه في أعيانه وجلته، وأنزل في قصر مجاور لقصره، وجامله مجاملة لم تعهد في عصره، وأشركه معه في نهيه وأمره، وأطلعه على سره وجهره، لم ينفرد عنه بقصة، ولا اختص دونه من الملك بحصة، إلى أن فرق بينهما مفرق الجموع، ومجثث الأصول والفروع، ولما عاين من بره ما أعظمه، وبهره ما نسقه منه ونظمه، كتب إليه، من ذا يضاهيك، وإلى النجم مراقيك، فشاوك لا يدرك، وشعبك لا يسلك، اقسم لأعقدن على علاك من الثناء إكليلا، يذر اللحظ من سناه كليلا، ولأطوفنه شرق البلاد وغربها، ولا حملنه عجم الرجال وعربها، وكيف لا وقد نصرتني نصرا مؤزرا، وصرفت عني الضيم عفيرا معفرا، وألبستني البأو بردا مسنما، وأوليتني البر متمما، ولم تزل الشعراء تسليه عن نكبته، وتمنيه بالعودة إلى رتبته، بأفصح مقال: وأملح انتقال: فمن ذلك قول الوزير أبي جعفر البني، طويل
أترضى عن الدنيا فقد تتشوق لعمر المعالي أنها بك تكلف
يقولون ليث الغاب فارق غيله فقلت لهم انتم له الآن أخوف
ولن ترهبوا الصمام إلا إذا غدا لكم خارجًا من غمده وهو مرهف
ستفرغ يمناه لتكتب أسطرا يرى الموت في أثناءه كيف يدلف
إذا غضبت أقلامه قالت القنا فديناك أنا بالمقاتل أعرف
ستكتشف عن سر الكتيبة مثل ما رأيناك عن سر البلاغة تكشف
ويعتز لي هذا الزمان بجولة على من به دون الورى كان يشرف
رويدا قليلًا يا زمان فإنه يغيظك منه بالذي أنت تعرف
ولما كان ابن عبد العزيز الذي سهل طريق نجاته، ودس له الكنث أثناء مراسلته ومناجاته، اعتقدها ابن عمار غدرة جرت على يديه، وخديعة نسب عارها إليه، ولم يزل يعمل في الإضرار به فكره، ويقبح وصفه وذكره، ويغري به نفوس رعيته، ويريش ويبري في بليته، فمن ذلك قول يحرض أهل بلنسية على القيام عليه، كامل
بشّر بلنسية وكانت جنة أن قد تدلت في سواء النارِ
جاروا بني عبد العزيز فإنهم جرّوا إليكم أسوأ الأقدارِ
[ ٦١ ]
ثوروا بهم متأولين وقلدّوا ملكًا يقوم على العدو بثارِ
هذا مجد أو فهذا أحمد وكلاهما أهل لتلك الدارِ
جاء الوزير بها يكشف ذيلها عن سوأة سوأى وعار عارِ
نكث اليمين وحاد عن سنن العلى وقضى على الإقبال بالإدبار
آوى لينصر من نأي المثوى به ودهاه خذلان من الأنصار
ما كنتم إلا كأمة صالح فرميتم من طاهر بقدارِ
هلاّ وخصّكم بأشأم طائر ورمى دياركم بآلام جارِ
برّ اليمين ولم يعرض نفسه ونفوسكم لمصارع الفجّار
لا بد من مسح الجبين فإنما لطمته عذرا غير ذات سوارِ
هيهات يطمع في النجاة لطالب ساع إذا ونت الكواكب سارِ
كيف التفلت بالخديعة من يدي رجل الحقيقة من بني عمارِ
رجل تطعّمه الزمان فجأة طرفين في الإحلاء والإمرار
سلس القياد إلى الجميل فإن يهج يدع العنان كهيئة التيارِ
طبنٌ بأغراض الأمور مجرّبٌ فطن بأسرار المكائد دارِ
ماض إذا برزت إليه مصمم هون إذا التفت عليه مدارِ
مازال مذ عقدت يداه إزاره قسمًا فأدرك خمسة الأشبارِ
كشّاف مظلمة وسائس أمة نفاع أهل زمانه الضرارِ
عجبا لأشمط راضع ثدي الوغى منه وطود في القنا الخطار
شراب أكواس المدام وتارةً شرّاب أكواس الدم الموارِ
جرار أذيال القنا ظنوا به قد زاركم في الجحفل الجرارِ
وكأنكم بنجومه ورجومه تهوي إليكم من سماء غبار
وأنا النصيح فإن قبلتم فاتركوا آثارها خبرًا من الأخبار
قوموا إلى الدار الخبيثة فانهبوا تلك الذخائر من خبايا الدارِ
