طود علاء، رسا رسوثبير، وزند ذكاء، أورى بالإنشاد والتحبير، الفضل حشو أبراده والنبل تلو إصداره وإيراده، مع نفس عذبت صفاء وشيمة ملئت وفاء واحتفاء، ومذهب صفا صفاء التبر، وخلص من الخيلاء والكبر، وسعي لكل نجح ضامن، ووقار كان ثبيرا فيه كامن، وأدب زرت على الإعجاز جيوبه، وهبت بعزف الإحسان صباه وجنوبه، ونظم ونثر بلغا الغاية، وفي يدهما للسبق لواء وراية، إلا انه هين بخلق حرجت وساءت، وظنون شتى بعدت عن الخير وتناءت،
[ ٢١٨ ]
وأوجبت له من اللوم ما شاءه النقص وشاءت ولولاها امتطى الأفلاك، واستخفض الغفر والسماك، وقد أثبت من نظمه ونثره نبذا تدير عليها الحميا، وتتنسم لها عرفا وريا، فمن ذلك رسالة كتب بها إلى الوزير أبي محمد عبد الحق بن عطية وفقه الله وهي، أطال الله بقاءك يا سيدي الأعلى، وذخرى الأغلى، وواحد أعلاقي الأسمى، ومنحة الله العظمى، مخدوما بأيدي الأقدار، معصوما من عوادي الليل والنهار، مكتنفا من لطائف الله الخفية وعوارف صنائعه الحفية، بما يدفع عن حوزتك نوائب الخطوب، ويصنع لك في طيي المكروه نهاية المحبوب، لله تعالى أقدار لا تتجاوز مداها، وأحكام لا تخطى مرميها ولا تتخطاها، وآثار يحلها المرء ويغشاها، ولهذا من كتبت عليه خطا مشاها، غير انه عزك دام قد يخير الله لعبده في الأمر المكروه، ويلبسه في أثناء المحنة ثوبا من المنحة لا يسروه، فمن الحزامة لمن تحقق بالأيام ومعرفتها، وعلم صروف الليالي بكنه صفتها، أن يضحى عن الخطب شهما يواثبه، ولا يتوقى ظهر ما هو راكبه، غذ لا محالة أن العيش ألوان، وحرب الزمان عوان، وحتم أن يستشعر الصبر والجلد من يناوي الرجال، ويقري في نفسه أن الأيام دول وأن الحرب سجال، ويعتقد أن ما يعرضه في خلال النضال، من وخز الكفاح، ويعترضه بمجال الرجال، من خفز الرماح، غمار تقلع وغبار يقشع، لا سيما إذا كان الذي أصابه جرحا أشواه وسهم غرب حاب عن المقتل غلى سواه ثم أجلت الحرب عن قرنه ترت الجبين، شرقا بدم الوتين، فقد أربت لذة غلبه، وفرحة منقلة، على ما غاله من وصبه، وناله من تجشم نصبه، وأراح بعزة الظفر، وبلوغ الأمل وقضاء الوطر، ولم أزل أدام الله عافيتك أرتاع لفرقك، بتذكرك واشتياقك، وأتعلل منك بالمنى وأعول فيك على التسليم لمنافذ المنى، وأرجع على ترداد لعل وعسى، ومواصلة تجرع الكمد لانتزاحك والأسى، والأشفاق يفور بي وينجد، والتجلد يعين على مضض بعدك وينجد والتجلد يصور لي الأمل، ويثني الرجاء المعتل، إلى أن انتظر أن شاء الله في جانبك الصنع الجميل واثق لك منه عز وجهه باللطف الخفي، والفتح الجلي، وأتيقن لك بعادة الله السنية، وعارفته السالفة الهنية، وكونك قمر سنا، وهضبة سرو وسنا، انك لن تعدم حيث كنت مسرة، ولا تفقد بكل قطر تحلة تكرمة ومبرة، وان قدرك معروف بكل مكان، والنفيس نفيس حيثما
[ ٢١٩ ]
كان، ولكني علم الله كنت أتخيل خلو حضرتنا المزدانة بحلاك، من التجمل بمجدك وعلاك، فاستوحش وأتمثل بقوله نبئت أن النار بعدك أوقدت فأجهش. طويل
أقبلت طرفي في الفوارس لا أرى حزاقا وعيني كالحجاة من القطر
