هم للمجد كالأثافي وما منهم غلا موفور القوادم والخوافي إن ظهروا زهروا وإن تجمعوا تضوعوا وإن نطقوا صدقوا ماؤهم صفو وكل واحد منهم لصاحبه كفو أنارت بهم نجوم المعالي وشموسها ودانت لهم أرواحها ونفوسها ولهم النظم الصافي الزجاجة المضمحل العجاجة وقد أثبت منه ما ينفح عطرا ويسفح قطرا فمن ذلك ما كتب به إليّ أبو محمد منهم. طويل
أبا النصر إنّ الجدّ لاشك عاثر وإنّ زمانا شاء بينك جائرُ
فلا توجت من بعد بعدك راحة براح ولا حنّت عليها المزامر
ولا اكتحلت من بعد نايك مقلة بنوم ولا ضمّت عليها المحاجرُ
ولي رغبةٌ جاءتك وهي مدّلة تسوق إليك الحمد وهو أزاهرُ
لتعلم أني عن جوابك عاجز ومعتذر فيه فقل أنا عاذرُ
وكيف أجاري سابقًا لم تقم له هبوب الصبا والعاصفات الخواطرً
إذا قيل من هذا يقولون كاتب وإن قيل من هذا يقولون شاعرُ
وإن أخذ التحقيق فيه بحقّه وقيل ومن هذا يقولون ساحرُ
تشيّعك الألباب وهي أواسف وتتبعك الألحاظ وهي مواطرُ
وله: كامل
يا صاحبيّ تنبها لمدامة صفراء تجلى فوق كفّ أحمرِ
واستقبلا برد النسيم وطيبه تحت الدجا فوق الكثيب الأعفرِ
[ ١٤٨ ]
واستعملاها سكرة قروية قبل الصباح وقبل صوت العصفر
فاليوم بين محدث ومخبر وعدًا ترى أحدوثة المستخبرِ
وله: رمل مجزوء
يا خليليّ لقلب نيل من كل الجهاتِ
ليمَ أن هام بريّا بالبنينا والبناتِ
وبان صادته سمر بين بيض خافراتِ
بلحاظ ساحرات وجفون فاتراتِ
وبجيد الظبية ارتا عت فظلت في التفاتِ
وبعيني مغزل تر عى غزالا في فلاتِ
تتمشى بين أترا ب لها حور لذاتِ
وعليها الوشي والخزّ وبرد الحبراتِ
راعها لما التقينا ما درت من فتكاتِ
عثرت ذعرا فقلنا والعًا للعاثراتِ
ضحكت عجبًا وقالت لاخصّ الفتياتِ
راجعيه ثمّ قولي ائتنا في السمراتِ
وارقب الأعداء واحذر للعيون الناظراتِ
فإذا أعلق فيها النّ وم إشراك السناتِ
وعلا البدر جلاب يب لباس الظلماتِ
فاطرق الحيّ تجدنا في ظهور الحجراتِ
فالتقينا بعد ياس بدليل النفحاتِ
وتلازمنا اعتناقا كالتواء الألفاتِ
وبثثنا بيننا شج وا كنفث الراقياتِ
وبردنا لوعة الحب ب بماء العبراتِ
وتشاغلنا ولم نع لم بأنّ الصبح آتِ
وبدت منه تباشي ر مشيب في شواتِ
وله: طويل
ومنكرة شيبي لعرفان مولدي ترجع والأجفان ذات غروبِ
فقلت يسوق الشيب من قبل وقته زوال نعيم أو فراق حبيبِ
وله: يخاطب الوزير أبا محمد بن عبدون: بسيط
يا خابط الليل فوق الفوق الجون مسهد الجفن يحدو البين بالبينِ
يكابد النوم قد مالت عمامته أبلغ معطرة عني ابن عبدونِ
مسكيّة ربعت في حومل وشتت بالجزع ما بين قيصوم ونسرينِ
وزارت الغور ممطورًا وسار بها ساري الجنوب على أكتاف دارينِ