وتعوضوا من صفرة حبشية بأغرّ وضّاح الجبين نصارِ
وكتب إلى المنصور بن أبي عامر يعلمه بخير السيل الذي سال بمرسية فعفى آثارها وهد أسوارها، واحتمل ديارها، وكان ورد كتابه مستفهما عن خبره، ومنتهى عبره، وردني أيدك الله كتابك الكريم مستفهما لما طاربه إليك الخبر
[ ٦٢ ]
من السيل الحافل الذي عظم منه الضرر وقد كنت آخذا في الإعلام، بحوادثه العظام، فإنه أذهل الأذهان، وشغل البيان، إذا أقبل يملأ السهل والجبل، والجنوب كما اضطجعت، والعيون قد هومت للنوم أو هجعت، فمن ماض قد استلبه، وناج قد حربه، وفازع قد أثكله، وحائر لا يدري ما حم له، والبرق يجب فواده، والودق ينسرب مزاده، وقد استسلم للقدر، واعتصم بالله ﷿ من وزر، حتى أرانا غاية إعجازه وبراهينه، وغيض الماء لحينه، وطلع الصباح على معالم قد غيرها، وأكام قد حدرها، لا ينقضي منها عجب لناظر، ولا يسمع مثلها في الزمن الغابر، فالحمد لله على وافي دفعه، ومتلافي غوثه ونفعه، لا رب غيره، وكتب إليه مع شوذانقات وأني لما شيعته أيده الله وبت في المحلة الكريمة معه قصدني نائل مملوكه في ارتياد أفرخ من الشوذانقات عند أوانها، والبعثة بها وقت تهيئها وإمكانها، فلم أفارق لها ارتقابا، ولا حدرت للمباحثة عنها نقابا، ولمظانها طلابا، إلى أن حان حين ظهورها، وامتلأت منها جحور وكورها، وبدا سعيها، واكتسى عريها، وجهت طبا رفيقا لاستنزالها، يرتقي إلى ذرى أجبالها، ويميز أفرهها، ويحوز أشرهها، فجلب منها عددا، دربت يدا فيدا، إلى أن تخرج منها ثلثه أطيار، كأنها شعل نار، أجل كل صيد، وقيده أيما قيد، تقلب حوادق مقل، وتنظر نظر مختبل، وتسرع في الانقضاض، كالوحي والإيماض، وترجع إلى يد وثاقها، كأنها أشفقت من فراقها، بمخلب دام، وأبهة مقدام، فناهيك بها يا مولاي سعد لك ذخرها، وعبد قن لك تخيرها، وهي واصلة من يد حاملها، تحمل رغبة ناظمها، في إلباسها حلة التشريف والتنويه بالأمر بقبولها، والمراجعة عن وصولها، إن شاء الله تعالى، وكتب إلى الحاجب نظام الدولة، أطال الله بقاء الحاجب نظام الدولة سيدي المعظم، وسندي المقدم المتيم، في اعتلا الجد، ومضاء الحد، أنه سبق إلي من بره أيده الله وتانسيه ما أثقل ظهرا وعاتقا، وبعث الشكر مبرًا ورائقا، وكذا الشرف التليد، يكون له السبق الحميد، ووافاني أيده الله كتابه الرفيع فحدر عن الصلة لثامها، واطلع للمبرة غمامها، فألفى الوداد في أمحاضه لم يتعرضه الزمان بأعراضه، ووعيت أيده الله عن مؤيده سلمه الله ما تحمل، وطبق فيه المفصل، بحسن
[ ٦٣ ]
نظفه، وإمارات صدقه، وراجعته عنه، بما يبلغ الشفاء منه، وقلدته من الثناء على سيد ما يسير في ضيائه، ويتعطر بانهائه، وإني ما دمت على الصفاء لمقيم، وإلى مجده مبستنيم، فلا برح أيده الله والسعد كانفه، والعز موالفه، إن شاء الله ﷿، ولما انحل من أسره، وحل بين سماك ابن عبد العزيز ونسره، واستراح من الشجن، وارتاح ارتياح أبي محجن، عاد إلى عاداته من التنزير، ودسه أثناء الابتداء والتصدير، وأسلك ابن عبد العزيز طريقه، وعلمه تسديده وتوفيقه، وبلغه أن ابن عمار تختم بخاتمين أحدهما للمؤتمن والأخر لأذفرنش بن فرذيناند فأوى في ذلك إلى ابن عبد العزيز ورمز وألمز على رسوله المعلم بذلك وغمز، فلما بلغ ذلك ابن عمار أقلقه، وضيق في التماسك طلقه، فكتب إلى ابن عبد العزيز، كامل
