أحد أعلام الوزارة المتسمين بإزائها، والمرتسمين في زمام عليائها، والمشتهرين بالبلاغة، والمقتصرين على حسن التناول في كل أراغة، إلا أن الأيام عدت عل آماله، وأغرت صروفها بكماله، فلم تلح أمانيه حتى غربت، ولا اتفقت له حال إلا اضطربت وصل إلى المعتمد فكلف به، وألف حسن مذهبه، وثم نسبت إليه معائب، وانبرى له شانئ وعائب، حسد لخصاله، وجدا في زواله وانفصاله، وفأنف من المقام بذبك المثوى، والاحتمال لتلك البلوى، فانتقل إلى المتوكل، وحل منه بلطف محل، وألى إليه أزمة العقد والحل، وثم رأى أن يكر إلى سرقسطة بلده، ويفر فيها مع أهله وولده، وفلما وصل إليها استدعي إلى إحدى حدائقها في ليلة من منح الدهر، وتنسم أنسها أعطر من نفح الزهر، فلما أغفى دب غليه أحد عده، وج أوداجه بمداه، وسقي الأرض من نجيعه، وتركه لا يستيقظ من هجوعه، وكان كثيرًا ما يشتكي في كتبه تشكيًا يدل على ضيق صدره، وسمو قدره، فمن ذلك رقعة كتبها إلى ابن حسداي وهي، وكتابي وأنا كما تدريه، غرض للأيام تزميه، ولكن غير شاك من آلامها، ولأن قلبي في أغشية من سهامها، فالنصل على مثله يقع، والتألم بهذه الحالة قد ارتفع، وكذلك التقريع إذا تتابع هان، والخطب
[ ١٠٦ ]
إذا اشتد لان، والحوادث تنعكس إلى أضدادها، إذا تناهت في اشتدادها، وتزايدت على أمادها، وكتب في مثل ذلك، كتابي وعندي من الدهر ما يهد يسره الرواسي، ويفتت الحجر القاسي، ومن أجلها قلب محاسني مساويا، وانقلاب أوليائي أعاديا، وقصدي بالبغضة من حيث المقة، واعتمادي بالخيانة من جانب الثقة، فقس بهذا على سواه، وعارض به ما عداه، ولا تعجب إلا لثبوتي لما لم يثبت هـ الخلق السرد، وبقائي على ما لا يبقى عليه الحجر الصلد، لا أطول عليك فقد غير علي حتى شرابي، وأوحشتني فها أنا أتهم عياني، واشتريت من بناني، وأجني الإساءة من غرس إحساني، وقاتل الله الحطيئة في قبره، فطالما غر قوله في شعره: بسيط
من يزرع الخير يحصد ما يسر به وزارع الشر منكوس على الراس
أنا والله فعلت خيرًا فعدمت جوازيه، وما أحمدت عوائده ومباديه، وزر عته فلم أحصد إلا شرًا، ولا اجتنيت منه إلا ضرًا، وهكذا جدي فما اصنع وقد أبى القضاء إلا أن أفني عمري في بوس، ولا أنفك من نحوس، ويا ليت باقية قد انصرم، وغائب الحمام قد قدم، فعسى أن تكون بعد الممات راحة من هذا النصب، وسلوة عن هذه الخطوب والنوب، فدع بنا هذا التشكي فالدهر ليس بمتعب من يجزع، وما في الأيام رجاء ولا مطمع، وله فصل من تعزية، من أي الثنايا طلعت النوائب، وأي حمى رتعت فيه المصائب، فواها لحشاشة الفضل أرصدها الردى غوائله، وبقية الكرم جر عليها الدهر كلاكله، ويا حسرتا للجة المواهب كيف سجرت، ولشمس المعالي كيف كورت، ويا لهفي على هضبة الحلم كيف زلزلت، وحدة الذكاء والفهم كيف فللت، فإنا الله أخذا بوصاياه، وتسليمًا لقضاياه، وله فصل، ولئن كانت الأيام تنئيك، فللأماني تدنيك، ولئن كنت محجورًا من الناظر، فإنك مصور في الخاطر، أناجيك بلسان الضمير، وأعاطيك سلاف السرور، وله، ورد لك في كتاب خلته لطفه سماء، وتوهمته من خفته هباء، وفضضته عن أسطر فيها سواد، ولم يتحصل لي منه مستفاد، فتعوذت برب الفلق، من شر ذلك الغسق، وله إلى ابن حسد لي، كنت عهدتك لا تمتنع من مداعبة من يداعبك، ولا تنقبض عن مراجعة من يخاطبك، فمن أين حدث هذا التعالي، وما سبب هذا التغالي، عرفتني جعلت فداك، ما الذي عداك، ولعلك رأيت الحضرة قد حلت من قاض
