ملئ حياء، وقنئ استحياء، طود سكون ووقار، وروضة نباهة يانعة الأزهار،
[ ٢٢٤ ]
وسمت صفحات المهارق غرره، وانتظمت بلبات المغارب والمشارق درره، أن نطق رأيت البيان منسربا من لسانه، والإحسان منتسبا لإحسانه، حوى العلوم وحازها، وتحقق حقائق العرب ومجازها، وروى قصائدها وأرجازها، وعلم أطالتها وإيجازها، وهو في الطب موفق العلاج، واضح المنهاج، وله نظم تزهى به نحور الكعاب، ويستسهل إلى سماعه سلوك الصعاب، وقد أثبت منه ما يجتليه، فتستحليه، وتمقله، فتنقله فمن ذلك قوله. كامل
أبدت لنا الأيّام زهرة طيبها وتسربلت بنضيرها وقشيبها
واهتزّ عطف الأرض بعد خشوعها وبدت بها النعماء بعد شحوبها
وتطلعت في عنفوان شبابها من بعد ما بلغت عتّي مشيبها
وقفت عليها السحب وقفة راحم فبكت لها بعيونها وقلوبها
فعجبت الأزهار كيف تضاحك ببكائها وتبشّرت بقطوبها
وتسربلت حللا تجرّ ذيولها من لدمها فيها وشقّ جيوبها
فلقد أجاد المزن في أنجادها وأجاد حرّ الشمس في تربيبها
ما انصف الخيريّ يمنع طيبه لحضورها ويبجه لمغيبها
وهي التي قامت عليه بدفئها وتعاهدته بدرّها وحليبها
فكأنّه فرض عليه موقّت ووجوبه متعلق بوجوبها
وعلى سماء الياسمين كواكب أبدت ذكاء العجز عن تغييبها
زهر توقّد ليلها ونهارها وتفوت شاو خسوقها وغروبها
فضلت على سير النجوم بأسرها وسرّوها في الخلفتين وطيبها
فتأرّجت أرجائها بهبوبها وتعانقت أزهارها بنكوبها
وتصوّبت فيها فروع جداول تتصاعد الأبصار في تصويبها
تطفو وترسيب في أصول ثمارها والحسن بين طفّوها ورسوبها
فكأنّما هي موجسات أساود تناسب من أنقابها للصوبها
فادر كؤس الأنس في حافاتها وأجعل سديد القول من مشروبها
فحديث اخوان الصفاء لذاذة تجنى ويمن من جناية حوبها
وأركض إلى اللذات في ميدانها وأسبق لسدّ ثغورها ودروبها
أعريت خليك صيفها وخريفها وشتائها هذا أوان ركوبها
[ ٢٢٥ ]
أو ما ترى الأزهار ما من زهرة إلاّ وقد ركبت فقار قضيبها
والطير قد خفقت على أفنانها تلقى فنون الشدو في أسلوبها
تشدو وتهتزّ الغصون كأنّما حركاتها رقص على تطريبها
وله: منسرح
كذا تصان السيوف في الخللِ ويفخر الحظّ بالقنا الذبّلِ
وتكرم الخيل في مرابطها بر الفتاه المعروف بالرجلِ
ويعطف النبع كالحواجب أو أحنى وتمهى السهام كالمقلِ
ويوثر الشّرة الكميّ إذا خير بين الدروع والحللِ
فتح أنارت له البلاد كما أشرقت المقربات للنهلِ
هدّت له الروم هدّة ملت قلوب أبطالهم من الوجلِ
فما أطاقوا الولوج في نفق وما أطاقوا الصعود في جبلِ
القوا بأيديهم ولا سبب يفرق بين الفتاة والبطلِ
فمجرئ الأسد في مرابضها كمجرى الغانيات في الكلِ
وربّما لم تقم مناصلها مقام تلك اللواحظ النجلِ
تغامسوا في الدروع زاخرة كي يسلموا من حرارة الأسلِ
فما أفادتهم الدروع سوى الن نقلة من خّفة إلى ثقلِ
كأنّهم والرماح تحفزهم جري فصال سلكن في الوحلِ
جاءوا بها سبّفا مضاعفة قد أخلصت بالحديد والعملِ
مثل عيون الدبا فصيّرها دم وطعن كأعين الحجلِ
هناك سل بالوزير من شهد ال حرب وان كنت شاهدا فقل
ولا تخف أن حكيت مغربة عنه مقام المكذّب الخطلِ
