جاء على قدر وسبق إلى نيل المعالي وابتدار، واستيقظ لها والناس نيام، وورد ماؤها وهم حيام، وتلا من المعارف ما أشكل، وأقدم على ما أحجم عنه سواه ونكل فتحلت به العلوم نحور، وتجلت له منها حور، كأنهن الياقوت والمرجان، لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان، قد ألحفته الأصالة رداءها، وسقته أنداءها، وألقت إليه الرياسة أقاليدها، وملكته طريفها وتليدها، فبذ على فتائه الكهول سكونا وحلما، وسبقهم معرفة وعلما، وأزرت محاسنه بالبدر اللياح، وسرت فضائله سري الريا، فتشوفت لعلاه الأقطار، ووكفت تحكي نداه المطار، وهو على اعتنائه بعلوم الرشيعة، واختصاصه بهذه الرتبة الرفيعة،
[ ٢٢١ ]
يعني بإقامة أود الأدب، وينسل غليه أربابه من كل حدي، إلى سكون ووقار كما سار الطود، وجمال مجلس كما حليت الخود، وعفاف وصون، ما علمنا فسادا بعد الكون، وبهاء لو رأته الشمس ما باهت بأضواء وخفر، ولو كان للصبح ما لاح ولا أسفر، وقد أثبت من كلامه البديع الألفاظ والأغراض، ما هو اسحر من العيون النجل والجفون المراض فمن ذلك رقعه حملنيها تحية للرئيس أبي عبد الرحمن بن طاهر ﵀ وهي، عمادي أبا نصر، مثني الوزارة ووحيد العصر، هل لك في منة تفوت الحصر، تخف محملا، وتبلغ أملا، وتشكر قولا وعملا، شكرا تترنم به الحداة ورمى، إذا بلغت الحضرة العلية مستلما، ولقيت الطاهر بن طاهر فخر الوزارة مسلما، وحلت من فنائه الأرحب حرما، ولمست بمصافحته ركن المجد يندى كرما، فقف شوقي بعرفات تلك المعارف، وانسك شكري بمشاعر تلك العوارف، واطف أكباري بكعبة ذاك الجلال سبعا وبوء لوادي في مقر ذلك الكمال ربعا، وأبلغ عني تلك الفضائل سلاما، يلئم بصريح الحب والتئاما، ويحسن عني بظهر الغيب مقاما، ويسير عني بارح الجد أنجادا واتهاما، وله مراجعا عن كتابين كتبتهما إليه معاتبًا له. طويل
أبا النصران شدّوا رحالك للنوى فإنّ جميل الصبر عنك بها شدّوا
وأن تتركوا قلبي مقيما وترحلوا فماذا ترى في مهجة معكم تغدوا
وله فصل من رسالة في جانبي، في علمك، سدد الله علا حكمك ما جمعه فلان من جلائل، تشد عن الحصر، وفضائل يعترف له بها نبهاء العصر، يقول: فيختلس العقول ويعن، فيذهل الألباب ويحن، أن نظم فعبيد، أو لبيد، أو نثر فعبد الحميد، أو ابن العميد، أوصال فأبو نعامة، أو أنال فكعب بن مامة، وا فاخر فشجرة سيادة أصلها ثابت وفرعها في السماء، وا ذاكر فبحر معارف لا تكدره الدلاء، إلى همة تصفع هامه الثريا، وعزة تمتهن الفضل بن يحيى ولهجة تخرس العجاج، وبهجة تزري بنصر بن حجاج، ولو كنت ابن أبي هالة، لما بلغت المنتهى له، على أني لم أنبه لشأنه ذا جهالة، لكنه الكلام يطرد والبداية حسب ما ترد واللسان ينطق ملْ فيه والجبان يرشح بما فيه، ومن شعره قوله. طويل
عسى تعزف العلياء ذنبي إلى الدهرِ فأبدي له جهد اعترافي أو عذري
وقد حال ما بيني وبين أحبّه ألفتهم ألف الخمائل للقطرِ
[ ٢٢٢ ]
همُ أودعوا قلبي تباريح لوعة فنأيهم أذكى وأنكى من الجمرِ
على أنّ لي سلوى بانّ فراقهم وأن طال لم يمزج بصدّ ولا هجرِ
سأفزع للريح الشمال لعلّني أحمّلها نجوى تلجلج في صدريِ
تبلّع منها للوزير تحيّة معطرّة الأرجاء دائمة البشرِ
تظلله من حرّ كلّ هجيرة وتونسه في وحشة البلد القفرِ
