ماضي اليراعة، مشهور البراعة، متحقق بالأدب ينسل إليه من كل حدب وله سلف يقصر عن مداناته الأقدار، وشرف تمكن فيه القطب المدار، مع سالفة يتفق عليها ولا يختلف، ومنزلة يتطلع إليها ويستشرق وهمة طالت كالسماك وطالولته، وتناولت كل ما حاولته وبنو عبد العزيز، بنو سبق وتبريز، ما منهم إلا علم مناظر، ولا فيهم إلا من هو للدهر ناظر، وقد أثبت له ما يبهر النفس ويروقها، ويحسك طلوع الشمس وشروقها، فمن ذلك قوله: خفيف
قد هززناك في المكارم غصنا واستملناك في النوائب ركنا
ووجدنا الزمان قد لان عطفا وتأتى فعلا وأشرق حسنا
فإذا ما سالته كان سمحا وإذا ما هززته كان لدنا
مؤثرًا احسن الخلائق لا يع رف ضنا ولا يكذّب ظنّا
أنت ماء السماء أخصب وادي هـ ورقّت رياضه فانتجعنا
نزعت بي ودادك نفس قلّ ما استصبحت سوي الفضل خدنا
[ ١٦٢ ]
وله يودع الوزير أبا محمد بن عبدون: بسيط
في ذمّة المجد والعلياء مرتحل فارقت صبري إذ فارقت موضعه
ضاءت به برهةً أرجاء قرطبة ثم استقل فسدّ البينُ طلعه
وكتب إلى الوزير أبي محمد قاسم، كيف رأى مولاي في عبد له وهو أنا يرى الوفاء دينا وملة، ولا يعتقد في حفظ الأخاء ملة، قصرته الأقدار عن رايه وأخرته الأيام عن سعيد، فادرع العقوق، ولبئست الحلة، وضيع الحقوق، ولم يضع الخلة، أيرده بعيب ما جناه الدهر، أم يسمح، فشيمته الصبر، بان يعفو ويصفح لو كان الغضب يفيض على صدره ويطفح، فله أعزه الله العقل الأرجح، والخلق الأسجح، والأنابة التي يزل الذنب عن صفاتها، ولا يتعلق العيب بصفاتها، وأن كتابة العزيز وردني مشيرًا إلى جملة تفصيلها في يد العواقب، والزمان المتعاقب، ولقد اتفقت في أمره مشافهات انجلت عن تخيير في الأقطار، وانتجاع الخصب في مواقع القطار، حاشا ما استثنى من الجمع، وأفرد بالحظر والمنع، وفلان أيده الله كما يدريه يردد محاسنه ويرويها، وينشر فضائله ويطويها، إلا أن الأمور انقلبت عليه في هذه البلاد فلا تعرف له حالة، إلا وقد داخلتها استحالة، وربما عاد ذلك إلى نقصان في الوفاء، وأن كان باطنه على غاية الاستيفاء ولله تعالى نظر، وعنده خير منتظر، ويشهد الله أني أفرده بالجلال، واتخذ نفسي من أشياعه واتباعه في كل الأحوال. متقارب
فلا تلزمّني ذنوب الزمان إليّ أساء وأياي ضارا
فسمح الله مدته، وجازى مودته، وأعلى رتبته، وأحسن في كل حال وترحال صبحته، ولا رب سواه، وكتب إليه مسليًا عن نكبته، الوزير الفقيه أدام الله عزه، وكفاه ما عزه، أعلم بأحكام الزمان من أن يرفع إليها طرفا، وينكر لها صرفا، ويطلب في مشارعها مشربا زلالا أو صرفا، فشهدها مشوب وروضها مكمن لكل صل أرقم، وما فجئته أعزه الله الحوادث بنكبة، ولا حطته النائبات عن رتبة، ولا كانت الأيام قبل رفعته بوزارة ولا كتبه، فهو المر يرفعه دينه ولبه، وينفعه لسانه وقلبه، ويشفع له علمه وحسبه، وتسمو به همته وأدبه، ويعنو بين يديه شانيه وحاسك، ويثبت في أرض الكرم حين يريد أن يجتثه حاصك، ويفديه بالفضل من لا يوده، وينصره الله بإخلاصه حين لا ينصره سواعه ولا ودة. طويل
[ ١٦٣ ]
وأنّ أمير المسلمين وعتبه لكا لدهر لا عار بما فعل الدهر
وما هو أدام اله عزه إلا نصل أعمد ليجرد، وسهم سد طريقه ليسدد، وجواد ارتبط ليخلى عنانه، وقطر تأني سحابه وسيسيله عنانه، وأن المهارق لتلبس بعده ثياب حداد، وأن السنة الأقلام لتخاصم عنه بالسنة حداد، وسينجلي هذا القتام عن سابق لا يدرك مهله، ويعتمده الملك الهمام بإكرام لا يكدر منهله، ويونس ربع الملك الذي أوحش ويهله، ويرقيه أيده الله إلى أعلى المنازل ويهله، وينشد فيه، وفي طالبيه. كامل
وسعى إليّ عزّة نسوة جعل الإله خدودهنّ نعالا
وأنا أعلم انه أعزة الله سيبرم بهذا الكلام، ويوليني جانب الملام، ويعد قولي مع السفاهات والأحلام، فقد ذهب في رفض الدنيا مذهبا، وجلا التوفيق عن عينه غيهبا، وتركنا عبيد الشهوات نمسك بخطامها، ونرتع في حطامها، وأسأل الله عملا صالحًا، وقبًا مصالحًا، ويقينا نافعًا، وأخلاصا شافعًا، بمنه إن شاء الله.