ملك جند الكتائب والجنود، وعقد الألوية والبنود، وأمر الأيام فائتمرت، وطافت بكعبته الآمال واعتمرت، إلى لسن وفصاحة، ورحب جناب للوافد وساحة، ونظم يزري بالدر النظيم، ونثر تسري رقته النسيم، وأيام كأنها من حسنها جمع، وليال كان فيها على الأنس حضور ومجتمع، راقت إشراقًا وتبلجًا، وسالت مكارمه أنهارا وخلجًا، إلى أن عادت الأيام عليه بعهود العدوان، ودبت إليه دبيبها لصاحب الأيوان، وانبرت إليه انبراءها لابن زهير وراء عمان، فأرغمت فيه للمجد معطسًا، ورماه سهم الحادثات فقرطسًا، فدجت أيامه المشرقة، وذوت غصونه المورقة، ونقل هو وابناه، إلى حيث أمر لهم الدهر جناه، فأمضى عليهم حد الحسام حكمه، وأنفذ فيهم جور الأيام ظلمه، بحيث لم تعطف عليهم إلا جوانح الليل، ولم تقف لديهم إلا بوارح الويل، ولم يجب استغاثتهم إلا عواء الذياب، أو صدى تتسعر فيه نار الاكتئاب، فرويت الأرض من دائهم، وتعطلت المنابر من أسمائهم، وعاد صبح ملكهم عاتمًا، وأقامت النجوم عليهم مأتمًا، فخروا على الثرى
[ ٣٦ ]
بدورًا، وسعروا بالجوى صدورًا، وغدوا صرعى تسفي عليهم الشمال، وتنفي منهم الآمالا، مجدلين على وجه الأرض، معفرين إلى يوم النشور والعرض، وقد توسدوا التراب بدلًا من الآرائك، وتضرجوا بالدماء بعد التضمخ بالمسك الصائك، وغدا مضرعهم من نجيعهم أحمر، كأنهم ما أعملوا أبيض ولا أسمر، وأرس الجلباب، غير انس الجناب، لا يطرقه إلا سبع أو ذيب، ولا يرمقه إلا تخيل للقلوب مذيب، وصارت في لحومهم للسباع ولائم، وعلى دمائهم من النسور حوائم، وطالما وردوا للمنى مناهل، ووجدوا الديار بها أواهل، وركبوا الجياد وجنبوها، وشهدوا الأعياد فوزينوها، ورقمت أوامرهم بطون المهارق، وتحكمت بواترهم في الطلى والمفارق، وطوقت مواهبهم الأعناق، وأغصت مهابتهم الجفون والأحداق، فمزقوا وما حضرهم أنيس، ولا أذهب إيحاشهم تانيس، وباتوا لم يطلب لهم بثار، ولا انتظم شملهم بعد الانتثار. أخبرني أحد قاتليه أنه رغيب في تقديم ولديه، بين يديه، ليحتسبهما حسنة تمحو بعض ذنبه، وكانا كوكبي رياسته، ووارثي نفاسته، فتقدما للحمام، وطلعا من ثنيته بدري تمام، وبدا منهما من الجلد، في ذلك الموطن الأنكد، ما حير قاتلهما وستر عنه مقاتلهما، ثم أمر عليهما غرارة، وساق الردى إلى تمامهما سراره، وقام المتوكل عند صرعتهما، مختبلًا من لوعتهما، ليصلي وقد أفرط في ملامه، وتشطط في كلامه، واختلط افتتاحه بسلامه، فبادروه بأسنتهم في الصلوة، وناهشوه مناهشة الطير لقتيل الفلاة، حتى خر لا لسجود، واستلقى لغير هجود، وهي الأيام هذه شيمها، تسيء وإن همت بالإحسان ديمها، أفقرت شعب ودان، وعفرت ملك غمدان، وأظفرت الحمام بعبد المدان، وفرقت عن مكنس رامة ظباءة، ورمت بسطام بن قيس مخر على الالآءة، ومزقت أبني بدر بجفر الهباءة، وقد رثاهم الوزير أبو محمد ابن عبدون عظيم ملكهم، ونظيم سلكهم، بقصيدة اشتملت على كل ملك قتل، وأشارت إلى من غدر منهم وختل، تكبرها المسامع، ويعتبر بها السامع، وهي: بسيط
