شيخ العلم وحامل لوائه، وحافظ حديث النبي صلى اله عليه وسلم وكوكب سمائه، شرح الله لتحفظه صدره، وطاول به عمره، مع كونه في كل علم وافر النصيب، مباشرا بالمعلى وبالرقيب، رحل إلى المشرق لأداء الفرض، لابس برد من العمر الغض، فروى وقيد، ولقي العلماء وأسند وأبقى تلك المأثر وخلد، نشأ في بنية كريمة، وأرومة من الشرف غير مرومة، لم يزل فيها على وجه الزمان أعلم علم،
[ ٢٠٥ ]
وأرباب مجد ضخم، قد قيدت مآثرهم الكتب وأطلعتهم التواريخ كالشهب، وما برح الفقيه أبو بكر يتسنم كواهل المعارف وغواربها، ويقيد شوارد المعاني وغرائبها، لاستضلاعه بالأدب الذي أحكم أصوله وفروعه، وعمر برهة من شبيبته ربوعه، وبرز فيه تبريز الجواد المستولي على الأمد، وجلى عن نفسه به كما جلى الصقال عن المنصل لفرد، وشاهد ذلك ما أثبته من نظمه الذي يروق جملة وتفصيلا، ويقوم على قوة العارضة دليلا فمن ذلك قوله يحذر من خلطاء الزمان، وينبه على التحفظ من الإنسان. رمل
كن بذيب صائد مستأنسا وإذا أبصرت إنسانا ففر
إنّما الإنسان بحر نما له ساحل فأحذره إياك الغرر
وأجعل الناس كشخص واحد ثمّ كن من ذلك الشخص خذر
وله في الزهد رمل
أيّها المطرود من باب الرضى كم يراك الله تلهو معرضا
كم إلى كم أنت في جهل الصبا قد مضى عمر الصّبا وانقرضا
قم إذا الليل دجت ظلمته واستلذّ الجفن أن يغتمضا
فضع الخدّ عن الأرض ونح واقرع السنّ على ما قد مضا
وله في هذا المعنى. بسيط مجزوء
قلبيَ يا قلبي المعنّى كم أنا أدعى فلا أجيب
كم أتمادى على ضلال لا أرعوى لا ولا أنيبُ
ويلاه من سوء ما دهاني يتوب غيري ولا أتوبُ
وا أسفي كيف برء دأي دأي كما شاءه الطبيبُ
لو كنت أدنو لكنت أشكو ما أنا من بابه قريبُ
أبعدني منه سوء فعلي وهكذا يبعد المريبُ
ما ليَ قدر وأيّ قدر لمن أحلّت به الذنوبُ
وله في المعنى أيضًا: كامل
لا أجعلن رمضان شهر فكاهة تلهيك فيه من القبيح فنونه
وأعلم بأنّك لا تنال قبوله حتّى تكون تصومه وتصونه
وله في مثل ذلك. طويل
[ ٢٠٦ ]
إذا لك يكن في السمع منّى تصاون وفي بصري غضّ وفي مقوليُ صمت
فحظيّ إذا من صوميَ الجوع والضما وان قلت أني صمت يومي فما صمتُ
وله في المعنى الأول: طويل
جفون إنسانا كنت ألف وصلهم وما في الجفا عند الضرورة من باسِ
بلوت فلم أحمد وأصبحت آيسا ولا شيء أشفى للنفوس من اليأسِ
فلا تعذلوني في انقباضي فإنّني رأيت جميع الشرّ في خلطا الناسِ
وله يعاتب بعض أخوانه: وافر
وكنت أظنّ أن جبال رضوى تزول وأنّ ودك لا يزولُ
ولكنَّ الأمور لها اضطراب وأحوال ابن أدم تستحيلُ
فإن يك بيننا وصل جميل وإلاّ فليكن هجر طويلُ
وأما شعره الذي أقتدحه من مرخ الشباب وعفاره، وكلامه الذي وشحه بمأرب الغزل وأوطاره، فإنه نسي إلى ما تناسه، وترك حين كساه العلم والورع من ملابسه ما كساه، فمما وقع إلي من ذلك قوله: كامل
كيف السلوّ وكلّ حبيب هاجر قاسي الفؤاد يسومني تعذيبا
لمّا درى أنّ الخيال مواصلي جعل السهاد على الجفون رقيبا
وله: بسيط مجزوء
يا من عهودي لديه ترعى أنا على عهدك الوثيقِ
أن شئت أن تسمعي غرامي من مخبر عالم صدوقِ
فاستخبري قلبك المعنّى يخبركِ عن قلبيَ المشوقِ