السيد البطليوسي عليه رحمة الله وجزيل غفرانه شيخ المعارف وأمامها، ومن في يديه زمامها، لديه تنشد ضوال الإعراب، وتوجد شوارد اللغة والإعراب، إلى مقطع دمث، ومنزع في النفاسة غير منتكث، وكان له في دولة ابن رزين مجال ممتد، ومكان معتد، ولما رأى الأحوال، واختلالها، والأقوال واعتلالها وتلك الشموس قد هوت، ونجوم الآمال قد خوت، أضرب عن سواه، ونكب عن نجواه، ولتغرب بلوغه ابن رزين وجواه، ونصب
[ ١٩٢ ]
نفسه لأقراء علوم النحو، وقنع بتغييم جوة بعد الصحو، وله تحقق في العلوم الحديثة والقديمة، وتصرف في طرقها القويمة، ما خرج بمعرفتها عن مضمار شرع، ولا نكت عن أصل للسنة ولا فرع، وتوليفه في المشروحات وغيرها صنوف، وهي اليوم في الآذان شنوف، وقد أثبت له ما يريك شفوفه، وتجد على النفس خفوقه، فمن ذلك قوله في طول اليل: طويل
ترى لينا شابت نواصيه كبرة كما شبت أم في الجوروض نهارِ
كأنّ الليالي السبع في الأفق علّمت ولا فصل فيما بينهما بنهارِ
وأخبرني انه حضر مع المأمون بن ذي النون في مجلس الناعورة بالمنية التي تطمح إليها المنى، ومرآها هو المقترح والمتمنى، والمأمون قد اجتبى وأفاض الحبا، والمجلس، يروق كان الشمس في أفقه، والبدر في مفرقه، والنور عبق، وعلى ماء النهر مصطبح ومغتبق، والدولاب يئن كناقة أثر الحوار، أو كثكلى من حر الأوار والجو قد عنبرته أنواؤه، والروض قد رشته أمطاره وأنداؤه، والأسد قد فغرت أفواهها، ومجت أمواهها، فقال: منسرح
يا منظرا أن نظوت بهجته أذكرني حسنه جنّة الخلدِ
تربة مسك وجوّ عنبرة وغيم ندّ وطشّ ما وردِ
والماء كاللازورد قد نظمّت فيه اللئالي فواغر الأسدِ
كأنّما جائل الحباب به يلعب في جانبيه بالنردِ
تخاله أن بدأ قمرا تمّا بدا في مطالع السعدِ
كأنّما ألبست حدائقه ما حاز من شيمة ومن مجدِ
كأنّما جادها فروضّها بوابلٍ من يمينه رغدِ
لا زال في عزّة مضاعفة ميمّم الرفد واري الزندِ
وله رقعة يصف فيها هذا التصنيف تأملت فسح الله لسيدي ووليي في أمد بقائه.
كتابه الذي شرع في أنشائه، فرأيت كتابًا سينجد ويغور، ويبلغ حيث لا تبلغ البدور، وتبين به الذرى والمناسم، وتغتدي له غرر في أوجه ومواسم، فقد اسجد الله الكلام لكلامك، وجعل النيرات طوع أقلامك، فأنت تهدي بنجومها، وتردي برجومها، فالنثرة من نثرك، والشعرى من شعرك والبلغاء لك معترفون، وبين يديك متصرفون، وليس يباريك مبار، ولا يجاريك إلى
[ ١٩٣ ]
الغاية شفوفًا، ولا برح مكانك بالآمال محفوفًا، بعزة الله، وله يراجع الأستاذ أبا محمد بن جوشن على شعر كتب به إليه وتضمن غزلًا في أول القصيدة فحذا حذوه: طويل
حلفت بثغر قد حمى ريقه العذبا وسل عليه من لواحظه عضبا
وفرحة لقيا أذهبت ترحه النوى وعتبي حبيب هاجر أعقبت عتبا
لقد هزّ عطفي بالقريض ابن جوشن سرورا كما هزّت صبا غصنا رطبا
كساني ارتياح الراح حتى حسبتني حليف بعاد نال من حبّه قربا
وأطربني حتى دعاني الورى فتى وقالوا كبير بعد كبرته شبّا
