راضع ذي المعالي، المتواضع العالي، آية الإعجاز، وفي الصدور والإعجاز، والذي جمع طبع العراق وصنيعه الحجاز، واقطع استعارته جانب الحقيقة والمجاز، فأبداها شمسًا، وأهداها لأجساد معانيه نفسًا، إذا كتب ملأ المهارق بيانًا، وأرى السحر عيانًا، وله أدب لو تصور شخصًا، لكن بالقلوب مختصًا، ولو كان نورًا، لكان له السماك نجدًا والمجرة غورًا إلى الاتسام بالوقار ولحلم، والافتنان في أنواع العلم، أقامك زمنًا معتكفًا على دواوينه، كلفا بالعلم وأفانينه، ومشتغلًا بالدراسة، معتزلًا للرياسة، والملك يضم ضلوعه على علائه، ويرقب طلوعه في سمائه، وإلى أن استدعاه أمير المسلمين فأجاب بحكم الطاعة وأناب، وأراه الغناء المستعظم والمناب، وبكتب تهزم الكتائب بأغراضها، وتروق العيون بإيماضها، وقد أثبت من نثره البارع، ونظمه لعذب المشارع، وما هو افتن للأسماع، من مطرب السماع، وألذ في الألباب، من مناجات الأحباب، فمن ذلك رقعة راجعني بها عن معاتبة له في توقف مراجعة وهي، لو أطعت نفسي أعزّك الله بحسب هواها، ومحتمل قواها، لما خططت طرسًا، ولا سمعت للقلم جرسًا، ولنمت في حجر العطلة مستريحًا، ولزمت بيت العزلة حلسًا طريحًا، ولكني بحكم الزمان مغلوب، وبحقوق الإخوان مطلوب، فلا أجد بدا من أعمال الخاطرون غدًا طليحًا، وتناهى تبليحًا ولما طبع علي طالع خطابك الكريم، وفي صورة المقتضى الغريم، وتعين ألأداء، ووجب ألأعداء، واتصل بالتلبية النداء، وقد كنت تغافلت عن
[ ١٠٩ ]
الكتاب الأول، وتغافل الساكن إلى العذر المتأول، فهزتني من الثاني كلمات مولمات، ولكنها في وجه الحسن والإحسان سمات، ولم توجدني إلى المعذرة طريقًا، ولا سوغتني في النظرة ريقا، فتكلفت هذه الأسطر تكلف المضطر، حفرة ثقل البر، وأنت بفضلك تقبل وجيزها، ولا تبخل بأن يحيزها، والله يطيل بقاءك محسود النجابة، ولا يخلي دعوتي لك من الإجابة، وكتب عن أمير المسلمين وناصر الدين أيده الله إلى أهل إشبيلية، كتابنا أبقاكم الله وعلمكم بتقواه، ويسركم من الاتفاق والايتلاف إلى ما يرضاه، وجنبكم من أسباب الشقاق والخلاف ما يسخطه وينعاه، ومن حضرة مراكش حرسها الله لست بقين من جمادى الأولى سنة اثنتي عشرة وخمسماية وقد بلغنا ما تأكد بين أعانكم من أسباب التباعد والتباين، ودواعي التحاسد والتضاغن، واتصال التباغض ولتدابر، وتمادي التقاطع والتهاجر، وفي هذا على فقهائكم وصلحائكم مطعن بين، ومغمز لا يرضاه مومن دين، فهلا سعوا في إصلاح ذات البين سعي الصالحين، ودوا في إبطال أعال المفسدين، وبذلوا في تأليف الآراء المختلفة وجمع الأهواء المفترقة جهد المجتهدين، ورأينا والله الموفق للصواب، أن نعذر إليكم بهذا الخطاب، فإذا وصل إليكم، وقرئ عليكم، فاقمعوا الأنفس الأمارة بالسوء وارغبوا في السكون والهدوء، ونكبوا عن طريق البغي الذميم المشنو، واحذروا دواعي الفتن، وعواقب الإحن، وما يجر داء الضمائر، وفساد السرائر، وعمى البصائر، ووخيم المصائر، وأشفقوا على أديانكم وأعراضكم، وتوبوا إلى الصلاح في جميع أغراضكم، وأخلصوا السمع والطاعة لوالي أموركم، وخلفتنا في تدبيركم، وسياسة جمهوركم، وأخينا الكريم علينا أبي إسحاق إبراهيم أبقاه الله، وأدام عزه بتقواه، واعلموا أن يده فيكم كيدنا، ومشهده كمشهدنا، فقفوا أسلس انقياد لحكمه وعزمه، ولا تقيموا على ثبج عناد بين حده ورسمه، ولله تعالى يفيء بكم إلى الحسنى، وييسركم إلى ما فيه صلاح الدين والدنيا، بقدرته وله من قصيدة: طويل