الدهر يفجع بعد العين بالأثر فما البكاء على الشباح والصورِ
أنهاك أنهاك لا ألواك معذرة عن نومة بين ناب الليث والظفرِ
فالدهر حرب وإن أبدا مسالمةً والبيض والسمر مثل البيض والسمرِ
[ ٣٧ ]
ولا هوادة بين الرأس تأخذه يد الضراب وبين الصارم الذكرِ
فلا يغرنّك من دنياك نومتها فما صناعة عينيها سوى السهرِ
ما لليالي أقال الله عثرتنا من الليالي وخانتها يد الغيرِ
في كلّ حين لها في كلّ جارحة منّا جراح وإن زاغت عن البصرِ
تسرّ بالشيء لكن كي تغرّ به كالأيم ثار إلى الجاني من الزهرِ
كم دولة وليت بالنصر خدمتها لم تبق منها وسل ذكراك من خبرِ
هوت بدرًا وفلّت غرب قاتله وكان عصبًا على الأملاك ذا اثرِ
واسترجعت من بني ساسان ما وهبت ولم تدع لبني يونان من أثرِ
واتبعت أختها طمسًا وعادَ علي عادٍ وجرهمَ منها ناقص المررِ
وما أقالت ذوي الهيأت من يمنٍ ولا أجارت ذوي الغيات من مضرِ
ومزّقت سبّأً في كلّ قاصيةٍ فما ألتقى رائح منهم بمتكبرِ
وأنفذت في كليب حكمها ورمت مهلهلًا بين سمع الأرض والبصرِ
ولم تردّ على الضليل صحّته ولا ثنت اسدًا عن ربّها حجرِ
ودوّخت آل ذبيانٍ وإخوتهم عبسًا وعضّت بني بدر على النهرِ
وألحقت بعديّ بالعراق على يد ابنه أحمر العينين والشعرِ
وبلّغت يزدجرد الصين واختزلت عنه سوى الفرس جمع الترك والخزرِ
ومزّقت جعفرًا بالبيض واختلست من غيله حمزة الظلاّم للجزرِ
وأشرفت بخبيب فوق فارعة وألصقت طلحة الفياض بالعفرِ
ولم تردّ مواضي رستم وقنًا ذي حاجب عنه سمعا في ابنة الغيرِ
وخضّبت شيب عثمانٍ دمًا وخطمت إلى الزّبير ولم تستحي من عمرِ
وأجزرت سيف أشقاها أبا حسنٍ وأمكنت من حسين راحتي شمرِ
وليتها إذا فدت عمرا بخارجة فدت عليًّا بمن شاءت من البشرِ
ما رعت لأبي اليقظان صحبته ولم تزوّده إلاّ الضحّ في الغمرِ
وفي ابن هند وفي ابن المصطفى حسنٍ أتت بمعضلة الألباب والفكرِ
فبعضنا قائل ما اغتاله أحد وبعضنا ساكت لم يوت من حصرِ
وعمّمت بالردى فودي أبي أنسٍ ولم تردّ الردى عنه فنا زفرِ
وأردت ابن زياد بالحسين فلم يبؤ بشسع له قد طاح أو ظفرِ
[ ٣٨ ]
وأنزلت مصعبًا من رأس شاهقة كانت بها مهجة المختار في وزرِ
ولم تراقب مكان ابن الزبير ولا رعت عياذته بالبيت والحجرِ
ولم تدع لأبي الذبّان قاضبه ليس اللطيم لها عمرو بمنتصرِ
وأظفرت بالوليد بن اليزيد ولم تبقِ الخلافة بين الكاس والوترِ
حبابهُ حبُّ رمَّان ألمّ بها وأحمرٌ قطّرته نفحة القطرِ