قل للوزير وليس رأي الوزير أن يتبع التنزير بالتنزيرِ
أنّ الوزارة لو سلكت سبيلها وقفت على العزيز والتوقيرِ
وأرى الفكاهة جل ما تأتي به وحماك في التصدير والتظفيرِ
وصلت دعابتك التي أهديتها في خاتم التأمين والتأميرِ
وأظنّها للطاهري فإن تكن فخليفة التقديس والتطهيرِ
ولعلّ يومًا أن يصير نقشه في طينة التقديم والتأخيرِ
وترى بلنسية وأنت مدارها سينالها التدمير من تدميرِ
وجئته يومًا وقد وقفت بباب الخش فقال لي من أين فأعلمته، ووصفت له ما عاينته من حسنه وتأمله، فقال لي كنت أخرج إليه أكثر الليالي مع الوزير الأجل أبي بكر إلى روضته التي ودت الشمس أن يكون منها طلوعها، وتمنى المسك أن تضم عليه ضلوعها، والزمان غلام، والعيش أحلام، والدنيا تحية وسلام، والناس قد انتشروا في جوانبه، وقعدا إلى مذانبه وفي ساقيته الكبرى دولاب يئن كناقة إلى الحوار، أو كثكلى من حر الأوار، وكل مغرم يجعل فيه ارتياحه، بكرته ورواحه، ويغازل عيه حبيبه، ويصرف إليه تشبيبه، فخرجت إليه ليلة، والمتنبي الجزيري واقف وأمامه ظبي أنس، تهيم به المكانس، وفي أذنيه قرطان، كأنهما كوكبان، وهو يتاود تأود غصن البان، والمتنبي يقول: رمل
[ ٦٤ ]
معشر الناس بباب الحبش بدر تم طالع في غبش
علق القرط على مسمعيه من عليه آفة العين خشي
فلما رآني أمسك، وسبح كأنه قد تنسك، وله صك بتقديم إلي الأحكام في إحدى جهاته، قلدت فلانا سلمه الله النظر في أحكام فلانة وتحزينه، لها بعد ما خبرته، واستحلفته عليها وقد عرفته، واثقا بدينه، راجيا لتحصينه، لأنه أن احتاط سلم، وأن أضاع إثم، فليقم الحق على أركانه، وليضع العدل في ميزانه، وليسوا بين خصومه، وليأخذ من الظالم لمظلومه، وليقف في الحكم عند اشتباهه، ولينفذه عند اتجاهه، ولا يقبل غير المرضي في شهادته، ولا يعرف سوى الاستقامة من عادته، وليعلم أن الله مطلع على خفياته، وسائله يوم ملاقاته، لا رب غيره، وله إلى صاحب قليبرة يستدعي منه أقلاما، قد عدمت أطال الله بقاءك بهذا القطر الأقلام، وبها يشخص الكلام، وهي حلية البيان، وترجمان اللسان، عليها تفرع شعاب الفكر، وذكرها منزل في محكم الذكر، ومنابتها بلدك، ويدك فيها يدك، وأريد أن ترداد لي منها سبعة كعدد الأقاليم، حسنة التقليم، فضية الأديم، ولا يعتمد منها إلا صليبها، الطوال أنابيبها، وإذا استمدت من أنفاسها، وافاك الشكر من أنفاسها، إن شاء الله تعالى، وكتب إلى الوزير الأجل أبي عبد الملك بن عبد العزيز عند الحادثة بفونكة، كتبت أعزك الله والحد فليل، والذهن كليل، بما حدث من عظيم الخرق، على جميع الخلق، فلتقم على الدين نوادبه، فقد جب سنامه وغاربه، ولتفض عليه مدامعه وعبراته، فقد غشيه حمامه وغمراته، وكان منيع الذرى، بعيدًا عن أن يلحظ أو يرى، تحميه المناصل البتر، والذوابل السمر، والمسومة الجرد، ومشيخة كأنهم من طول ما التثموا مرد، فأبى القدر إلا أن يفجع بأشمخ مآذنه ومعاقله، ولا يترك له سوى سواحله، وكانت لطليطلة أختا، فاستلبها فجأة وبغتا، وقبل ما سلب الجزيرة وسطى عقدها بلنسية جيرها الله وأرجو أن يتلافى جميعها من نظر أمير المسلمين أيده الله ما يعيدها فيملاها خيلا ورجالا.