لئن راق مراى للحسان ومسمع فحسناؤك الغراء أبهى وأمتع
عروس جلاها مطلع الفكر فانثنت إليها النجوم الزاهرات تطلع
زفت بها بكرًا تضوع طيبها وما طيبها إلا الثناء المضوع
[ ١١٠ ]
لها من طراز الحسن وشي مهلل ومن صنعة الإحسان تاج مرصع
وله فصل في جانب الفقيه لأجل ابن عياض إلى ابن حمدين ﵀، أما وكنف برك لمن أمك من أهل الفضل ممهد، وجفن رعايتك لهم مسهد، ومنزل حمايتك بهم متعهد، فكل وعز يلقونه في سبيل قصدك مستسهل، ولا يرويهم دونك منهل، ولا يضل بهم وأنت العلم مجهل، وممن رأى ن يقتحم نحوك ظهري لجة ومحجة، ويقرن في أم الكعبة فضلك بين عمرة وحجة، ويرحل إلى حضرتك المألوفة مهاجرًا، ويعتمدها في طب العام تاجرًا، ليجتهد في جمعه وكبسه اجتهاد مغترب، ويملأ من بضائعه وفوائده وعاء غير سرب، ومذهبه الاقتباس من أنوارك، والالتباس برهة من الدهر بجوارك، وللاستيناس بأسرة بشرك ومسرة جوارك، وفلان وله الفصل مذاهب يبهرج عندها الذهب، وعنده من النبل ضرائب لا يفارق زندها اللهب، وستقربه، فتستغربه، وتخبره، فتكبره، إن شاء الله، له مراجعا. طويل
سلام كأنفاس الأحبة موهنًا سرت بشذاها العنبري صبا نجد
سلام كإيماض الغزالة بالضحى إلى الروضة الغناء غب الحيا العد
على من تحراني بمعجز شعره فاعجز أدنى عفوه منتهى جهدي
غزاني من حوك اللسان بلامة مضاعفة التاليف محكمة السرد
دلاص من النظم البديع حصينة ترد سنان النقد منثلم الحد
عليها من الإحسان والحسن رونق كما ديس متن السيف من صدا الغمد
وفيها على الطبع الكريم دلالة كما افترضوا للسقط عن كرم الزند
أبا عامر لا زال ربعك عامرًا بوفد الثناء الحر والسودد الرغد
لقد سمتني في حرمة القول خطة لففت لها رأسي حاء من المجد
وكتب عن أمير المسلمين إلى ابن حمدين في أمر أب الفضل ابن عياض المذكور، وفلان أعزه الله بتقواه، وأعانه على ما نواه، ممن له في العلم حظ وافر، وزوجه سافر، وعنده دواوين إغفال، ولم تفتح لها على الشيوخ إقفال، وقصد تلك الحضرة ليقيم أود متونها، ويعاني رمد عيونها، وله إلينا ماتة مرعية أوجبت الإشادة بذكره، والاعتناء بأمره، وله عندنا مكانة حفية تقضي مخاطبتك بخبره، وإنهاضك إلى قضاء وطره، وأنت إن شاء الله تسدد عمله، وتقرب أمله، وتصل أسباب العون له، إن شاء الله، وله مراجعا إلى أحد الشعراء. طويل
[ ١١١ ]
أما ونسيم الروض طاب به فجر وهب له من كل زاهرة نشر
تحامي له وعن سره زهرة الربى ولم تدر أن السر طية نشر
ففي كل سهب من أحاديث طيبه تمائم لم يعلق بحاملها وزر
لقد فغمتني من ثنائك نفحة ينافسني في طيب أنفاسها العطر
تضوع منها العنبر الورد فانثنت وقد أوهمتني أن منزلها السحر
سرى الكبر في نفسي لها ولربما تجانف عن مسرى ضرائبي الكبر