فإنّه الوحد الذي ترك الد دهر بلا مشبه ولا مثلِ
حدّث بما شئت عنه من حسن وعظّم المر ثمّ لا تسلِ
ففضله يبهر الأهلّة في سعودها والشموس في الحملِ
وكتب إلي أعزه الله مراجعا. طويل
هوى منجد يلقى به اليل متّهمُ يصّرح عنه الدمع وهو يجمجمُ
يبيت يدري أو يداري ما به ويغلبه أمر الهوى فيسلّمُ
لأجفانه من كل شيء موّرق ومن أين للمشتاق شيء ينوّمُ
[ ٢٢٦ ]
وليس الهوى ما الراي عنه مزحزح ولكنّه ما الراي فيه مفخّم
واعذر أهل الحبّ كلّ مدلّة يرى أنّ من يهدي له النصح الومُ
وأجلد أبناء الزمان مرزا يقاسي خطوب الدهر وهو متيّمُ
ويصعب حمل الهّم والهمّ مفرد فكيف ترى في حمله وهو توأمُ
ولولا أبو نصر ولذّات أنسه تقضّت حياتي كلّها وهي علقمُ
فتى فتح الله المعارف باسمه ومن دونها باب من الجهل مبهمُ
تأخر في لفظ الزمان وأنّه بمعناه في أعيانه متقدّمُ
أتوا بالمعاني وهي درّ منظمّ وجاء بها من افقها وهي أنجمُ
وما يستوي في الحكم راق وغائص لقد نال أسنى الرتبة المتسنّمُ
إليك أبا نصر بديهة خاطر توالى عليه الشغل وهو مقسّمُ
أهّبت به القول وهو لما به فلبّ ولم يسعده نطق ولا فمُ
وكم مصقع لا يرهب القول فعله ثنته خطوب ما أنثنت وهو مفحم
ولو لم يكن غلا وداعك وحده لا شفق منه يذبل ويلملمُ
فما يصنع الإنسان وهو بفهمه يحسّ باشتات الأمور ويفهمُ
وقد كنت تشكيني من الدهر دائبا فقد صوت أشكو منك ما أنت تعلمُ
عليك سلام تسحب الريح ذيله فيعبق منه كلّ ما يتنسّمُ
وأن لم يكن إلاّ وداع وفرقة فإنّ فؤادي قبلك المتقدّمُ
وله أيضًا: طويل
أرى بارقا بالأبلق الفرد يومض يذهّب جلباب الدجا ويفضّضُ
كأنّ سليمى من أعاليه أشرفت تمدّ لنا كفّا خضيبا وتقبضُ
إذا ما تولىّ ومضه نفص الدجا له صبغه المسودّ أو كاد ينفضُ
أرقت له والقلب يهفو هفوّه على انه منه أحدّ وأومضّ
وبتّ أداري الشوق والشوق مقبل عليّ وأدعو الصبر والصبر معرضُ
واستنجد الدمع الأبيّ على الأسى فتنجدني منه جداول فيّضُ
واعذل قلبا لا يزال يروعه سنا النار يستشرى والبرق ينبضُ
تظنّهما ثغر الحبيب وخدّه فذا ضاحك منه وذا متعرّضُ
غذا بلغت منك الخيالات ما أرى فأنت لماذا بالشخوص معرّضُ
[ ٢٢٧ ]
إلى أن تفرّت عن سنا الصبح سدفة كما أنشق عن صفح من الماء عرمضُ
وندّت إلى الغرب النجوم مروعة كما نفرت عير من السيل ركّضُ
وأدركها من فجاة الصبح بهتة فتحسبها فيه عيونا تمرّضُ
كأنّ الثريّا والغروب يحثّها لجام على رأس الدجا وهو يركضُ
وما تمتري في الهقعة العين أنّها على عاتق الجوزاء قرط مفضّضُ
ومنها في صفة الحرب. طويل
سل الحرب منه والسيوف جداول دفق والأرماح رقط تنضنض
وبالأرض من وقع الجياد تمدد ولكنه فيما تروم تقبض
وبالأفق للنقع المثار سحائب مواخص لكن بالصواعق تمخض
وقد سهكت تحت الحديد من الصدأ جسوم بما علّت من المسك ترحض
ومدت إلى ورد الصدور عيونها صدور العوالي والعيون تغمض
وأشرفت البيض الرقاق إلى الطلى لتكرع فيها والرؤوس تخفضُ
فلست ترى لا دماء مراقة تخاض إلي أكباد قوم تخضخض
وله: [وافر]
نزاع ما أرى بك أن نزوع لقد شقيت به منك الضلوعُ
يروعك أو يركعك كل داع أكل مثوب داع سميعُ