ينفر بهم خفافا وثقالا، عليهم من قواده شيبها وشبانها، وفيهم من أجناده زنجها وعربانها، كامل
من كل أبلج باسم يوم الوغى يمشي إلى الهيجاء مشي غضنفر
يلقي الرماح بوجهه وبنحره ويقيم هامته مقام المغفرِ
[ ٦٥ ]
حتى يستقال جدها العاثر، ويحيا رسمها الدائر، فتبتهج الأرض بعد غبرتها، ويكتسي الدهر بزهرتها، وما قصر القائد الأعلى في الجد والتشمير، والاحتفال بالإبطال المغاوير، حتى بلغ بنفسه المجهود، والجود بالنفس أقصى غاية الجود، ولكن نفذ حكم من له الحكم، ورمى قضاءه فما أخطأ السهم، والله لا يضيع له مقامه في العالم السالف، وما أورد المشركين فيه من المتالف، فما انقضى فتح حتى أعقبه فتح، كالفجر يتبعه صبح، مد الله بسطته، وثبت وطأته، ولازال للصنع الجميل عن هذا الدين مراميا، وله محاميا، بعزته وكتب إلى القاضي ابن فورتش، كتب أعزك الله عن ضمير اندمج على سر اعتقادك دره، وتبلج في مرافق ودادك بدره، وسال على صفحات ثنائك مسكه، وصار في راحتي سنائك ملكه، ولما ظفرت بفلان حملته من تحيتي زهرا جنيا، يوافيك عرفه ذكيا، ويواليك أنسه نجيا، ويقضي من حقك فرضا ماتيا، على أن شخص جلالك لي ماثل، وبين ضلوعي نازل، لا يمله خاطر، ولا يمسه عرض دائر، إن شاء الله ﷿، وشفع له ذو الرياستين عند القائد الأعلى أبي محمد بن عائشة في أن يسوغه من أملاكه ما يرشيه ارتجاعه، ونعشه انتجاعه، فأعلمه أن أمير المسلمين حد له ألا يخوله شيئان ولا ينوله منها نفسا ولا ريا، فكتب إليه يعرض عليه الوصول إلى دولته، والحصول في جملته، فيوليه غاية أجماله، ويوليه ما شاء من أعماله، فكتب إليه، كل المعالي أيدك الله إليك ابتسامها، وفي يدك انتظامها، وعليك أصفاقها، ولديك إشراقها، وإن كتابك الرفيع وافاني فكان كالزهر الجني، أو البشري أتت بعد النعي، سرى إلى نفسي فأحياها، وأسرى عني كرب الخطوب وجلاها، وتنبه لي وقد نامت عني العيون، وتهتم بي وقد أغفلني الزمن الخؤن، فتملكني بإجماله، واستخفني باهتباله، فلتأتينه بالثناء الركائب، تحمله أعجازها والغوارب، وأما ما وصف به أيده الله الأيام من ذميم أوصافها، وتقلبها واعتسافها، فما جهلته ولقد بلوتها خبرًا، ورددتها على أعقابها صغرى، فلم أخضع لجفونها، ولم أتضعضع لنبوتها، وعلمت أن الدنيا قليل بقاؤها، وشيك فناؤها، فاعدت قول القائل: متقارب
تفانى الرجال على حبها وما يحصلون على طائل
وعلى حالاتها فما عدمت فيها من الله صنيعا لطيفا، وسترا كثيفا، له الحمد ما أومض بارق، ولمع شارق، وأما ما عرضه أيده الله، من الانتقال إلى ذراه، والتقلب
[ ٦٦ ]