نذكر العهد قد شدت أوائله وراثة عن مطاعيم مطاعينِ
ويحمل الودّ قد صانت أواخره أصالة من مناجيب ميامينِ
ورغبة تخجل العليا متوّجة إليك عن صاحب بالغيب مأمونِ
[ ١٤٩ ]
وله: وافر مجزوء
إذا ما الشوق أرقني وبات الهمّ من كثبِ
فضضت الطينة الحمرا ء عن صفراء كالذهبِ
وله في زوجه وقد أقلقه الحزن (وتدفقت دموعه مثل المزن): بسيط مجزوء
يا كوكب أسعدا حزينا أسهر ليل القريض عينه
يا ويلتي كان لي حبيب فرّق الدهر بيني وبينه
أهون وجدي على نواه وجد جميل على بثينة
وله فيها أيضًا: وافر
معاذ الله أن أسلو ببدر وإن أصبو إلى كاس وخمرِ
ولا لاراكة نهضت بحقب ولا لروادف وهظيم خصرِ
ولا تفاحة طلعت بخدّ ولا رمانة نبتت بصدرِ
وإن الهو من الدنيا بشيء وأم الفضل يا سفى بقبرِ
وبات مع أخويه في أيام صباه واستطابة جنوب الشباب وصباه بالمنية المسماة بالبديع وهي روض كان المتوكل يكلف بموافاته ويبتهج بحسن صفاته ويقطف رياحينه وزهره ويقف عليه إغفاءه وسهره ويستفزه الطرب متى ذكره وينتهز فرص الأنس فيه روحاته وبكره ويدير حمياه على ضفة نهره ويخلع سره فيه لطاعة جهره ومعه أخواه فطاردوا اللذات حتى انضوها ولبسوا برود السرور وما فضوها حتى صرعتهم العقار وطلحتهم تلك الأوقار فلما هم رداء الفجر أن يندا وجبين الصبح أن بتبدى قام الوزير أبو محمد فقال: خفيف
يا شقيقي وافى الصباح بوجه ستر الليل نوره وبهاؤه
فاصطبح واغتنم مسره يوم ليس تدري يما يجيء مساؤه
ثم استيقظ أخوه أبو بكر فقال: خفيف
يا خي قم تر النسيم عليلا باكر الروض والمدام شمولا
في رياض تعانق لزهر فيها مثلما عانق الخليل خليلا
لا تنم واغتنم مسرة يوم إنّ تحت التراب نومًا طويلا
ثم استيقظ أخوهما أبو الحسن (وقد ذهب من عقله الوسن) فقال: بسيط
يا صاحبيّ ذرا لومي ومعتبتي قم نصطبح خمرة من خير ما ذخروا
وبادرا غفلة الأيام واغتنما فاليوم خمر ويبدو في غد خبرُ
[ ١٥٠ ]
وللوزير أبي بكر منهم مراجعًا لي: طويل
إلى الله مني ما لقيت برقعة ورتني وأحمت في ضلوعي مكاويا
أتتني أبا نصر وأنسي معرّس عزائم عزت في نواك عزائيا
بطرس وحبر رائقين تطلّعا من لحسن أسطارًا فعدن أفاعيا
لدغن فؤادي إذ بثثن لي النوى فأصبحت لا ألفي لبيني راقيا
فهذي دموعي تستهل صبابة ونفسي من وجد تحلّ التراقيا
وله يستدعي: متقارب
دعاك خليلك واليوم طلّ وعارض خدّ الثرى قد بقل
لقدرين فاحا وشمامة وإبريق راح ونعم المحل
ولو شاء زاد ولكنّه يلام الصديق إذا ما احتفل
وله في مثل ذلك: متقارب
هلمّ إلى روضنا يا زهر ولح في سماء المنايا قمر
هلمّ إلى الأنس سهم الإخاء فقد عطلت قوسه والوتر