ولم تعد قضب السفّاح نائبة عن رأس مروان أو أشياعه الفجرِ
واسلبت دمعة الروح الأمين على دمٍ يثجّ لآل المصطفى هدرِ
وأشرقت جعفرًا والفضل ينظره والشيخ يحيى بريق الصارم الذكر
وأخفرت في الأمين العهد وانتدبت لجعفر بابنه والأعبد الغدرِ
وروّعت كل مأمون ومؤتمن وأسلمت كل منصور ومنتصر
وأعثرت آل عبّاس لعًا لهمُ بذيل زبَّاءَ من بيض ومن سمرِ
وأوثقت في عراها كلّ معتمد وأشرقت بقذاها كلّ مقتدرِ
ولا وفت بعهود المستعين ولا بما تأكدّ للمعتزّ من مررِ
بني المظفّر والأيام ما برحت مراحلًا والورى منها على سفرِ
سحقًا ليومكمُ يومًا ولا حملت بمثله ليلة في مقبل العمرِ
من للأسرّة أو من للأعنّة أو من للأسنّة يهديها إلى الثغرِ
من لليراعة أو من للبراعة أو من للسماحة أو للنفع والضررِ
أو دفع كارثة أو ردع آزفة أو قمع حادثة تعيي على القدرِ
من للظّبي وعوالي الخطّ قد عقدت أطراف السنها بالعيّ والحصرِ
وطوقت بالثنايا السود بيضهمُ أعجب بذاك وما منها سوى ذكرِ
ويح السماح وويح الباس لو سلمًا وحسرة الدين والدنيا على عمرِ
سقت ثرى الفضل والعبّاس هامية تعزى إليهم سماحًا لا إلى المطرِ
ثلاثة ما رأى السعدان مثلهمُ فضلًا ولو عززا بالشمس والقمرِ
ثلاثة ما ارتقى النسران حيث رقوا وكلّ ما طار من نسر ولم يطرِ
ومرّ من كلّ شيء فيه أطيبه حتّى التمتّع بالآصال والبكرِ
من للجلال الذي عمّت مهابته قلوبنا وعيون الأنجم الزهرِ
أين الإباءِ الذي أرسوا قواعده على دعائم من عزّ ومن ظفرِ
[ ٣٩ ]
أين الوفاء الذي اصفوا شرائعه فلم يرد أحد منهم على كدرِ
كانوا رواسي أرض الله منذ نادوا عنها استطارت بمن فيها ولم تقرِ
وكانوا مصابيحها فمذ خبوا غبرت هاذي الخليقة يالله في سرر
كانوا شجا الدهر فاستهوتهم خدع منه بأحلام عاد في خطا الخضرِ
من لي ومن بهم أن أطنبت محن ولم يكن وردها يفضي إلى صدرِ
من لي ومن بهم أن أظلمت نوب ولم يكن ليلها يفضي إلى سحرِ
من لي ومن بهم أن عطّلت سنن واخفتت ألسن الآثار والسيرِ
ويلمّة من طلوب الثأر مدركه لو كان دينًا على الأيام ذي عسرِ
على الفضائل إلاّ الصبر بعدهمُ سلام مرتقب للأجر منتظرِ
يرجو عسى وله في أختها طمع والدهر ذو عقب شتّى وذو غيرِ
قرّطتّ آذان من فيها بفاضحة على الحسان حصى الياقوت والدررِ
واخبرني الوزير أبو بكر ابن القبطرنة أنه كان مسامرًا للمتوكل غذ وافاه خبر بخروج أحد أهل يابرة فارًا من ابنه العباس ولحاقه بالمعتمد على الله فبينما هو يردد الوعيد، ويبدي في ذلك ويعيد، إذا بكتاب العباس قد وافاه، يقسم أنه ما أخرجه ولا نفاه، ولا حمله على ذلك إلا البطر، وأنه كان له في ذلك أرب ووطر، وكانت حاجة في نفس يعقوب قضاها، وإرادة أنفذها وأمضاها، فوقع له على رقعة، قبولي لتنصلك من ذنوبك موجب لجرأتك