وأيم الله ياسيدي الأعلى تكدر بعدك المحيا، ونغص فراقك الدينا، واقشعرت بعدك العليا، وأصبح طرف لا أراك به أعمى إلى أن وافى من فلان راجلك بشيرا، فاغتديت لعمر الله جذلا وارتددت بصيرا، وقلت عودة من الزمان، وعطفة من درك الآمال والآمان، فالحمد لله الذي وهب هذه المسرة بتمامها، وأطلق النفس من عقلة اغتمامها، والشكر له على ما من به من أيابك، وأنعم به من فيئتك واقترابك، فإنها النعمة المالكة خلدي، المالئة لساني ويدي، التي هي أحلى من الأمان، وأسنى من كرة العمر وعودة الزمان، والرب يهنئك السلامة، ويلحفك أبراد العز في حالتي الظعن والإقامة ويعرفك يمن قفولك وبركة رحلتك وحلولك ويسعدك بمقدمك، ويجعل الأيام من خدمك، بعزته الباهرة، وقدرته القاهرة، والسلام الجزيل العميم عليك ورحمة الله وبركاته، وله من قطعة راجع بها الوزير أبا القاسم بن السقاط ارتجالا. كامل
يا لابسا برد العلاء مفوفا بأجل مأثرة وأسنى مفخر
أني وحقك لو جهدت مودة نفسي لأبلغ كنه ما في مضمري
لو كنت أسطيع الوفاء بما أرى لجلال قدر إلا وحدي الشمري
لنضوت جلبات الشباب غفارة وخلعتها بدلا له من ممطرِ
أو كنت أرسل ما يليق بقدره لبعثتها من سندس أو عبقري
وبذلت نفسي دونه ووقيته بنفيس عمري من صروف الأدهرِ
لله أبيات أتتنا خمسة مثل الفرند نظمن نظم الجوهري
جمعت من السحر الحلال محاسنا من كلّ رائق نظم مستندرِ
سوّى وشيعتها لسان حائك ووشى سداها خاطر كالسمهري
فأتت حبيبا لن يفوه بمثلها وأتت بما يزري بنبل البحتري
فالبس هنيئا برد مجد سابغ واسحب ذيولك زاهيا وتبخترِ
وله رسالة كتب بها إلى أمير المسلمين يعزيه في الأمير مزدلي رحمة الله، أطال الله
[ ٢٢٠ ]
بقاء أمير المسلمين، وناصر الدين، الشائع عدله، السابغ فضله، العظيم سلطانه العلي مكانه، السني قدره وشأنه، في سعد تطرف عنه أعين النوائب، وجد تصرف دونه أوجه المصائب، كل رزء أدام الله تأييده وأن عظم وجل حتى استولى على النفوس منه الوجل، إذ عدا بابه، وتخطى جنابه، فقد أخطأ بحمد اله المقتل، وصد عن سواء الغرض وعدل، وإذا كانت أقدار الله تعالى غالبة لا تصاول، وأحكامه نافذة لا تزاول، فالصبر لواقعها أولى، والتسليم لجوازها أوهب لرضى المولى، والتزام أوامره أشرف وأعلى، وفي كل حال أجل وأولى، وكتبته أدام الله تأييده والنفس بنار زفراتها محترقة، والعين بماء عبرتها شرقة مغرورقة، لما نفذ قدر الله المقدور، وقضاؤه المسطور، من وفاة الأمير الأجل أبي محمد مزدلي قدس اله روحه، وسقى ضريحه، فياله رزء قصم الظهر، ووسم النجوم الزهر، وأذكى الأحزان، وأبكى الأحزان، وأبكى الأجفان وأقصى المهاد بمكانته من الدول المنيفة ومنزلته من الأمرة الرفيعة الشريفة، وعند الله نحتسبه ذخيرة عظمى، ونسأله المغفرة له والرحمن. فإنه كان نور الله وجهه متوفر الهمة على الجهاد، من أهل الجد في ذلك والاجتهاد، وحسبه أنه لم يقض نحبه غلا وهو متجهز في عساكره فأدركه الموت مهاجرا، ومع الله تاجرا، وأرجو أن يكون تعالى قد قرن له فاتحة السعادة، بخاتمة الشهادة، وأمير المسلمين أورى في الرياسة وندا من أن تضعضعه الخطوب وأن أهمت، وتوجعه الحوادث إذا ادلهمت والله يحسن عزاءه على فجعه، ولا يدني حادثا من ربعه بمنه ﷿.