إذا لم تكن عندنا حاضرا فما لغصون الأماني ثمر
وقعت من القلب وقع المنى وحسنت في العين حسن الخور
وله إلى الوزير أبي الحسن بن سراج بقرطبة يذكر لمّة من إخوانه: كامل
يا سيدي وأبي هدى وجلالة ورسول ودي إن طلبت رسولا
عرّج بقرطبة إذا بلغتها بأبي الحسين وناده تمويلا
فإذا سعدت بنظرة من وجهه فاهد السلام لكفّه تقبيلا
واذكر له شوقي وشكري مجملا ولو استطعت شرحته تفصيلا
بتحية تهدى إليه كأنما جرت على زهر الرياض ذيولا
وأشم منها المصحفيّ على النوى نفسًا ينسي السوسن المبلولا
وإلى أبي مروان منها نفحة تهدي له نور الربا مطلولا
وإذا لقيت الأخطبي فاسقه من صفو ودي قرقفا وشمولا
وأبا علي بلّ منها ربعه مسكا بماء غمامة محلولا
واذكر لهم زمنًا يهب نسيمه أصلا كنفث الراقيات عليلا
مولى ومولي نعمة وكرامة وأخا إخاء مخلصًا وخليلا
[ ١٥١ ]
بالحير عابسة هناك غمامة لا تضاحك أذخرًا وجليلا
يومًا وليلًا كان ذلك كلّه سحرًا وهذا أبكرة وأصيلا
لا أدركت تلك الأهلة دهرها نقصًا ولا تلك النجوم أفولا
الحير الذي ذكره هنا هو حتر الزجالي خارج باب اليهود بقرطبة الذي يقول فيه أبو عامر بن شهيد: متقارب
لقد أطلعوا عند باب اليهو د شمسا أبي الحسن إن تكسفا
تراه اليهود على بابها أميرًا فتحسبه يوسفا
وهذا الحير من أبدع المواضع وأجملها، وأتمها حسنًا وأكملها، صحنه مرموصًا في البياض، يخترقه جدول كالحية النضناض، به جابية، كل لجة فيها كابية، وقد قرنست بالذهب واللازورد سماؤه، وتأزرت بهما جوانبه وأرجاءه، والروض قد اعتدلت أسطاره، وابتسمت من كمائمها أزهاره، ومنع الشمس أن ترمق ثراه، وتعطر النسيم بهبوبه عليه ومسراه، شهدت به ليالي وأياما كأنما تصورت من لمحات الأحباب، أو قدت من صفحات أيام الشباب، وكانت لأبي عامر بن شهيد به فرج وراحات أعطاه فيها الدهر ما شاء، ووالى الصحو والانتشاء، وكان هو وصاحب الروض المدفون بازائه اليفي صبوة، وحليفي نشوة، عكفا فيه على جريالهما، وتصرفا بين زهرهما واختيالهما، حتى رداهما الردى، وعداهما الحمام عن ذلك المدى، فتجاورا في الممات، تجاورهما في الحيرة، وتقلصت عنهما وارفات تلك الفيئات، وإلى ذلك العهد أشار وبه عرض، وبشوقه صحح وما مرض، حيث يقول عند موته يخاطب أبا مروان صاحبه وأمر أن يدفن بازائه ويكتب على قبره: بسيط مجزوء
يا صاحبي قم فقد أطلنا أنحن طول المدى هجودُ
فقال لي لن نقوم منها مادام من فوقنا الصعيدُ
تذكر كم ليلة نعمنا في ظلها والزمان عيدُ
وكم سرور همى علينا سحابة ثرّة تجودُ
كلّ كأن لم يكن تقضى وشومه حاضر عتيدُ
حصله كاتب حفيظ وضمّه صادق شهيدُ
يا ويلنا إن تنكبتنا رحمةُ من بطشه شديدُ