كأنّ المثاني والمثالث هيّجت سروري ولم أسمع غناء ولا ضربا
فيا مزمع الترحال قل لابن جوشن مقال محبّ لم يشب جدّه لعبا
أمهدي سجاياه إليّ وناظما إلى الشهب عقدا راقني نظمه عجبا
وما خلت أهداء الشمائل ممكنا لمهد وأنّ الدهر ينتظم الشهبا
فهل نال عبد الله من سرّبابل نصيبا فأربى أوحوى الدهى والأربا
لهينك فضل حزت من خصله المدى ونظم بديع قد غدوت له ربّا
وهاك سلاما صادرا عن مودّة عمرت بها منّى الجوانح والقلبا
وله في الزهد من لزوم ما لا يلزم. طويل
أمرت إلاهي بالمكارم كلّها ولم ترضها إلاّ وأنت لها أهلُ
فقلت اصفحوا عمّن ساء إليكمُ وعودوا بحلم منكمُ إن بدا جهلُ
فهل لجهول خاف صعب ذنوبه لديك أمان منك أو جانب سهلُ
وله في التوحيد والرد من قال بغيره: طويل
إلاهي إنّي شاكر لك حامد وإنّي لساع في رضاك وجاهدُ
وإنّك مهما زلّت النعل بالفتى على العائد التوّاب العفو عائد
تباعدت مجدا وأدنيت تعطّفا وحلما فأنت المدني المتباعدُ
ومالي على شيء سواك معوّل إذا دهمتني المعضلات الشدائدُ
أغيرك أدعو لي الاها وخالقا وقد أوضح البرهان أنّك واحدُ
وقدما دعا قوم سواك فلم يقم على ذاك برهان ولا لاح شاهدّ
[ ١٩٤ ]
وبالفلك الدّوار قد ضلّ معشر وللنّيرات السبع داع وساجد
وللعقل عبّاد وللنفس شيعة وكلّهم عن منهج الحقّ حائد
وكيف يضلّ القصد ذو العلم والنهى ونهج الهدى من كان نحوك قاصدُ
وهل في الذي طاعوا له وتعبّوا لأمرك عاص أولحقّك جاحدُ
وهل يوجد المعلول من غير علّة إذا صحّ فكر أو أرى الرشد راشدَ
وهل غبت عن شيء فينكر منكر وجودك أم لم تبد منك الشواهد
وفي كلّ معبود سواك دلائل من الصنع تبدي أنه لك عابدُ
وكلّ وجود عن وجودك كائن فواحد أصناف الورى لك واحد
سرت منك فيها وحدة لو منعتها لأصبحت الأشياء وهي بوائدُ
وكم لك في خلق الورى من دلائل يراها الفتى في نفسه ويشاهدُ
كفى مكذبا للجاحدين نفوسهم تخاصمهم أن أنكروا وتعاندُ
وله يجيب شاعرًا قرطبيا مدحه. بسيط
قل للذي غاص في بحر من الفكر بذهنه فحوى ما شاء من دررِ
لله عذراء زفت منك رائحة تختال من حبرها المرقوم في حبرِ
صداقها الصدق من دوّي ومنزلها بصيرتي وسواد القلب والبصري
هزّت بدائعها عطفّي من طرب لحسنها هزّة المشغوف بالذكرِ
كأّنما خامرتني من بشاشتها راح وسكر بلا راح ولا سكرِ
ما كنت احسب أنّ النّيرات غدت يصيدها شرك الأوهام والفكرِ
ولا توّهمت أيّام الربيع ترى في ناضر غضّة الأنوار والزهرِ
أمّا الجزاء فشي لست مدركه ولو بدرت إلى التوجيه بالبدرِ
لكن جزاءي صفاء الودّ أضمره إذا القلوب أنطوت منه على كدرِ
جاراك ذهني في مضمارها فكبا ذهني وفزت بخصل السبق والظفرِ
وهل بطليوسُ في نظم مناظرة يومًا لقرطبةٍ في حكم ذي نظرِ
وله يصف زيرطانة. وافر
وذات عمى لها طرف بصير إذا رمدت فأبصر ما تكونُ
لها من غيرها نفس معار وناظرها لذي الأبصار طين
وتبطش باليمن إذا أردنا وليس لها إذا بطشت يمينُ
[ ١٩٥ ]
