ملك أقام سوق المعارف على ساقها، وأبدع في انتظام مجالسها واتساقها، وأوضح رسمها، واثبت في جبين أوانه وسمها، لم تخل أيامه من مناظرة، ولا عمرت إلا بمذاكرة أو محاصرة، إلا ساعات أوقفها على المدام، وعطلها من ذلك النظام، وكانت دولته مشرعًا للكرم، ومطلعًا للهمم، فلاحت بها شموس، وارتاحت فيها نفوس، ونفقت فيها أقدار الأعلام، وتدفقت بحار الكلام، كإجادة ابن عمار وإبداعه، في قوله معتذرًا من وداعه: طويل
أمعتصمًا بالله والحرب ترتمي بأبطالها والخيل بالخيل تلتقي
دعتني المطايا للرحيل وإنّني لأفرق من ذكر النوى والتفرقِ
وإنّي إذا غرّبتُ عنك فإنمّا جبينك شمسي والمريّة مشرقي
هذا على انكماش ولايته، وقلة جبايته، فإن نظرة لم يزد على امتداد ناظر، ولم يجد الغمام منه على يانع ولا ناضر، لأن أكثره منابت شيح، ومهامه فيح، استغفر الله إلا ضفتي نهر بجاية الممتد كالحبل، المستمد من الطل والوبل، فإن في جانبيه كاتساع الشبر، ما يفي بانتجاع ورق ولا تبر، فاقتصر هو على صمادحيته البديعة، وقصبته المنيعة، واشتغل بترميق أساطيله، وتنميق أباطيله، لم تمتد همته إلى مزاحمة ملك في ملكه، ولم يزد على مراعاة أمر جواريه وفلكه، ولا انتقل إلا من مجلس مدارسة، إلى مكنس موانسة، فكثيرًا ما كان يعمر أندية اللهو، ويداولها من مجلس الحافة إلى البهو، كلاهما سري المنظر، قمري المرمر، وكان له نظم أرج النفحة، بهج الصفحة، يصف به مجالس إيناسه، ويصرفه بين ندمائه وكاسه، ولم يزل كذلك إلى ان نازلته المحلات، وطاولته المحلات، ففاضت نفسه في أثناء منازلتهم جزعًا، وذهبت روحه مقسمًا بالأنكاد موزعًا، ونغصت عليه منيته حتى ما كان يلتفت إلا إلى رهج يغشاه، ولا يصيخ غلا إلى رجة تقلقل حشاه، فأكثر القتال أنما كان تحت مجلسه الذي كان به مضجعه، وفيه تألمه وتوجعه، ولقد أخبرني من سمعه يقول وقد علمت أصواتهم، وتقلقلت لغاتهم، نغص علينا كل شيء
[ ٤٧ ]
حتى الموت فبكت إحدى حظاياه فرمقها بطرفه الكليل، وقال وهو يتنفس الصعداء من حر الغليل: متقارب
ترفّق بدمعك لا تفنه فبين يديك بكاء طويل
وبقي ابنه عز الدولة مختبل التلفت، مرتقبًا للتفلت، لا يحكم تدبيرًا، ولا يملك من أمره قليلًا ولا كثيرًا، قد نهك بالغصص، وذهل خوفًا من القنص، إلى أن ركب في البحر طريقًا غير يبس، وساعدته الريح بنفس، فامتطى ثبجه، وأورد غربانه لججه، فكانت أطوع من غربان نوح، وبلغت بأجنحة إلى حيث شاء الجنوح، فأصبح ناس وأطراف شراعه تلوح، وإطلاله تبكي عليه وتنوح، فأزجاه إلى بجاية سكانه، وحياه منها موضعه ومكانه، فاستقر فيها تحت رعاية المنصور بن الناصر، وأوى منها إلى جنات ومقاصر، وتوقد له شهابه، وجدد له العز ذهابه، فمن بديع أفعال المعتصم أن النحلي دخل المرية وعليه إسمال لا تقتضيها الآداب، ولا يرتضها إلا الانتحاب والانتداب، والناس قد لبسوا البياض، وتصرفوا في حضرتهم، في مثل قطع الرياض، والنحلي ظمأن يسعره جواده، عريان لا يستره إلا سواده، فكتب إليه: وافر