عليها، وعودتك إليها، واتصل بي ما كان من خروج فلان عنك ولم تتثبت في أمره، ولا تحققت صحيح خبره، حين فر عن أهله ووطنه، والعجلة من النقصان، وليس يحمد قبل النضج بحران، وهو الذي أوجبه إعجابك بأمرك، وانفرادك برأيك، ومتى لم ترجع إلى ما وعدت به من نفسك، وصدرت به من كتبك، فإنا والله أريح نفسي من شغبك، وإن تكن الأخرى، فهو الحظ الأوفى، فاختر لنفسك أي الأمرين ترى إن شاء الله تعالى، وبلغه أنه ذكر في مجلس المنصور يحيى أخيه بسوء فكتب إليه، طويل
فما بالهم لا أنعم الله بالهم ينيطون بي ذمًّا وقد علموا فضلي
يسيئون في َّ القول جهلًا وضلَّة وإني لأرجو أن يسوءهمُ فعلي
لئن كان حقًا ما أذاعوا فلا مشت إلى غاية العلياءِ من بعدها رجلي
ولم ألقَ أضيافي بوجه طلاقةٍ ولم امنح العافين في زمن المحلِ
[ ٤٠ ]
كيف وراحي درس كل غريبة وورد التقى شمّي وحرب العدى نقلي
ولي خلقٌ في السخط كالشري طعمه وعند الرضا أحلى جنىً من جنى النحلِ
فيا أيها الساقي أخاه على النوى كؤوس القلى مهلًا رويدك بالعلِّ
لتطفي نارًا أضرمت في نفوسنا فمثلىَ لا يقلى ومثلكَ لا يقلي
وقد كنت تشكيني إذا جئت شاكيًا فقل لي لمن أشكو صنيعك بي قل لي
فبادر إلى الأولى وإلاَّ فإنّني سأشكوك يوم الحشر للحكم العدلِ
وكان ابن الحضرمي وزيره فازدهى، واقتعد السهى، وعامل الناس أسوأ معاملة، وأعطاهم المقابحة عوضًا من المجاملة، وأهمل الحال التي علقها به وناطها، ودمرها عليه وما حاطها، ولما تجبر وعتا، وأتى من ذلك ما أتى، ظهر للمتوكل قبح أفعاله، واحتذائه بالنجم وانتعاله، فأقعده عن رتبته، وأبعده عن خدمته، فكتب إليه يستعطفه، فراجعه المتوكل، يا سيدي وأكرم عددي، الشاكي ما جنته يده لا يدي، ومن أسأل الله له التوفيق في ذاته، إذ حرمه في ذاتي، قرأت كتابك المتشكي فيه صدوري، وأعراضي عنك غاية مجهودي، نعم فإني رأيت الأمر قد ضاع، والأدبار قد انتشر وذاع، فأشفقت من التلف، وعدلن إلى ما يعقب إن شاء الله بالخلف، وأقبلت استدفع مواقع أنسي، وأشاهد ما ضيعته بنفسي، فلم أر إلا لحجًا قد توسطتها، وغمرات قد تورطتها، فشمرت عن الساق بلجمتها، وخدمت النفس بمهجتها، حتى خضت البحر الذي أدخلني فيه رأيك، ووطيت الساحل الذي كان يبعدني عنه سعيك، فنفسك لم، وبسوء صنيعك لذا واعتصم، وإن مت بجميل اعتقاد، ومحض وداد، فأنا مقر بغره، معترف بقله وكثره، ولكن كنت كالمثل شوى أخوك حتى إذا انضج رمد، وقد أطعمت في العدو، ولبست لأهل مصري الاستكبار والعتو، واستهنت بجيرانك، وتوهمت أن المروءة التزام زهوك وتعظيم شانك، حتى أخرجت النفوس على وعليك، فانجذب مكروه ذلك غليك، ومع ذلك فليس لك عندي إلا حفظ الحاشية، وإكرام الغاشية، ولما كتب الوزير أبو بكر بن القبطرنة مع بنت الحضرمي، وتأخر زفافها تأخرًا أرقه، وأورى حرقه، واتفق أن نهض المتوكل إلى أرض الروم، لمنازلة أحد معاقلها وهو معه فأقام معه إلى أن فتحه، وأنهج له الظفر سعيه وأوضحه، فصدر والفتنة قد أنشبت أظفارها، وأعملت أسنتها وشفارها، وأغطشت ليلها، وأجالت في عراصه خيلها، فكتب إليه، ومملوكك قبل التهنئة:
[ ٤١ ]
بسيط
يشكو إليك الذي تطويه أضلعه بالحضرميّة من همّ وتسهيدِ
فانسخ ليّ السود من أيام وحشتها بالبيض قبل اختلاط البيض بالسودِ
فقال ابن ايمن أراد الشباب والمشيب وقال هو والله ما أراد إلا الروم والزنج وكان باختلاطهم، وانتشارهم فينا وانبساطهم، ووالله لا جمعن بينهما قبل أن ينجر باسهم إلينا فيعود الشباب مشيبًا، وترى الولدان شيبًا وترحل كل سلوة، وتنحل كل حبوة، وتكثر الأجاحات، وتصبح الأعراس وهي مناحات، وعاقت الفتنة عن ذلك وشغلت، وتوقدت عواديها واشتعلت، فلم يتكيف أعراسه، ولا جرت في ميدان المنى أفراسه.
ولما عفر المتوكل وصرع، وجرع من الردى ما جرع، ارتدت آمال أبي بكر على أعقابها، وانسابت إليه حيات الملمات من أنقابها، وانتهت أمواله، وهتكت أحواله، وغدت منازله وهي نزائل، وتراءى له ظل عزة وهو زائل، واستنسر له البغاث، وعدم المستصرخ والمستغاث، فقال يرثي المتوكل والفضل: طويل
تهاوت بيَ الدنيا وهرّت كلابها بأسدي وجرّت بيض أفياليَ النملُ
فقلت لها عيثي جعار وجرّري فلا عمر منّي قريب ولا الفضلُ
ثم أعرس بها بعد والحال قد جف معينها، وخف قطينها، وورد ثمادها، وفقد عمادها، فأقام معها بين أحوال مكربة، وأمال مضطربة، إلى أن حان حينها، وبان رحيل المنايا وبينها، وفيها يقول عندما عاقها عنه الحمان وعداها، وثناها عنه كما ثنى عن الروضة نداها: متقارب
ادمعًا جموحًا وصبرًا حزونًا لقد جمع الحزن فيك الفنونا
أيا ماشيًا فوقها لاهيًا تميس اختيالًا وتنتقدّ لينًا
ترفّع برجلك عنها رويدًا ستجعل خدّك فيها المصونا
فلا تبكينَّ لشرخ أملس قناتك ميمًا وياء وسينًا
وخطّ على ورد كافورتيك بمسك عذاريك لامًا ونونًا
وممّا يثبّت قولي لديك ورّبتما جرّشان شؤنا
مصاب حكى في ابنة الحضرميّ مصاب صبيرة أدمى الجفونا
ولفّ الشباب بأوراقه وأودعه الترب غضًّا مصونا
فأنسي بها نضرة واقتبالًا وعيشًا نصيرًا وأنسًا طرونًا
وأخبرني الوزير أبو محمد بن عبدون أن الجدب توالى بحضرته حتى جفت
[ ٤٢ ]
مذانبها، وأغبرت جوانبها، وغرد المكا في غير روضة، وخاض الناس بالباس أعظم خوضه، وأبدت الخمائل عبوسها، وشكت الأرض للسماء بوسها، فأقلع المتوكل عن الشرب واللهو، ونزع ملابس الخيلاء والزهو، وأظهر الخشوع، وأكثر السجود والركوع، إلى ان غيم الجو، وأنسجم النو، وصاب الغمام، وغنت الحمام، وسفرت الأزهار، وزهت النجاد والأغوار، واتفق أن وصل أبو يوسف المغني والأرض قد لبست زخارفها، ورقم الغمام مطارفها، وتدبجت الغطيان والربى، وأرجت نفحات الصبا، والمتوكل ما فض لتوبته ختامًا، ولا نفض عن قلبه منها قتامًا، فكتب إليه: متقارب