وكتب إلى الأستاذ أبي الحسن بن الأخضر ﵀، يا سيدي الأعلى، وعمادي الأسنى، وحسنة الدهر الحسنى، الذي جل قدره، وسار مسير الشمس ذكره، ومن أطال بقاءه لفضل يعلي مناره، وعلم يحيى أثاره، نحن أعزك الله نتدانى أخلاصا، وان نتناءى أشخاصا، وأن فرقنا النسب، فالأشكال أقارب، والآداب مناسب، وليس يضر تناءى الأشباح، إذا تقاربت الأرواح، وما مثلنا في هذا الانتظام، إلا كما قال أبو تمام. طويل
نسيبيَ في رأيي وعلمي ومذهبي وإن باعدتنا في الأصول المناسبُ
ولو لم يكن لمأثرك ذاكر، ولمفاخرك ناشر، إلا ذو الوزارتين، أبو فلان أبقاه الله لقام لك مقام سبحان وائل، وأغناك عن قول كل قائل، فإنه يمد في مضمار ذكرك باعا رحيبا، ويقوم بفخرك في كل ناد خطيبا، حتى يثني إليك الأحداق، ويلوي نحوك الأعناق، فكيف وما يقول إلا بالذي علمت سعد، وما تقرر في النفوس من قبل ومن بعد، فذكرك قد أنجد وغار، ولم يسر فلك حيث سار، وأن ليل جهل اطلعت فيه فجر تبصيرك، لجدير بان يصير نهارا، وأن نبع فكر قدحته بتذكيرك، لجدير أن يعود مرخا وعفارا، فهنيئا لك الفضل الذي أنت فيه راسخ القدم، شامخ العلم، منشور اللواء، مشهور الذكاء، مليت الآداب عمرك، ولا عدمت الألباب ذكرك، ورقيت من المراتب أعلاها، ولقيت من المشارب أقصاها، بفضل الله، وكتب مراجعا إلى الوزير أبي محمد بن سفيان ﵀، يا سيدي أعلى وعمادي الأسنى ومشربي الأصفى، أدام الله عزته، وحمى من النوائب حوزته، وافاني لك كتاب سري الموضع، سني الموقع، أطال الله علي إيجازه، وأطمع على أعجازه، وقابلت الرغبة التي ضمنتها فيه، بما تقتضيه جلالة مهدية، ولئن تراخى الكتاب، عن حسن ذلك العتاب، فإن المودة لم يقدح فيها من الملل، قادح، ولم يسنح لها من الخلل، سانح، بل كانت كالبرد تطوى على غره، إلى أوان جلائه ونشره، وقد علم علام الضمائر، والذي يظن غايبا وهو حاضر، أني أعتقدك القدح المعلى، وأضرب بك المثل الأعلى، وأرى أنك تحجيل واضح، في دهمة الزمان، وعلق راجح، في كفة الامتحان، وبقية سنح كريم، ما عهدهم عندنا بذميم. طويل
عليهم سلام الله ما درّ شارق ورحمته ما شاء أن يترحّما
[ ١٩٦ ]
وما أدعى لك جانبا من السيادة، إلا ولك عليه أعدل الشهادة، ولكن قديما سفل ذو الرجحان، وعاد الكمال على أهله بالنقصان، وكبت الأعالي بارتفاع الأسافل، حتى اقتضى ذلك قول القائل: طويل
فوا عجبا كم يدّعى الفضل ناقص ووا أسفا كم يظهر النقص فاضلُ
وقال المذمر للناتجين متى ذمرت قبلي الأرجل وقد جاريتك أعزك الله في ميدان من البلاغة أنا فيه كمن كاثر البحر والمطر، وجلب التمر إلى هجر، والذي حداني إليه، أنه مر لي زمن، إلهي خاطري عنك فيه وسن، فقلت قد كان من العقوق، ترك رعاية الحقوق، فلا ستمطرنّ مرن القول فقد كنت عهدتها تنسجم فتغدق، ولا ستسقين جابية الشيخ العراقي فقد كانت تطم فتفهق، أيام كنت اسحب ذيل الشباب، وأسلك مسلك الكتاب ويعجبني سلوك سهل الكلام وحزونه، والتصرف بين أبكاره وعونه، أستن استنان الطرف الجامح، ولا أثني عنان الطوف الطامح، وأروي هامتي، وأقول بما صبت علي