في نعماه، والحلول في جنابه، فكيف وأنى به، وقد قيدني الهرم فما أستطيع نهضا، ولا أطيق بسطا ولا قبضا، ولو أمكنني لاستقبلت العمر جديدا، والفضل مشهودا، عند من تقر بسوابقه العجم والعرب، وتوكل خلائقه بالضمير وتشرب، جازاه الله بالحسنى، وأولاه ثواب ما تولى، بعزته تعالى، ولما نهضت بنت الوزير الأجل أبي بكر بن عبد العزيز إلى سرقسطة لتزف إلى المستعين بالله استدعى المؤتمن أعيان الأندلس وأمجادها، وأبطالها وأنجادها، وكتابها ووزراءها، وحجابها وأمرائها، لمشاهدة زفافها فأجابوا مناديه، وانحشروا لناديه، وكان عرسا لم تكتحل مدته بسرقسطة عين بوسن، ولم يحتفل احتفاله فيه المأمون لبوران بنت الحسن، وحشرت إليه الآمال حشرا، وطابت به الأماني عرفا ونشرا، وأبدت له الدنيا تهللا وبشرا، ورمت فيه المسرات جمارها، وفسحت لطراد المستهزئين مضمارها، فكتب أبو عبد الرحمن معتذرا عن الوصول إليه، والحصول لديه، نعمه أيده الله قد أغرقتني مدودها، وأثقلتني لواحقها ووفودها، ووافني كتابه العزيز داعيا إلى المشهد الأعظم، والمحفل الأكرم، الذي ألبس الدنيا إشراقا، والمجد إبراقا، فألفى الدعاء مني سميعا، لاسيما وقد قلدتني به الشرف والسؤدد والبر جميعا، وسما بناظري فيه إلى حيث النجوم شوابك، والمعالي أرائك، إلا أنه أيده الله أتم نظرا، وأصح تدبرا، من أن يلحق بخاصته الزلل، أو يوقع عليه الخلل، وقد علم أن الأيام تركن بالي كاسفا، وخطوي واقفا، فكيف يسوغ إلي أن ألقاه بذهن كليل، وفكر عليل، إذن فقد أخللت بأياديه، وما أجللت رفيع ناديه، وأقسم القسم البر بحياته أطالها الله ما كان من وطري أن أتأخر عنه ولي فيه الآمال العريضة، والقداح المفيضة، وفي يدي منه مواعد زهر النظام، ومواهب رزق الجمام، وإذا عرف أيده الله الحقيقة رأى العذر واضحا، والسر لائحا، وعسى أن يلاحظ سعد، ويستنجز للمنى وعد، وينفسح خاطر، ويهتدي حار، فيقف ببابه ملازما، ويخر على بساطه لائما، إن شاء الله تعالى ودخلت بلنسية سنة ثلاث وخمسمائة فلقيته وقد انحنى، وعوض من نشاطه الحنا، وهو يمسي بالعيش على الضجر، ويمشي على ساق من الشجر، لا تحمله المنساة من الكبر، ولا يملك رأس البعير أن نفر، إلا أنه امتنع بإنسانه، واقطع ما شاء من إبداع فكره ولسانه، فأعاد عصري صبا، واهب ريحي صبا، ودارت بيننا مراسلات أحلى من عطفات الحبيب، وأشهى من رشفات
[ ٦٧ ]
اللمى الشنيب، وفي أثناء ذلك استدعاني أميرها إلى الالتزام، وعزم فيه كل الاعتزام، بعد أن أرسل مالًا، وملا لي بالرغائب يمينا وشمالا، وجلا علي أمالي شخوصا، وتلاها نصوصا، فأبيت، وتلومت والتويت، وفرقت ما أعطاني، وعطلت صهوة التوجيه التي أمطاني، فكتب إلي الرئيس أبو عبد الرحمن ﵀، أنا أعزك الله عليك شحيح، ولك في ما تأتيه وتحتذيه نصيح، فالزمان لا يساعد، والأيام تعوق وتباعد، فأقصر من هذه الهمة، واقتصر من أمورك على المهمة، التي تفجا مع الأوقات، ولا يلجأ فيها إلى ميقات، واقتصد في مواهبك، وأقصد إلى العدل، في مذاهبك، ولا تكلف في