وتنبئه أنّي أكنّ صبابه لحسن بدا في غير شعر ولا شعرِ
أهزّ بها عطفيّ من غير نشوة وأرخي بها ذيلا من التيه والكبرِ
وأنّي أشدو في النوادي بذكره كما شدت الورقاء في الغصن النضرِ
أجل وعساها أن تبلّغ مهجتي فأبلي بها عذري وأقضي بها نذري
وله في خامات زرع بينها شقائق نعمان هبت عليه ريح. سريع
انظر إلى الزرع وخاماته احكي وقد ماست أمام الرياح
كتابيا تجفل مهزومة شقائق النعمان فيها جراح
وله فصل من رسالة راجع بها، وصلت لمعظمي قرب الجلال، وزهيت به رتب الكمال، وحامت على مشرع مجده العذب طيور الآمال، وغصت أفنية جنابه الرحب بوفود الإقبال، ولا غرو أعزك الله أن من لاحظ من أثار فضلك الرائقة لحظة، أو حظي من سماع محاسنك الرائعة ولو بلفظة، أن تسير به همته في لقائك واحدًا، وتعتسف الطرق إلى ورد جلالك وافدًا حتى يشاهد الكمال لم يحوج إلى نقص، وليس لله بمستنكر أن يجمع العالم في شخص، وله عند ارتحاله عن حاضرة قرطبة. طويل
أقول وقد جدّ ارتجالي وغرّدت حداتي وزمت للفراق ركائبي
وقد غمصت من كثرة الدمع مقلتي وصارت هواء من فؤادي ترائبي
ولم تبق إلاّ وقفة يستحثّها وداعي للأحباب لا للحبائبِ
رعى الله جيرانا بقرطبة العلى=وسقى رباها بالعهاد السواكبِ
وحيّى زمانا بينهم قد الفته طليق المحيّا مستلين الجوانبِ
أأخواننا بالله فيها تذكروا معاهد جار أو مودّة صاحب
غدوت بهم من برّهم واحتفائهم كأنّي في أهلي وبين أقاربي
وله في المتشابه. متقارب
[ ٢٢٣ ]
إذا ما نشرت بساط ابتساط فعنه فديتك فاطو المزاحا
فإنّ المزاح كما قد حكى أولو العلم قبل عن العلم زاحا
وله في فصل من رسالة، لا بد لكل حين من بنين يجلون عاطله، ويجلون فضائله، ولكل محال، من رجال، يقومون بأعبائه، ويهيمون في كل واد بأنبائه، ولئن كانت جمرة الدب خامدة، وجذوته هامدة، ولسانه حصير، وأنسانه حسير، فلن يخليه الله من هلال يطلع، فيشرق بسمائه بدار، وزلال ينبع فيغدق بفضائه بحرا، وشبل يشدو فيزار من غابه ليثا، وطل يبدو، فيمطر من ربابه غيثا، ومن شعره. متقارب
لك الخير عندي لذاك النزاعِ عقل يهيم وقلب يراعُ
يعزّ علينا تنأي الديار وذاك سلامك لي والوداعُ
لكم أمل لي في اللقاء وأمنية قد طواها الزماعُ
فلم أجن منها سوى حسرة فوجد جميع وانس شعاعَ
لئن حّمل القلب ما لا يطاق فما كلّف الجفن لا يستطاعُ
وخرجنا لنزهة فلما أنصرفنا أصاب غفارتي شوك شقها فلما وصلت موضعي أمر أن أبعثها إليه، مع أحد عبيده المتصرفين بين يديه، فلما كان من الغد تأخر صرفها، وحضرت الجمعة فكتبت إليه معاتبًاَ في توقفها، قد بقيت أعزك الله كالأسير، ولقيت التوحش بجناح كسير، أن أردت النهوض لم ننهض، وليت من لا بريش لم يهض، وقد غدوت من المقام، في مثل السقام، فلتأمر بردها، لعلي احضر الصلوة وأشهدها، لا زلت سريا تطلق من يد الوحشة بريا، أن شاء الله فراجعني أدام الله ياوليي جلالك، وأبقى حليا في جيد الدهر خلالك الفغارة عند من ينظر فيها، وقد بلغت غير مضيع تلافيها، ويرجى تمامها قبل الصلوة وادراكها، وتصل مع رسولي وكأنما قد شراكها، وان عاق عائق، فليس مع صحة الود مضائق، والعوض رائق لايق، وهو واصل وأنت بقبوله مواصل، والسلام ما در شارق، وومض بارق.