غمامتي، على أن تعمم مفرقي بالقتير، وعلتني أبهة الكبير، وودعت زمني الزائل، وعادت سهامي بين رث وناصل، وعريت أفراس الصبا ورواحله، وسدت علي سوى قصد السبيل معادله، فلئن هريق ماء الشباب، واستشن الأديم واقشع السحاب، وتجلت الغيوم فلعل في الأفق ربابة، وفي الحوض صبابة، وعسى أن يكون في أخلاف المقالة در يرضع، وفي حقاق البلاغة در يرصع، ولازفنها عذراء، لا ترتضي إلا الأكفاء، فليس يلين النجد إلا في مارق الهيجاء، ولا يحسن العقد إلا في عنق الحسناء، ولأجعلن الشعر لها شعارا، وفقر النثر لها دثارا، فاهتصرها إليك ولهى عروبا، قد رضيت بك محبا وحبوبا، فتضمخك بمسكها، وتؤمنك من فركها، وتذر ذرور الشمس عليك، وتهز في ندوة الحي عطفك، فإن قضت من حقك فرضا، ورتقت من فتق الأخلال ولو بعضا، فذاك ما تضمنه الخاطر الذي نمنم بردها، ونظم عقدها، وأن اخلف الظن ما أوهم ووعد، وقضى الذهن فيما أحكم وسدد، فللخاطر عذر في أنه منصل أغفل شحذه وجلاؤه، حتى ذهب فرنك وماؤه، ومنهل ضيع ورده، فنضب عده. كامل
والشول ما حلبت تدفق رسلها وتجف درتها إذا لم تحلبِ
[ ١٩٧ ]
وله من قصيدة يمدح بها ذا الوزارتين أبا محمد بن الفرج. خفيف
نبّه اليل بالوجيف ولا تو لع بدار الهوان بالأغماضِ
وأقر ضيف الهموم كل أمون عنتريس وبازل شرواضِ
أنقذتني من الردى وطاتي البي د ونقض الهموم بالأنقاضِ
شكلها كالقسّي وهي سهام للفلا والرغاء كالأنباضِ
خلتها حين خاضت اليل سبحا غمست من دجاه في خضخاضِ
صدعت عرمض الدياجيَ حتّى كرعت ماء الصباح المفاض
حين راع الظلام وخط مشيب قد سرى في سواده ببياضِ
وقال في الزهد: طويل
تجوهرك الأدنى عنيت بحفظه وضيعت من جهلٍ تجوهرك الأقصى
لقد بعت ما يبقى بما هو هالك وأثرت لو تدري على فضلك النقصا
وقال في ذلك: طويل
وما دارنا إلاّ موات لو أنّنا نفكّر والأخرى هي الحيوانُ
شربنا بها عزّا يهون جلالة وشتّان عز للفتى وهوانُ
قال يمدح المستعين باله بن هود ﵀: طويل
همُ سلبوني حسن صبريَ إذ بانوا بأقمار أطواق مطالعها بانَ
لئن غادروني باللوى أنّ مهجتي مسايرة أضعانهم حيث ما كانوا
سقى عهدهم بالخيف عهد غمائم ينازعها مزن من الدمع هتّانُ
أأحبابنا هل ذلك العهد راجع وهل لي عنكم آخر الدهر سلوانُ
ولي مقلة عبرى وبين جوانحي فؤاد إلى لقياكم الدهرَ حنّانُ
تنكرّت الدنيا لنا بعد بعدكم وخفّت بنا من معضل الخطب الوانُ
رحلنا سوام الحمد عنها لغيرها فلا ماؤها صدّا ولا النبت سعدانُ
إلى ملك حاباه بالمجد يوسفً وشاد له البيت الرفيع سليمنُ
إلى مستعين بالإله مؤيد له النصر حزب والمقادير أعوانُ
ومنها يمدحه رحمهما الله. طويل
بوجه ابن هود كلّما أعرض الورى صحيفة أقبال لها البشر عنوانُ
فتى المجد في برديه بدر وضيغم وبحر وقدس ذو الهضاب ونهلانُ
[ ١٩٨ ]
من النفر الشمّ الذين اكفّهم غيوث ولكنّ الخواطر نيرانُ
ليوث شرى ما زال منهم لدى الوغى هزبر فيمناه من السمر ثعبانُ
وهل فوق ما قد شاد مقتدر لهم ومؤتمن بالله لقياده إيمانُ
