بحر لا يمتطي ثبجه، ولا تخاض لججه، يقذف لسانه لؤلؤة المكنون، ويصرف من بدائعه الأنواع والفنون، فلا يجاري في ميدان الإحسان، ولا يباري في بلاغة يراعه ولسان، يقص كل بحر عن مداه، ويظهر الإعجاز فيما أظهره من البيان وأبداه، لاح وسماء المعالي قد تزينت بنجومها، وسمع بذكرها ولم ترم برجومها، فظهر أول الظهور وساد، ولم يخش في موضع نفاق الفضل الكساد، والناس إذ ذاك الأعلام، والدنيا تحية وسلام، فتهادته الرياسات، وقادته تلك السياسات، فانتقل إليهم انتقال الشمس في مطالع السعود، ومقل روض الأماني ناضر العود، واستدعاه المقتدر بالله فعرف محله، وأحله من الخطوة لديه ما أحله، فاستحسن ملكه واستطابه، وملا بعوارفه وطابه، ولقي من أهل سرقسطة كل ضاحك بسام، عاضد كالحسام، يرعيه مبرته، ويريه متهللة أسرته.
فلما رحل عنهم حن إليهم أي حنين، وذاب شوقًا غليهم بين أرق وأنين، وفقال يخاطبهم: متقارب
سلام على صفحات الكرم على الغرر الفارجات الغمم
على الهمم الفارعات النجوم على لأيمن الغامرات الديم
سلام شج لانقلاب المزار نوى غربة عن جوار أمم
شجى عن نزاع يذيب الدموع بنار الجوانح لا عن ندم
وأي الندامة من مجمع على ما نوى همه أي هم
وهل يتلون رأي اللبيب إذا جد في أمره واعتزم
عزمت على رحلتي عنكم فسرت بقلب شديد الألم
أضاحك صحبي وأطوي الفجاج وفي كبدي لاعج كالضرم
فما أنس لا أنس ذاك الحياء وذاك السناء وتلك الشيم
ودنيا لكم طلقة المجتلى ودهرًا بكم واضح المبتسم
وساعات أنس تجول النفوس فيها محال حمام الحرمْ
[ ١٠٢ ]
أحن إليكم ومن ضاقه تذكر عهدكم لم يلم
وإن كنت مغتبطًا ساحبًا ذيول الرضى في قرار النعم
وانشر من فضلكم ما ليت على أنه سافر كالعلم
فما روضة الحزن ذات الفنون إذا ما الصباح عليها بسم
وقد بلل الطل أحداقها كان الفريد عليها انتظم
يا طيب من فنحات الثناء أسيرها عنكم في الأمم
أروح وأغدو بها خاطبًا لدى سامعي عرب أو عجم
لدى كل معترف تابع إذا قلت ألقى إلي السلم
ومن حقكم شكره آلائكم ومن حق شائنكم أن يذم
وله يصف مطرًا بعد قحط، وإن الله تعالى قضايا واقعة بالعدل، وعطايا جامعة للفضل.
ومنحا يبسطها إذا شاء ترفيعا وأنعاما، ويقبضها إذا أراد تنبيتها وإلهاما، ويجعلها لقوم صلاحا وخيرا، وعلى آخر فسادًا وضيرا، وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قطنوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد، وأنه بعد ما كان من امتساك الحيا، وتوقف السقيا، الذي ريع به الأمن، واستطير له الساكن ورجفت الأكباد فزعا، وذهلت الألباب جزعا، وأذكت ذكاء حرها، ومنعت السماء درها، واكتست الأرض غبرة بعد خضرة، ولبست شحوبًا بعد نضرة، وكادت برود الأرض تطوى، ومدود نعم الله تزوي، نشر الله تعالى رحمته، وأتاح منَّته، وأزاح محنته، فبعث الرياح لواقح، وأرسل الغمام سوافح، بماء دفقن ورواء غدق، من سماء طبق، واستهل جفها فدمع، وسح دمعها فهمع، وصاب وبلها فنقع، فاستوفت الأرض رياء، واستكملت من نباتها أثاثا وريا، فزينة الأرض مشهورة، وحلة الروض منشورة، ومنة الرب موفورة، والقلوب ناعمة بعد بوسها، والوجوه ضاحكة بعد عبوسها، وأثار الجزع ممحوة، وسور الحمد متلوه، ونحن نستزيد الواهب نعمه التوفيق، ونستهده في قضاء الحقوق إلى سواء الطريق، ونستعيذ به من المنة، أن تصير فتنة، ومن المنحة أن تعود محنة، وهو حسبنا ونعم الوكيل.