فريد الوقت وابن فريده، وعميد الكلام وابن وعميده، كان الوزير الكاتب أبو الأصبغ أبوه قد أربى على أهل أوانه، واستقر بكتابة زمانه فنبت أبو عامر في تربة العلم ونشأ في حجره، وشدا بين السحر البيان ونحوه، ثم لم يزل على كد الطلب وتعبه، اصبر من عود عضت جنباه بخلبه، حتى ارتوى من صافي الأدب ونميره، واحتجن من مصوحه ونضيره، فجمع حفظه بين الغريب الحوشي، والمولد الرياضي، وله شعر ونثر يفصحان بسعة باعه، ورحب ذراعه، ويشهدان أنه يغرف من عجاج، ويدع محاربه يعمه في عجاج، فمن ذلك قوله يمدح الأمير عبد الله بن مزدلي، بسيط
سريت والليل من مسراك في وهل مبرا العزم من أين ومن كسل
وسرت في جحفل يهدي فوارسه سناك تحت الدجا والعارض والهطل
[ ١٣٢ ]
والبدر محتجب لم تدر أنجمه أغاب عن سرر أم غاب عن خجل
هوت أعاديك من سار يورقه ركض الجواد وحمل اللامة الفضل
إذا الملوك نيام في مضاجعهم مستحسنون بهاء الحلي والحلل
لله صومك برا يوم فطرهم وما توخيت من وجه ومن عمل
نحرت فيه الكماة الصيد محتسبًا وحسب غيرك نحر الشاء والإبل
إذا صرير المداري هزهم طربا الهاك عنه صرير البيض والأسل
وإن ثنتهم عن الإقدام عاذلة مضيت قدمًا ولم تأذن إلى العذل
كم ضم ذا العيد من لاه به غزل وأنت تنشد أهل اللهو والغزل
في الخيل والخافقات البيض لي شغل ليس الصبابة والصهباء في شغلي
ظللت يومك لم تنفه به ظمئا وظل رمحك في عل وفي نهل
كلما رامت الروم الفرار أتت من كل أوب وضمتها يد الأجل
فصار نقبلهم نهبًا ومدبرهم وعاد غانمهم من جملة النفل
فكم فككت عن الأغلال عن عنق وكم سددت بهذا الفتح من خلل
أنت الأمير الذي للمجد همته وللمسالك يحميها وللدول
وللمواهب أو للحظ أنمله ما لم تحن إلى الخطية الذبل
لمزدلي لواء كان يرفعه مناسب كالضحا والشمس في الحمل
الجابرين صدوع المعتفي لهم والكاسرين الظبى في هامة البطل
والعادلين عن الدنيا ونضرتها والسالكين على الأهدى من السبل
خير التبابع والأداء من يمن الغالبين على الآفاق الملل
يسود في آخر الإعصار آخرهم وساد أولهم في الأعصر الأول
يا أيها الملك المرهوب صولته والمرتجي غوثة في الحادث الجلل
من كابد العدم لم يكمل له أمل والعدم من أقطع الأشياء بالأمل
لولاه لم تبت الأشعار مرسلة عني وحقك لا نقضيه بالرسل
فافصح لعبدك يا مولاي مغتفرًا ما كان من خطا أو منطق خطل
بقيت للدين والدنيا تحوطهما إذا حلا الغمض في الأجفان للمقل
وكتب إلى الوزير الكاتب أبي جعفر بن مسعدة، سيدي الأعلى، وعلقي الأغلى، وذخري للجلى، أطال الله بقاءك محسود الجناب، محمود المقام والمناب، من كرم دام
[ ١٣٣ ]
عزك خيمه، وشرف حديثه وقديمه، أمط قبل أن يستبرق، وأثمر قبل أن يستورق، وأقبل دون أن يستقبل، واحتل قبل أن يستحل، سجية نفس تواقة إلى الحسنى، نزاعة إلى الأعلى، من النحار والأسنى، وكانت لك أعزك الله في جانبي مجالس ومشاهد، ومصادر وموارد، وصلت بها جناحي، مددت أوضاحي، ونبهت من ذكري البيت فأثقلت ظهري، وأوجبت علي الشكر دهري، وما تأخرت عن حضرتك لامحا لعزتك، وقاضيًا حق مبرتك، ألا عن حال، لا تعين على الترحال، فعذرا عذرا، وغفرا غفرا، وعندي ود كماء المزن، وثناء كروض الحزن، جزاك الله يا سيدي جزاء الواصل وقد قطع الإلمام المواصر، وقد خولت الأيام الناصر، ولست أجدد الرغبة إليك، في شيء من أمري جار على الكريمتين يديك، قبل الهزفريت، وقبل النزول بساحتك قريت، وإن مننت بالمراجعة شفعت المكارمة بالمكارمة، واتبعت المساهمة بالمساهمة، وتطولت إن شاء الله، والسلام العاطر الناضر عليك ورحمة الله، وكتب إلى أحد إخوانه شافعًا لرجل يعرف بالزريزير، يا سيدي الأعلى، وعلقي الأغلى، وشهابي الأجلى، ومن أبقاه الله والأمكنة بمساعيه