وشبت بها معنى من الراح مطربا فخيل لي أن ارتياحي بها سكر أبا
أبا عامر أنصف أخاك فإنه وإياك في محض الهوى الماء والخمر
أمثلك يبغي في سماءي كوكبا وفي جوك الشمس المنبرة والبدر
ويلتمس الحصباء في ثعب الحصا ومن بحرك الفياض يستخرج الدر
عجبت لمن يهوى من الصفر تومة وقد سال في أرجاء معدنه التبر
وكتب عن أمير المسلمين إلى أهل سبتة، كتابنا أبقاكم الله وأكرمكم بتقواه، ويسركم لما يرضاه، وأسبغ عليكم نعماه، وقد رأينا والله بفضله يقر جميع أرائنا بالتسديد، ولا يخلنا في كافة أنحائنا من النظر الحميد، أن نولي أبا زكريا يحيى بن أبي بكر محل ابننا، الناشيء في حجرنا، أعزه الله، وسدده فيما قلدناه إياه، ومن مدينتي فاس وسبتة وجميع أعمالها جرسها الله على الرسم الذي تولاه غير قبله، فأنفذنا ذلك له، لما توسمناه من مخائل النجابة قبله، ووصيناه بما نرجو أن يحتذيه ويمتثله ويجري عليه قوله وعمله، نحن في وراء اختباره، والفحص عن أخباره، لأنني بحول الله في امتحانه وتجريبه، والعناية بتخريجه وتدريبه، ولله ﷿ مخيلتنا فيه، ويوفقه من سداد القول والعمل إلى ما يرضيه، فإذا وصل إليكم خطابنا فالتزموا له السمع والطاعة، والنصح ولمشائعة جهد الاستطاعة، وعظموا بحسب مكانه منا وقدره، وامتثلوا في كل عمل من أعمال الحق نهيه وأمره، والله تعالى يمده بتوفيقه وهدايته، ويعرفكم يمن ولايته بعزته، وكتب عنه أيده لله ونصره إلى أبي محمد عبد الله بن فاطمة ﵀، كتابنا أطال الله في طاعته عمرك، وأعز بتقواه قدرك، وشد في ما تولاه أزرك، وعضد بالتوفيق والتسديد أمرك، أن نجدد مهدنا إلى عمالنا عصمهم الله بالتزامهم أحكام الحق،
[ ١١٢ ]
وإيثار أسباب الرفق لما نرجوه في ذلك من الصلاح الشامل، والخير العاجل والأجل، والله تعالى ييسرنا لما يرضيه من قول وعمل بمنه، وأنت أعزك اله ممن يستغنى بإشارة التذكرة، ويكتفي بلمحة التبصرة، ولما تأوى إليه من السياسة والتجربة، اتخذ الحق أمامك، وملك يده زمانك، وأجر عليه في القوي والضعيف أحكامك، وارفع لدعوة حجابك، ولا تسد في وجه المضطهد المظلوم بابك، ووطئ للرعية حاطها الله أكنافك، وأبذل لها أنصافك واستعمل عليها من يرفق بها ويعدل فيها، واطرح كل من يحيف عليها ويوذيها، ومن سبب عليها من عمالك زيادة، أو خرق لا في أمرها عادة، أو غير رسما، أو بدل حكما، أو أخذ لنفسه منها درهما ظلما، فاعزله من علمه، وعاقبه في نده، والزمه رد ما أخذ تعديا إلى أهله، واجعله نكالًا لغيره فاعزله عن عمله، وعاقبه في ندنه، والزمه رد ما أخذ تعديا إلى أهله، واجعله نكالًا لغيره حتى لا قدم منهم أحد على مثل عله، إن شاء الله وهو تعالى ولي تسديدك، والملي بعضدك وتأييدك لا إله غيره، وله عنه إلى أهل غرناطة، كتابنا عصمكم الله بتقواه، ويسركم لما يرضاه وجنبكم ما يسخطه وينعاه، ومن حضرة مراكش حرسها لله يوم الجمعة التاسع عشر من شهر الصوم المعظم سنة سبع وخمساية وقد اتصل بنا أنكم من مطالبة فلان على أولكم، وفي عنفوان عملكم، وأنه لا يعدم تشغيبًا وتأليبًا من