أيا من لا يضاف إليه ثان ومن ورث العلي بابا فبابا
أيجهل أن تكون سواد عيني وأبصر دون ما أبغى حجابا
ويمشي الناس كلّهمُ حماما وأمشى بينهم وحدي غرابا
فأدر له حباه، ووصله وحاباه، وبعث إليه من البياض ما لبسه، وجلل به مجلسه، وكتب إليه مع ذلك: طويل
وردتَّ ولليل إليهم مطارف عليك وهذي للصباح برودُ
وأنت لدينا ما بقيت مقرّب ومعيشك سلسال الجمام برودُ
واخبرني الوزير أبو خالد ابن بشتغير أنه ركب ليتطلع بعض أقطاره، ويتودع فيها بقية نهاره، وقدم بين يديه من آلات أطرابه، وأدوات شرابه، ما تخذه لأنسه جالبًا، وللوعته غالبًا، فإن إحدى خطاياه المكينات عنده تركها تجود بنفسها، وترود مكان رمسها، فخرج فارًا من قصتها، مستريحًا من غصتها، فلما وضع رجله في ركابه، ودمعه يغلب جلله بانسكابه، خرج من أعلمه بموتها، وعزاه على فوتها، فأمر أن توضع في قبرها، ووصى من ينظر في أمرها، ولم ينصرف من وجهته، ولم ينحرف
[ ٤٨ ]
عن نزهته، وقال: بسيط
لمّا غدا القلب مفجوعًا بأسودهِ وفصّ كلّ ختامٍ من عزائمهِ
ركبت ظهر جوادي كي أسليه وقلتُ للسيف كن لي من تمائمهِ
وأخبرني الوزير المذكور أنه حضر مجلسه بالصمادحية في يوم وفيه أعيان الوزراء، ونبهاء الشعراء، فقعد على موضع يتداخل الماء فيه، ويتلوى في نواحيه، والمعتصم منشرح النفس، مجتمع الأنس، فقال: بسيط
انظر إلى حسن هذا الماء في صببه كأنّه أرقم قد جدّ في هربه
فاستبدعوه، ونيموه به وأولعوه، فاسكب عليهم شأبيب نداه، وأغرب بما أظهره من بشره وأبداه، واتفق أن غني بقول النابغة: متقارب
ولمّا نزلنا بجسر النتاج ولم نعرف الحيّ إلا التماسًا
أضاءت لنا النار وجهًا أغرّ وملتبسًا بالفؤاد التباسًا
فاستطابه واستحسنه، وجعله أبدع منا للنابغة وأحسنه، وأمر ابن الحداد بمعارضته فقال على البديهة: متقارب
إذا ما التمست الغنا بابن معن ظفرتَ وأحمدت منه التماسًا
ومن يرج شمس العلى من نجيب فليس يرى من رجاه شماسًا
وبلغته عن ابن عمار هنات، لم تطرق جفونهه بهاسنات، وقرر عنه أنه يدب إليه دبيب الضراء، وينسبه إلى افن الآراء، ويكشف عن عوراته، ويستخف ببوادره وفوراته، فضاق بها ذرعًا، واعتقدها على ابن عمار أصلًا وفرعًا، ونوى غاية هجره، وزوى عينيه عن صباحه وفجره، فكتب إليه ابن عمار فلم يلتفت إلى ما كتبه، وعذل مبلغه وأنبه، واجتاز على المرية فما استدعاه، ولا أخصب له مرعاه، ولا بره على عادته ولا رعاه، فلما تمادى في تقاطعهما الأمد، وتوالى عليه بما يبلغه عنه الكمد، كتب إليه مراجعًا عن قطعة خاطبه بها: طويل