[ ١٥٢ ]
يا ربّ عفوًا فأنت مولى قصّر في شكرك العبيدُ
وله يخاطب الوزير أبا محمد بن عبدون ويستدعي منه شوذانقا: طويل
أغادية باتت مع الروض والتقت على الغور ريح الفجر مرت بدارينِ
خطت فوق أرض من عرار وحبوة وحطت بروض من نهار ونسرينِ
وباتت بوادي الشجر تحت ندي الصبا إلى الصبح فيما بين رش وتدخينِ
ومرت بوادي الرند ليلًا فأيقظت به نائمات الورد بين الرياحينِ
إذا ملت عن مجرى الجنوب فبلغي سلامي مبلول لجناح ابن عبدونِ
وبين يدي شوقي إليه لبانة تخفق من قلب للقياه محزونِ
مضى الأنس إلا لوعة تستفزني إلى الصيد إلا أنني دون شاهينِ
فمن به ضافي الجناح كأنه على دستبان الكفّ بعض السلاطينِ
إذا أخذت كفّاه يومًا فريسة فمن عقد سبعين إلى عقد تسعينِ
وله يرثي زوجه: بسيط
يا ربة القبر فوق القبر ذو حرق يرثي له القبر من شجوٍ ومن شجنِ
تباينت فيك أحوالي أسىً فمضى إلى لقائك صبري طالب الوسنِ
وخالق القلب فيك العين من كمد فاسودّ بالغمّ وابيضّت من الحزنِ
وله مراجعًا لأبي الحسن بن الرمّاد عن قطعة كتبها إليه من السجن وذلك أن أهل إشبونة ثاروا بأبي زكريا يحيى بن تين إبرهيم وأضحوه من ظلالها، ورموه بصائبات نبالها، وانتزوا على أمير المسلمين فيها وغزوا واصلها وموافيها، وأوقدوا نارًا صلوا بحرها، وأقاموا حربًا عادوا غرقى ببحرها، وكان أبو الحسن من أصلبهم فيها عودا، وأثقبهم بروقا وأصولهم رعودا، فلما انجلى ليلها، وتقلّص ذيلها، وظفر الأمير ﵀ ببطلهم ومقامهم، وأخذهم بنواصيهم وأقدامهم، وعاقبهم على جرءتهم وإقدامهم، بعثه الأمير إلى بطليوس مصفودا، ووجه إليه من النكايات وفودا، فكتب إلى أبي بكريستريح من بثّه، ويريح نفسه بنفثه، فراجعه. طويل
أتتني على رغمي فما شئت عبرة أرشت بها عيناي طلهما وبلُ
ومن زفرة أمسكتها لو بعثتها لذاب لها النكلان قيدك والقفلُ
تساوت بنا حال وإن كنت سارحا فداري بكم سجن ونعلي بكم كبلُ
عن المجد عاق الحجل رجلك والعلى كما حبست دون المدى السابح لشكلُ
[ ١٥٣ ]
ولا عجب إن ضمك السجن إنه لعمر العلة غمد وأنت له نصلُ
ولأخيه أبي الحسن: متقارب
ذكرت سليمي وحرّ الوغا كجسمي ساعة فارقتها
وأبصرت بين القنا قدها وقد ملن نحوي فعانقتها
وركب إلى سوق الدواب بقرطبة ومعه أبو الحسين ابن سراج فنظر إلى أبي الحكم بن حزم غلامًا كما عقّ ثمائمه، وهو يروق كأنه زهر فارق كمائمه، فسأل أبا الحسن ابن سراج أن يقول فيه فأرثي عليه، فثنى عنان القول إليه، فقال: طويل
رأى صاحبي عمرا فكلّف وصفه وحملني من ذاك ما ليس في لطرقِ
فقلت له عمرو كعمرو فقال لي صدقت ولكن ذا أشبّ عن الطوقِ