جهلت وقد علاك الشيب أمرا يقوم بعلمه الطفل الرضيعُ
ولولا ذاك ما قدرت أني أنوء بحمل ما لا أستطيع
فحسبك أو فحسبي منك دهر يُشت بصرفه الشمل الجميع
وشوق تقتضيه نوى شطون فتقضي عنه واجبها الدموعُ
حملت الحب مؤتمنا عليه فكيف يضيع ذلك أو يذيع
لقد جشمت نفسك متلفان بكل ثنية منها صريعُ
وحال الصب تخضبه دموع كحال القرن يخصبه نجيع
وقد تُحمى الدروع من العوالي ولا تُحمى من الحدق الدروع
وربّ فتى تُراع الأسد منه=تقنَّص قلبه الرشا المروع وكتب إليه الوزير محمد بن القاسم معزيا في قريب مات له. [وافر]
يشاطرك الصبابة والسهادا ويمحضك المحبة والودادا
[ ٢٢٨ ]
صديق لو كشفت الغيب عنه وجدت هواك قد ملا الفؤادا
يعزّ عليه رزء بتّ عنه شقيق النفس تلهمها سدادا
انشقق للعباد ونحن منهم من الرب الذي خلق العبادا
أراد بنا الفناء على سواء ولابد لنا مما أرادا
لئن قدمت علقا مستفادا لقد أكرمت حظًا مستفادا
ومثلك لا يضعضعه مصاب ولا يعطي لنائبه قيادا
ومازلت الرشيد نهى وحاشى لمثلك أن نعلمه الرشادا
فراجعه القاضي أبو الحسن بن زنباع. [وافر]
لعا لك من جواد قد أجادا ونال الغاية القصوى وزادا
وبشّر بالتي يسمو إليها سواك فلا تبلغه مرادا
فإني قد رأيت الدهر مطلقًا تنزل عن خلائقه وحادا
ومنذ بخست حظك وهو كبر أحال على الورى سنة جمادا
ولن يرضى الزمان وأنت فيه تدافع من محلك أو تعادا
ومثلك وهو أنت ولا مزيد شفى وكفى الملمات الشدادا
ومن وفدته بالنوب الليالي فكيف يطيق عدوا واشتدادا
ولولا ما كففت به فؤادي من الحكم التي تسلي تمادا
ومن يطفئ بنزر الماء نارا فليس يزيدها إلا اتقادا
جزاك الله خيرًا من صديق أفاد صديقه مما استفادا
ورد عليه صبر اصل عنه وأقسم لا ينال له قيادا
وأنجدة على خطب عراه وأدرك فيه ثارا فاستقادا
وله أيضًا: [كامل]
لهواك في قلبي كريقك في فمي غيري يقول الحب مر المطعم
فادر علي بمقلتيك كؤسه حتى يدب خمارة في أعظمي
إن التلذذ في هواك تلذذ لو كان أقتل من زعاف الأرقم
أحبب بحب لا يثير ملامة ملئت بموليه عيون النومِ
شغل النواطر والقلوب ولم يدع من لم يسمع زمن الأنام بميسمِ
ومن العجائب شغل شيء واحد في الحال أمكنةً ولم يتقسمِ
[ ٢٢٩ ]
وأقام أزمنة وليس بجوهر وجرى وليس بمايع مجرى الدمِ
يا أيها القمر الذي إنسان يرمي أناسًا للعيون بأسهمِ
لم أبد حبك غيران جوانحي فاضت به فيض الإناء المفعمِ
لا ذنب لي علم الذي أسررته نظرا ولم أرمز ولم أتكلمِ
وأمرت بالشكوى إليك وإنما ينمى إلى الإنسان ما لم يعلمِ
ولربما لم تشكني فأماتني ياسي فذرني تحت أمر مبهمِ
وتلافني قبل التلاف فإنني من حمير وسيأخذونك في دمي
الطاعنين بكل أسمر مدعس والضار بين بكل أبيض مخدمِ
والواردين الصادرين إذا الوغى لفحت بجمرتها وجوه الحومِ
ولعلهم تسمو بهم هماتهم=إن يدركوا في الظبي ثار الضيغمِ وزارة نفر من إخوانه فقال فيهم مرتجلًا: [بسيط]
أهلًا وسهلًا وكم من سادة نجب كالدبل السمرا وكالأنجم الشهبِ
أجملتُم وتفضلتم بزورتكم وليس يُنكر فضل من ذوي حسبِ
أضاء منزلنا من نور أوجهكم وطاب من عيشنا ما كان لم يطلبِ