ألمّ أبو يوسف والمطر فيا ليت شعري فما ينتظر
ولست بأب وأنت الشهيد حضور نديّك فيمن حضر
ولا مطلعي وسط تلك السما ء بين النجوم وبين القمر
ركض فيها جياد المرا م محثوثة بسياط الوتر
فبعث إليه مركوبًا وكتب معه: متقارب
بعثت إليك جناحًا فطر على خفية من عيون البشر
على ذلل من نتاج البرو ق في ظلل من نسيج الشجر
فحسبيَ ممّن نأمن من دنا فمن غاب كان فدا من حضر
فوصل القصبة المطلة على البطحاء، المزرية بمنازل الروحاء، فأقام منها حيث قال عدي بن زيد يصف صنعاء: مديد
في قباب حول دسكرة حولها الزيتون قد ينعا
ومضى لهم من السرور ما مر لاذي رعين، ولا تصور قبل عيونهم لعين، وأخبرني أنه سايره إلى شنترين قاصية أرض الإسلام، السامية الذري والإعرم، التي لا يروعها صرف، ولا يقرعها طرف، لأنها متوعرة المراقي، معفرة للراقي، متمكنة الرواسي والقواعد، من ضفة نهر استدار بها استدارة القلب بالساعد، وقد أطلت على خمائلها أطلال العروس من منصتها، واقتطعت في الجو أكثر من خصتها، فمروا بالبش قطر سالت فيه جداوله، واختالت فيه خمائله، فما يجول الطرف منه إلا في حديقة، او بقعة أنيقة، فتلقاهم ابن مغاني قاضي حضرته وأنزلهم عنه، وأورى لهم بالمبرة زند، وقدم لهم طعامًا، واعتقد قبوله منا وأنعاما، وعندما طعموا قعد القاضي بباب المجلس رقيبًا لا يبرح، وعين المتوكل حياء منه لا تجول ولا تمرح،
[ ٤٣ ]
فخرج أبو محمد وقد أبرمه بتثقيله، وحرمه رواحه ومقيله، فلقي ابن خيرون منتظرًا له، وقد أعد لحضوره منزله، فصار إلى مجلس قد ابتسمت ثغور نواره، وخجلت خدود ورده من زواره، وأبدت صدور أباريقه أسرارها، وضمت عليه المحاسن أزرارها، ولما حضر له وقت الأنس وحينه، وأرجت له رياحينه، وجه من يرقب المتوكل حتى يقوم جليسه، ويزول موحشه لا أنيسه، فأقام رسوله وهو بمكانه لا يريمه، وقد لازمه كأنه غريمه، فما انفصل، حتى ظن أن عارض الليل قد نصل، فلما عام أبو محمد بانفصاله بعث إلى المتوكل بقطيع خمر وطبق ورد وكتب معهما: رجز
إليكها فاجتلها منيرةً وقد خبا حتى الشهاب الثاقبُ
وافقة بالباب لم يؤذن لها إلاَّ وقد كاد ينام الحاجبُ
فبعضها من المخاف جامد وبعضها من الحياء ذائبُ
فقبلها ﵀ وكتب إليه: رجز
قد وصلت تلك التي زففتها بكرا وقد شاب لها ذوائب
فهبّ حتّى نستردّ ذاهبًا من أنسنا أن استردّ ذاهبُ
