حلّ كنفي العلم والعليا، وأخذ بطرفي الدين والدنيا، فهصر أفنان الفتوة، واقتصر برهة على أجتلاء غرر الأماني المجلوة، لم يتأنس بها إلا بنشوة، ولم يتنفس فيها إلا عن صبوة، ولا طاف مدتها بركن استتار، ولا عاف مورد استهتار، والدين يلحظه بطرف كلف، وقلب عليه مؤتلف، إلى أن أقصر باطله، وأستبصر مسوفه ومماطله، فعري من ذلك اللبوس، وبرئ من تلك الكؤس، وأصبح ثاني الأكابر، وراقي أعواد المنابر، وقد أثبت له ما يستجاد، ويرتاد له تهائم ونجاد،
[ ١٨٦ ]
فمن ذلك قوله: كامل
والروض يبعث بالنسيم كغنه أهداه يضرب لاصطباحك موعدا
سكران من ماء النعيم فكلّما غنّاه طائره وأطرب ردّدا
ياوي إلى زهر كانّ عيونه رقباء تقعد للأحبّة مرصدا
زهر يبوح به أخضرار نباته كالزَّهر أسرجها الظلام وأوقدا
ويبيت في فنن توهمّ ظلّه يمسي ويصبح في القرارة مرودا
قد خفّ موقعه عليه وربّما مسح النعيم بعطفه فتاوّدا
وله يتعزل: خفيف
حسب القوم أنّني عنك سالِ أنت تدري صبابتي ما أبالي
قمري أنت كلّ حين وبدري فمتى كنت قبل هذا هلالي
أنت كالشمس لم تغب لي ولكن حجبت ليلها حذار الملالِ
وله يتعزل أيضًا: منسرح
ظبي يموج الهوى بناظره حتى إذا ما رمى به أنبعثا
مبتدع الخلق لا كفاء له يعدّ شكوى صبابتي رفثا
أنكر سقمي وما قصدت له وما تعرّضت للهوى عبثا
أقسم في الحبّ أن أموت به فما قضى برّه ولا حنثا