[ ١٠٧ ]
فطمعت في القضاء وجعلت تأخذ شريعة نفسك باهته، وتترشح لرتبته، وأنت الآن لاشك تتفقه في الأحكام، وتتطلع شريعة الإسلام، وهبك تحليت بهذا السمت، ونهيات لذلك الدست، وما تصنع في قصة السبت، ودع هذا التخل وارجع إلى أخلاقك، وعد في أطراقك، وتجاهل ما قبلك جاهل، وتحاق مع الحمقاء وأنت عاقل، فلا تمتنع لذة الاسترسال، ولا تتبع الدنيا بجد منك في سائر لأحوال، فما أشبه أدبارها بالإقبال، وكثرتها بالإقلال، وله يستدعي خمرًا، أوصافك العطرة، ومكارمك المشتهرة، تنشط سامعها من غير توطئة، في اقتضاء ما عرض من أمنية، فللراح من قلبي محل لا تصل إليه سلوة، ولا تعترضه جفوة، إلا أن معانيها قد جف، وقطينها قد خف، فما توجد للسباء، لو بحشاشة الحرباء، فصلني منها مما يوازي قدري، ويقوم له شكري، فإن قدرك أرفع من أن تقتضي حقه زاخرات البحار، ولو سالت بذوب النضار، وله يستدعي إلى مجلس أنس، يومنا يوم تجهم محياه، ودمعت عيناه، وبرقعت شمسه الغيوم، ونثرت صباه لؤلؤة المنظوم، وملأ الخافقين دخان دجنه، وطبق بساط الأرض هملان جفنه، فأعرضنا عنه إلى مجلس وجهه كالصباح المسفر، وجلبابه كالرداء المجر، وحله يشرق في ترائبه، ونده يعبق في جوانبه، وطلائع أنواره تظهر، وكواكب إيناسه تزهر، وأباريقه تركع وتسجد، وأوتاره تنشد وتغرد، وبدوره تستحث خطاك، وتقبل أنملها مفدية، وسائر نغماتها، خذ وهاتها، وأملنا أن تحث خطاك، حتى يلو سناك، ونشتفي بمرءاك، وله فصل، ورد كتابك فنور ما كان بالإعباب داجيا، وحسن مشافها عنك ومناجيا، واسترد إلى الخلة بهاءها، وأجرى في صفحة الصلة ماءها، وعند شدة الظمأ، يعذب الماء وبعد مشقة السهر طيب لإغفاء، ورأيت ما وعدتني به من الزيار فسرني بعض من أطرابي، وحسن لي دين التصابي، فارتحت كأنما أدر علي المدام مديرها، وجاوب المثاني والمثالث زيرها، ولا تسأل عن حال استطلعتها فيه كاسفة بالي، كاشفة عن خبالي، ولصبح لاح من خلال ذوابتي، وتنفس في ليل لمتي، فأدجى مطالع أعمالي، وأراني مصارع أمالي، وله فصل، يا ليت شعري كي أتغير على بعضي، وأمنحه قطيعتي وبغضي، وله فصل، طلع علينا هذا اليوم فكاد يمطر من الغضارة صحوة، ويقبس من الإنارة جوه، ويحيي الرميم اعتداله، ويصبي الحليم جماله، فلف٥تنا
[ ١٠٨ ]
زهته، وضممتنا بهجته، وفي روضة أرضعتها السماء شأبيبها، ونثرت عليها كواكبها، ووفد عليها النعمان بشقيقه، واحتل فيها الهند بخلوق، وبكر إليها بابل برحيقه، فالجمال بحسنه طرفه، والنسيم يهز لأنفاسه عطفه، وتمنينا أن يتبلج صبحك من خلال فروجه، وتحل شمسك في منازل بروجه، فيطلع علينا الأنس بطلوعك، وتهديه بوقوعك، ولن تعدم نورًا شمائلك طيبا وبهجة، وراحا تخالها خلالك صفاء ورقة، وألحانا تثير أشجان الصب، وتبعث أطراب القلب، وندى من ترتاح إليهم الشمول، وتتعطر بارجهم القبول، ويحسد الصبح عليهم الأصيل،
وبقصر بمجالستهم الليل الطويل.