فركب إليه، ونقل معه ما كان بالمجلس بين يديه، وباتًا ليلتهما لا يريمان السهر، ولا يشيمان برقًا إلاّ الكاس والزهر، وأخبرني ابن زرقون أنه حضر مجلس راح، ومكنس ضباء وأفراح، وفيه جماعة منهم الوزير أبو بكر بن القبطرنة شيخ الفتوة، ومعرض فتياتها المجلوة، ومعهم سعد ابن المتوكل وهو غلام ما نضا عنه الشباب بردة، ولا اذوي ياسمينة ولا وردة، وكان الوزير أبو بكر وأخواه أبو محمد وأبو الحسن مختصين بالفضل أخيه اختصاص الأنوار بالكمائم، واللبات بالتمائم، فتذاكروا فقه، وكيف شفى عليه الزمان حقه، ووصفوا صرعته، وأوقدوا لوعته، والمدام قد روقت دمعه، وشوقت لأحاديثه سمعه، فهاج شجوه، وبان طربه ولهوه، وأرسل مدامعه سجالًا، وقال ارتجالًا: كامل
يا سعد ساعدني ولست بخيلًا وامنن بها خمرًا تفيض همولًا
وأحبس عليّ دموع عينك ساعة وأبرد بها ممّا ألمّ غليلًا
أن يصبح الفضل القتيل فإنّني أصبحت من وجدي به مقتولًا
كم قد وفيتم والحمام بمهجتي وحملت شول علائكم معقولًا
[ ٤٤ ]
ومن كلامه الحر، ونثره المزري بالدر، ما كتب به إلى المعتمد شافعًا وهو، ما يسفر لي أيدك الله وجه مطالعتك، ويعن لي سبب مراسلتك، إلا واجد الزمان قد أقبل بعد أعراضه، وأمد حبل انتقاضه، وارى المنى تلقي إلي عنانها، وتدني من يدي إحسانها، فإنك العماد الذي اعتده جبلًا الوذ بحقوه، ومنهلًا أكرع في صفوة، ومعظمًا أعاطيه بقسطه، أناجيه على شطحه، ولما كان فلان أبقاه الله قد سبقت به المعرفة القديمة، وسلفت معه الأدمة الكريمة، وأتاني ثناؤه عليك بالغيب أرسالًا، كأنما هب صبا أو شمالًا، لزمني أن أعلمك بمكانه من الانقطاع إلى جهتك، والتحيز إلى فئتك، وإن أشفع له عندك شفاعة حسنة أدرك بها كرم الشفيع، ويحوز بها منك شرف العارفة والصنيع، وهي منة طوقته إياها، وأطلعته بروضها ورباها، ثم اعترض عليه فيها، وقد شهر ملكه لها ولنواحيها، ويعيذ الله فخرك أن يكون ما وهبت مرتجعًا، وما أوليت منتزعًا، وأنا ارتقب لها الإسعاف والقبول، كما يرتقب الظمأن الورود والوصول، وإن مننت أيدك الله بالمراجعة الجميلة البديعة، وقرنتها بأحوالك المصونة الرفيعة، وقرنتها بأحوالك المصونة الرفيعة، اقتضيت الشكر من شاكر، كنور زاهر وغمام باكر، إن شاء الله تعالى، وكان ليلة مع خواصه للأنس معاطيًا، ولمجلس كالشمس وأطيا، وقد تفرغ للسرور، وتسوغ عيشًا كالأمل المزرور، والمنا قد أفضحت ورقها، وأومض برقها، والسعد تطلع مخائله، والملك يبدو زهوة وتخايله، غذ ورد عليه كتاب بدخول أشبونة في طاعته، وانتظامها في سلك جماعته، فزاد في مسرته، وبسط أسرته، واقبل على خدامه، وأسبل نداه على جلسائه وندامه، فقال له ابن خيرة وكان يدل بالشباب، وينزل منه منزلة الأحباب، لمن توليها، أو من يكون واليها، فقال لك، فقال فاكتب لي بذلك، فاستدنى الدواة والرق وكتب وما جف له قلم، ولا توقف عنه كلم، لم يسوغ أولياء