وزهّدني في الناس معرفتي بهم وطول اختباري صاحبًا بعد صاحبِ
فلم ترني الأيّام خلاّ تسرّني مباديه إلاّ ساءني في العواقبِ
ولا قلت أرجوه لدفع ملمّة من الدهر إلاّ كان إحدى المصائبِ
فراجعه ابن عمار بهذه الأبيات: طويل
[ ٤٩ ]
فديتك لا تزهد فثمّ بقيّة سيرغب فيها عند وقع التجاربِ
وأبق على الخلصان أنّ لديهم على البدء كرّاتٍ بحسن العواقبِ
تكنّفتني بالنظم والنثر جاهدًا وسقت عليّ القول من كلّ جانبِ
وقد كان لي لو شئتُ ردّ وإنّما أجرّ لساني بعضُ تلك المواهبِ
ولابدّ من شكوى ولو بتنفّس يبرّد من حرّ الحشا والترائبِ
كتبت على رسمي وبعد نسية قرأت جوابي من سطور المواكبِ
ثلاثة أبيات وهيهات إنّما بعثت إلى حربي ثلاث كتائبِ
وكيف يلّذ العيش في عتب سيّد وما لذّ لي يومًا على عتب صاحبِ
وقبل جرت عن بعض كتبيّ جفوة ألحّت على وجهي بغمز الحواجبِ
سلكت سبيلي للزيارة قبلها فقابلت دفعًا في صدور الركائبِ
وما كنت مرتادًا ولكن لنفحة تعودتُّ من ريحان تلك الضرائبِ
ولو لمعت لي من سمائك برقة ركبت إلى مغناك هوج الجنائبِ
فقبّلت من يمناك أعذب مورد وقضيّت من لقياك أوكد واجبِ
وأبت خفيف الظهر إلاّ من النوى وخلّفت للعافي ثقال الحقائبِ
سواك يعي قول الوشاة من العدى وغيرك يقضي بالظنون الكواذبِ
وأقام عنده في بعض سفراته مقامًا امتد زمامه، وتوالت أيامه، حتى أقلقته دواعي شوقه، وشب صبره عن طوقه، والمعتصم يقيه ببره، ويعتمده بموالات لجبينه وتبره، ويرعيه ما شاء من بشره، ويستدعيه لبسط الأنس ونشره، ولما سئم الثواء ومله، وأنهله القلق وعله، وحن إلى حمص حنين نصيب للجفر، والمحرمين ليلة النفر، وهام بها هيام عمر بالثريا، وحارثه بن بدر بالحميا، كتب إليه يستسرحه، بشعر تتماه النفس وتقترحه، وهو: كامل مجزوء
يا واضحًا فضح السحا ب يجود في معنى السماح
ومطابقًا يأتي وجو هـ الجدّ من طرق المزاح
أسرفت في برّ الضيا فِ فجد قليلًا بالسراح
فراجعه المعتصم: كامل مجزوء
يا فاضلًا في شكره أصل المساء مع الصباح
هلاّ رفقت بمهجتي عند أتكلّم بالسراح
[ ٥٠ ]
عن السماح ببعدكم والله ليس من السماح
وخرج إلى برجه ولادية وهما نظران لم يجل في مثلهما ناظر، ولم تدع حسنهما الخدود النواضر، غصون تثنيها الرياح، ومياه لها انسياح، وحدائق تهدي الأرج والعرف، ومنازل تبهج النفس وتمتع الطرف، فأقام فيها ايامًا يتدرج في مسارحها، ويتصرف في منازهها ومسايحها، وكانت نزهة أربت على نزهة هشام بدير الرصافة، وأنافت عليها أي إنافة، وفي أثناء مقامه، وخلال اتساق الأنس له وانتظامه، عن له ذكر إحدى خطاياه فهيجه وأقلقه، وأزعجه وأرقه، فكتب إليها رقعة وطيرها وفيها: طويل
وحمّلت ذات الطوق منّي تحيّةً تكون على أفق المريّة مجمرًا
كمل ذكر المعتصم والحمد لله