قبلكم، فإلى متى تلحون في الطلب، وتجدون في الغلب، وتقرعون النبع بالغرب، لقد آن حركتكم في أمره أن تهدي، وللنائرة بينكم أن تطفي، ولذات بينكم أن تصلح، ولوجوه المراشد قبلكم أن تضح، وإذا وصل إليكم خطابنا هذا فاتركوه متابعة الهوى، واسلكوا معه الطريقة المثلى، ودعوا التنافس على حطام الدنيا، وليقبل كل واحد منكم على ما يعنيه، ولا يشتغل بما ينصبه ويعنيه، لابد لكل عمل، من أجل ولكل ولاية، ومن غاية، ولن يسبق شيء أناه، وإذا أراد الله أمرا سناه، وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون، وفقكم الله لما فيه صون أديانكم وأعراضكم، وتسديد أنحائكم وأغراضكم بمنه، وكتب أعزه الله مرحبا بك أيها البر الفاتح، والروض النافح، فما أحسن تويجك، وأعطر تارجك، لقد تحت بالمخاطبة بابا، طالما كنت له هيابا، ورعت حجابا، وترك قلبي وجابا، وما زلت أحوم عليه شرعة، وفلا أسيغ منها جرعة، وأغازلها أملًا، فلا أطيقها عملًا، وألاحظها أمدا، أذوب دونها كمدا، وفي تعب
[ ١١٣ ]
من يحسد الشمس نورها، ويجهد أن يأتي لها بضريب، وإلى أن وردني خطابك الخطير مشتملا على نظم من الكلام، رائق الأعلام، يقرب من الإفهام، ويبعد نيله في الأوهام، قد أرهفت نواحيه بالتهذيب، وطرزت حواشيه بكل معنى غريب، وحشيت معانيه باللفظ الرائع المهيب، فازددت به تهيبا ورعبا، وعاينت منه مركبا صعبا، وقلت التغافل عن الجواب، أولى بالصواب، وإن ألمت بالجفاء، وقابلت الوفاء باللفاء، إذ ليس بلبيب من يعارض السيل بوشل، ويناهض التشمير بفشل، ويطاول الفيل بشلو منتشل،
ولا باريب من قيس الشبر بالبارع، والمد بالصاع، والجبان بالشجاع، والقطوف بالوساع، فمن طلب فوق طاقته افتضح، ومن تعسف الخرق النازح رزح، ومن سبح ف البحر كم عسى أن يسبح، ولا جرم أنه اقتضاني في المراجعة صديق لنا كريم لم لتت إلى معذرة، ولا سمح بنظرة، فتكلفتها بحكم عزمته وتحت فادح حصر، ونازح بصر، فقد يكدي على علمك الخاطر، ويحوي النجم الماطر، وربما عاد اللسن في بعض الأوقات لكنا، والجواد كودنا، وبحر القريحة ثمدا، وحسام الذهن معضدا، فإن تفضلت بالأعضاء، سامحت في الاقتضاء، وسلمت لك في اليد البيضاء، وبرزت لشكرك في الفضاء، واجتليت منك أدام الله عزك ف معنى تعذر تلاقينا، عند قرب تدانينا، فصولًا حسانًا حسبتها برهانا، ورأيت بها السحر الحلال عيانا، ولئن اعترض عائق الزمان دون ذلك الأمل وقد عارضنا من أمم، وصار أدنى من يد لفم، فإن نفوسنا بحمد الله في المقاصد والأغراض، متلاقية على موارد الإخلاص ولا محاض، والله تعالى بحفظ جواهرها من الأرض، ويصونها من الانتكاث والانتفاض، بمنه وطوله أنه على كل شيء قدير، وبيده الأمر والتدبير، وأما ما جلاه من صورة الود، في معرض الجد، وفقد ثوى بين الجوانح محلًا، لا يسوم الدهر عقده حلا، ولا يزال جفني ف رعيه مسهدا، وقلبي لصونه ممهدًا، إن شاء الله واقرأ عليك يا سيدي المعظم في خلدي سامًا شريف النصاب، كريم الإحساب، والسلام الأتم الدعم، ما طلعت الأنجم وتضوع المسك الأحم، على سيدي الأعظم، ورحمة الله وبركاته.