النعم مثل الذي سوغتموه من التزم الطاعة، والدخول في نهج الجماعة، ولذلك لا ألوكم ونفسي فيكم نصحا فيمن أتخيره للنيابة عني في تدبيركم، والقيام بالدقيق والجليل من أموركم، وقد وليت عليكم من لم أوثر والله فيه دواعي التقريب، على بواعث التجريب، ولا فرات التخصيص، على لوازم التمحيص، وهو الوزير القائد أبو عبد الله ابن خيرة ابن درية بعضي صحبة، ونشاتي شبكة وقربة، وقد رسمت له من وجوه الذب والحماية، ومعالم الرفق والرعاية، ما لتزم الاستيفاء بعهده،
[ ٤٥ ]
والوقوف بجده عند حده، والمسؤول في عونه من لا عون إلا من عنه، ولن أعرفكم من حميد خصاله، وسديد فعاله، إلا بما سيبدو وللعيان، ويزكو مع الامتحان، ويفشو من قلبكم إن شاء الله على كل لسان، وقد حددت له أن يكون لناشئكم أبًا، ولكهلكم أخا، ولذي التقويس والكبر ابنا، ما اعتموه على هذا المراد، ولزوم الجواد، وركوب الانقياد، وأما من شق العصا، وبان عن الطاعة وعصى، وظهر منه المراد والهوى، فهو القصي منه وأن مت إليه بالرحم الدنيا، فكونوا له خير رعية بالسمع والطاعة في جميع الأحوال، يكن لكم بالبر والموالات خير وال، إن شاء الله ﷿، وأخبروني الفقيه أبو أيوب ابن أبي أمية أنه مر في بعض أيامه بروض مفتر المباسم، معطر الرياح النواسم، قد صقل الربيع حواذته، وانطلق بلبله وورشانه، والحف غصنه برودًا مخضرة، وجعل إشراقه للشمس ضرة، وأزاهيره تتيه على الكواكب، وتختال في خلع الغمائم السواكب، فارتاح إلى الكون به بقية نهاره، والتغم ببنفسجة وبهاره، فلما حصل من أنسه في وسط المدى، عمد إلى ورقة كرنب قد بللها الندى، وكتب فيها بطرف غصن يستدعي الوزير أبا طالب بن غانم أحد ندمائه، ونجوم سمائه: بسيط مجزوء
أقبل أبا طالب إلينا وقع وقوع الندى علينا
فنحن عقد بغير وسطي ما لم تكن حاضرًا لدينا
ولما وافي العيد الذي لم يفرع فيه بأسمائهم منبر، ولا تضوع في نواحيه منهم مسك ولا عنبر، وطوت الفضل منيته، وتعطلت في ذلك الموسم ثنيته، تذكر الوزير أبو محمد بن القبطرنة أيامه معه، وتصور أعياده وجمعه، وأشراقها بحلاه، وابتهاجها بعلاه، وتفكر في سقوط النسور عليه والعقبان، وتمزيق الوحوش لجسمه الذي كان كغصن البان، فقال: طويل
أيا فضل لم أعجب لموتك أنّه هو الدهر لا يبقى عليه ولا الدهرُ
ولكن لا سياف مشين عواضبا إليك وكنت السيف حليته النصرُ
ويا عجبًا للأرض حيّا ملكتها ومتّ ولم يسترك من قعرها شرُ
فليتك من عيني وقلبي صيانة تؤب إلى قبر إذا لم يكن قبرُ
ستبكي لهذا العيد بعدك فتنة زفيرهمُ نظم وأدمعهمْ نثرُ
تؤمّل هل يبيضّ وجهك طالعًا فيسودّ في ألحاظها العيد والفطرُ
[ ٤٦ ]
ليرعاك منّي مشفق ذو حفيظة عليك إذا لم يرعك الذئب والنسرُ
نجز خبر المتوكل بحمد الله