الجود بسرف، ولا تقف من التبذير على شرف، فلو أن البحر لك مشرب، والترب مكسب، لنفذا معًا، ولم يسد موضعا، ولو كان لك النجم مصعدا والفلك مقعدا، لما ثنيت إلى ذلك عنانا، ولا ارتضيت لهمتك مكانا، وقد خطبتك الخطوة سرا وجهرا، وبذلت لك الأمرة أسنى مراتبها مهرا، فازدريت زهوا، وامتطيت باوا، لا تتربص على مسديها، ولا يختص بإجابتك مناديها، وقد كان يجب أن لا ترغب عن راغب، ولا تنكب عنه إلى شغب شاغب، فأين تريد تنزل، وما الذي ترتضى وتستجزل، وقد عرضت عليك الأماني فما تأملتها، وخلعت عليك ملابسها فما اشتملتها، والذي أحظك عليه أن تكف من رسنك قليلا، ومن وسنك مستطيلا، إن شاء الله، وأقمنا نتجاذب أهداب المخاطبة، ونصل أسباب المكاتبة، ونتعاطى أحاديث كأنها رضاب، ونتراضى والأيام غضاب، إلى أن نهضت إلى ميورقة وانصرم في التزاور سببنا، وخوى من سمائه كوكبنا، فكتب إلي، يا كوكب مجد أظلمت بغروبه منيرات الأفاق، وذهب ما كنت عهدته بطلوعه من الإشراق، لقد استرجعت مسراتي أجمعها، وأزلت عن نفسي في السلوة طمعها،
فسقيا لعهدك وقل له السقيا، ويا لهفي من بعدك أن قضي لي بالبقيا، وأن بي من الشوق لبعدك والكدر، ما لو كان بالفلك الدوار لم يدر، فلقد كانت غراء أيام تلاقينا، والأنس يساقينا، وإنها لممثلة لعيني، ما يحول السلو بينها وبيني، وعساها تعود، فتطلع معها السعود، إن شاء الله تعالى، ودعيت يوما إلى منية المنصور بن أبي عامر ببلنسية وهي منتهى الجمال، ومزهى الصبا والشمال، على وهي بنائها وسكون الحوادث برهة في قنائها، فوافيتها والصبح قد ألبسها قميصه، والحسن قد شرح بها عويصه،
[ ٦٨ ]
وبوسطها مجلس قد تفتحت للروض أبوابه، وتوشحت بالأرز المذهبة أثوابه، يخترقه جدول كالحسام المسلول، وينساب فيه انسياب الأيم في الطلول، وضفاته بالأدواح محفوفة، والمجلس يروق كالخريدة المزفوفة، وفيه يقول علي بن أحمد أحد شعرائها، وقد حله مع طائفة من وزرائها. منسرح
قم فاسقني والرياض لابسة وشيا من النور حاكه القطرُ
والشمس قد عصفرت غلائلها والأرض تندى ثيابها الخضرُ
في مجلس كالسماء لاح به من وجه من قد هويته بدرُ
والنهر مثل المجرحف به من الندامى كواكب زهرُ
فحللت في ذلك المجلس وفي أخدان، كأنهم الولدان، وهو في عيش لدن، كأنهم في جنة عدن، فانحنت لديهم ركائبي وعقلتها، وتقلدت بهم رغائبي واعتقلتها، وأقمنا نتنعم بحسنه طول ذلك اليوم، ووافى الليل فذدنا عن الجفون طروق النوم، وظللنا بليلة كان الصبح منها مقدود، والأغصان تميس كأنها قدود، والمجرة تتراءى نهرا، والكواكب تخالها في الجو زهرا، والثريا كأنها راحة تشير، وعطارد لنا بالطرب بشير، فلما كان من الغد وافيت الرئيس أبا عبد الرحمن زائرا فأفضنا في الحديث حتى أفضى بنا إلى ذكر منتزهنا في أمس، وما نلنا فيه من