وله يعزي ذا الوزارتين أبا عيسى بن لبون في أخيه. كامل
للمرء في أيّامه عبرُ والصفو يحدث بعده كدرُ
خرس الزمان لمن تأمّله نطق وخبر صروفه خبرُ
نادى فاسمع لو وعت أذن وارى العواقب لو رأى بصرُ
كم قال هبّوا طالما هجعت منكم عيون حقّها السهرُ
أباذن من هو مبصري صمم أم قلب من هو سامعي حجرُ
لولا عماكم عن هدى نذري ومواعظي ما جاءت النذرُ
ومنها: كامل
هذي مصارع معشر هلكوا وعظتكم بالعتب فاعتبروا
قالت أرى ليل الشباب بدت للشيب فيه أنجم زهرُ
فأجبتها لا تكثري عجبا من شيبة لم يجنها كبرُ
ومنها: كامل
لكن طويت من الهموم لظى أضحى لها في عارضي شررُ
حسنت شمائلكم وأوجهكم فتطابقا مراى ومختبرُ
والحسن في صور النفوس وإن راقتك من أجسامها الصورُ
لا ضعضعت أيدي الخطوب لكم ركنا ولا راعتكم الغيرُ
وله يصف فرسا: طويل
وأدهم من آل الوجيه ولاحق له اليل لون والصباح حجول
تجرّ لماء الحسن فوق أديمه فلولا التهاب الحضر ظلّ يسيلُ
كانّ هلال الفطر لاح بوجهه فأعيننا شوقا إليه تميلُ
كأنّ الرياح العاصفات تقلّه إذا ابتل منه محزم وليلُ
إذا عابد الرحمن في متنه علا بدا الزهو في العفين منه يجول
فمن رام تشبيها له قال موجزا وان كان وصف الحسن منه يطولُ
هو الفلك الدوّار في صهواته لبدر الدياجي مطلع وأفولُ
وله يخاطب مكة أعوزها الله تعالى. طويل
أمكّة تفديك النفوس الكرايمُ ولا برحت تنهلّ فيك الغمائمُ
[ ١٩٩ ]
وكفّت أكّف السوء عنك وبلّغت مناها قلوب كي تراك حوائمُ
فإنّك بيت الله والحرم الذي بعزته ذلّ الملوك الأعاظمُ
وقد رفعت منك القواعد بالتقى وشادتك أيد برّة ومعاصمُ
وساويت في الفضل المقام كلاهما ينال به الزلفى وتمحى المئاثمُ
ومن أين تعدوك الفضائل كلّها وفيك مقامات الهدى والمعالمُ
ومبعث من ساد الورى وحوى العلى بمولده عبد الإله وهاشمُ
نبي حوى فضل النبيين واغتدى لهم أولًا في فضله وهو خاتمُ
وفيك يمين الله يلثمها الورى كما يلثم اليمنى من الملك لاثمُ
دعا دعوة فوق الصفا فأجابه قطوف من الفجّ العميق وراسمُ
فأسعجب بدعوى لم تلج مسعمي فتى ولم يعها إلاّ ذكيّ وعالمُ
ألهفي لأقدار عدت عنك همّتي فلم تنتهض منّي إليك العزايمُ
فياليت شعري هل أرى فيك داعيا إذا جارت لله فيك الغمائمُ
وهل تمحون عنّي خطايا اقترفتها خطا فيك لي أو يعملات رواسمُ
وهل لي من سقيا حجيجك شربة ومن زمزم يروي بها النفسَ حائمُ
وهل ليَ في أجر الملبّين مقسم إذا بذلت للناس فيك المقاسمُ
وكم زار مغناك المعظمّ مجرم فحطّت به عنه الخطايا العظائمُ
ومن أين لا يضحي مرجيك أمنا وقد أمنت فيك المهى والحمائمُ
لئن فاتني عنك الذي أنا رائم فإنّ هوى نفسي عليك لرائمُ
وأن يحمني حامي المقادير مقدما عليك فأنيّ بالفؤاد لقادمُ
عليك سلام الله ما طاف طائف بكعبتك العليا وما قام قائمُ
إذا نسم تهد عنّي تحيّة إليك فمهديها الرياح النواسمُ
أعوذ بمن أسناك من شرّ خلقه ونفسي فما منها سوى الله عاصمُ
وأهدي صلاتي والسلام لأحمد لعلّي به من كبّة النار سالم