فسيحة، والألسنة بمعاليه فصيحة، موصله وصل الله جذلك حيوان، يصفر كل أوان، ويسفر بين الإخوان، رقيق الحاشية، أنيق الشاشية، يعتمد على كدواء، ويستمع بجدواء، ينظر من عين، كأنها عين، ويلقط بمنقار، كأنه من قار، أطبق على لسانه تخاله أغريضة، في ثوب أحريضة، يسلي المحزون، بالمقطع والموزون، ينفس عن المكظوم، بالمنثور والمنظوم، مسكي الطيلسان، تولد بين الطائر والإنسان، كما سمعت بسمع الفلاة، وعمر ابن السعلاة، قطع من منابت الربيع، إلى منازل الصقيع، ومن مطالع الزيتون، إلى مواقع السحاب الهتون، فصادف من الجليد، ما يذهب قوى الجليد، ومن البرد، ما لا يدفعه ريش ولا برد، والحدائق قد أغمضت أحداقها، وانحسرت أوراقها، والبطاح قد قيدت الفور، بحبائل الكافور، وأرقعت الصرد، فمني البائس بما لم يعهده، كما وسم بالزرزور ولم يشهده، ولما فال رأيه وأخفق أو كاد سعيه التفت إلى عطفة أشمط، وإلى أديمه أرقط، فناح، ثم سوى الجناح، وقد نكر مزاجه، ونسي ألحانه وأهزاجه، ولا شك أنه واقع بفنائك، وراشف من إنائك، أمل حسن غنائك واعتنائك، وأنت بارق ذلك العارض، ورائد ذلك الأنف البارض،
[ ١٣٤ ]
تهيئ له حبا، يجزيك عنه ثناء جميلا رحبًا، وقد تحفظ يا سيدي رسائل تسام بها أهل الآداب، سوء العذاب، ودعى البطي منهم إلى الأهذاب، بسيط
وابن اللبون إذا ما لز في قرن لم يستطع صولة البزل القناعيس
وإذا ألقى كتابي إليك، يفسر هذه الجملة عليك، لازلت منافسًا في العلوم، أسيا للأحوال والكلوم، إن شاء الله ﷿ وهو المستعان والسلام عليك ورحمة الله، ومن كلامه من مقامة إنشأها في الأمير تميم بن يوسف أيده الله ووصلها بالقرطبية أولها، قال فلان ابن فلان ولما اجتليت ما نصه، واستوفيت ما قصه، قلت أحق منزل بترك فعجت الرواحل، لا طوي المراحل، أمل كعبه الآمال، وقبلة الآمال، فينا أنا أسير، وقد لظي الهجير، ولا قعيد ولا ناطح، إلا الأكام والأباطح ولا سانح ولا بارح، إلا آلال والبارح، إذ رفع لي شخص، يقربه ذميل ونص، وإذا فتى عليه بزة، تشهد له بالعزة، يركب وجناء كأنها سبيكة لجين، قد أخلصتها يد القين، ويجنب دهمًا تسبحًا، وكأنها ليل يباري صبحا، فلما دنا وقف، فظرف، ووضع من لثامه، وأوجز في سلامه، فرددت كما يرد العجل، وتوقعت فوته فقلت من الرجل، فقال: كامل
إني امرئ لا يعتري خلقي دنس ويفنده ولا أفن
من منقر في بيت مكرمة والفرع ينبت حوله الغصن
فصحاء حين يقول قائلهم بيض الوجوه مصانع لسن
لا يفطنون لعيب جارهم وهم لحفظ جواره فطن
قلت في كل عود نار، واستمجد المرخ والعفار، لله أنت فما أصون جارك، وأكرم نجارك، لم تدب الضراء، ولم تمش الحمراء، فالتفت نحوي قائلًا النبع يقرع بعضه بعضًا ثم أداه الاهتبال، إلى السؤال، فقال أين أمك، وما همك، قلت غرناطة، فقال حيث اللمة المشفقة المحتاطة، والسدى، والندى، والأمجاد، والأنجاد، والإصراخ والأنجاد، والغور والنجاد، أكرمت فارتبط قلت وما علمك بها قال هي المطلع، وإليها بحول الله المرجع، قلت دنا مرادك، وتمثلت قتلت أرض جاهلها، وقتل أرض عالمها، ففهم النزعة فقال سل عما بدا لك على الخبير سقطت، طويل
فأقبلت في الساعين أسأل عنهم سؤالك بالشيء الذي أنت جاهله
[ ١٣٥ ]
قلت فسطاطها فقال قصور، تقر لها إرم بالقصور، وسور، أعين الحوادث عنه صور، كأنه الثغر المبتسم، والسلك المنتظم، ومن شعره فيها، متقارب
فتى الخيل يقتادها ذبلا خفافًا تباري القنا الذابلا
ترى كل أجرد سامي السليل تحسبه غصنًا مائلا
وجرداء أن أوجست صارخًا تذكرك الظبية الخادلا
إذا شنهن بأرض العدى يصير عاليها سافلا
ولم أدر بدر تمام سواه يسمونه الأسد الباسلا
أقام العجاج سماء عليه وأقسم أن لا يرى أفلا
ولم تصرف الهول هماته ومن يصرف القدر النازلا