الأنس، فقال لي وما بهجة موضع قد بان قطينه وذهب، واستلب الزمان بهجته وانتهب، وباد فلم يبق إلا رسمه، ومحاه الحدثان فما يكاد يلوح وسمه، عهدي به عندما فرغ من تشييده، وتنوهي في تنميقه وتنضيده، وقد استدعاني إليه المنصور في يوم حلت فيه الشمس بيت شرفها، واكتست الأرض بزخرفها، فحللت به والدوح تميس معاطفه، والنور يخجله قاطفه، والمدام تطلع فيه وتغرب، وقد حل فيه قحطان ويعرب، وبين يدي المنصور ماية غلام أحدهم على العشر غير أربع، ولا يحل غير الفؤاد من مربع، وهم يريدون رحيقا، خلتها في كؤوسها درا وعقيقا، فأقمنا والشهب تغازلنا، وكان الأفلاك منازلنا، ووهب المنصور في ذلك اليوم ما يزيد على عشرين ألفا من صلات، متصلات، وأقطاع، ضياع، ثم توجع لذلك العهد، وأفصح بما بين ضلوعه من الوجد، وأنشد، كامل
سقيا لمنزلة اللوى وكثيبها إذ لا أرى زمنًا كزماني بها
قال وأخبرني ﵀ أن أبا أحمد ابن حجاف لما انتزى، وانتمى للرياسة واعتزى،
[ ٦٩ ]
وظن بقتل القادر أنه يتم له من الاستبداد، ما تم للقاضي ابن عباد، والقدر يضحك من ورائه، ويصك له بقبح آرائه، بادر لحينه بالامتداد إلى حاشيته، والاستطالة على غاشيته، فوجه إليه من قبله رسولا فنجهه، وسبه ومن وجهه، وكتب إلى صاحب المظالم ابن عمه، قد ألبستني من برك أعزك الله ما لا أخلعه، وحملتني من شكرك ما لا أضيعه، فأنا أستريح إليك استراحة المستنيم، واصرف الذنب إلى الزمن المليم، وأن ابن عمك مد الله بسطته لما ثار ثورته التي بلغ بها السماك، وظن أنه قد بذ معها الأفلاك، نظر إلي متخازرًا متشاوسًا، وظنني حاسدًا أو منافسًا، ولعن الله من حسده جمالها، فلم تك تصلح إلا له ولم يك يصلح إلا لها، ثم تورم علي أنف عزته، فرماني بصروف محنته، وكل ذلك أتجرعه على مضضه، وأتغافل لغرضه، وأطويه على بلله، وما انتصر بشيء من عمله، إلى أن رام اليوم بسوء رايه، أن يزيد في تعسفه وبغيه، فاستقبلت من الأمر غريبا ما كنت أحسبه، ولا بان لي سببه، ولما جاءه رسولي مستفهما عبس وبسر، وأدبر واستكبر، فأمسكت محافظا للجانب، وعاملا على الواجب، لا أن هيبة أبي محمد قبضتني، ولا أن مبرته عندي اعترضتني، وأنا أقسم بالله حلقة بر لو أن الأيام قذفت بكم إلي وأنا بمكاني لأوردتكم العذب من مناهلي، وحملت جميعكم على عاتقي وكاهلي، ولكن الله يعمر بكم أوطانكم، ويحمي من الغير مكانكم، ويحوط هذه السيادة الطالعة فيكم، البانية لمعاليكم، فلا يسرك مقطعه، وليسوك مصرعه، فما مثله يمطل، ولا ينظر ولا يهمل، أن شاء الله تعالى، ولم أسمع له شعرا إلا ما أنشدني في أبي أحمد هذا عند قتله القادر بالله يحمي بن ذي النون، رمل مجزوء
أيها الأخيف مهلا فلقد جئت عويصا
إذ قتلت الملك يحي وتقمصت القميصا
رب يوم فيه تجزى لم تجد عنه محيصا
تم القسم الأول بعون الله