شيخ الأوان، القاعد على كيوان، الذي بهر بإبداعه، وظهر على الصبح عند انصداعه، وعطّل العوالي بيراعه، واطلع الكلام رائقًا، وجاء به متناسقًا، وقد أثبت من محاسنه ما تخال الروض عنه مبتسما، وترى الإحسان في زمانه مرتسما، نزلت عنده في إحدى سفراتي، نزولًا أجناني أزاهر مسراتي، وأولاني كل مستحسن سهل، وأراني أيام ابن الجهم مع الحسن بن سهل، وأقطفني كل نضر يانع، وأباح لي كل أملٍ لم تعقه أيدي الموانع، فلما أردت الانصراف أنشدني: طويل
يذكرّني نيل الهمام أبي نصر زمان اهتمامي بالقريض وبالنثرِ
وما لي لا أهدي الملام إليهما وقد رفعا من قد كل عر غمرِ
فلله ما يسدي ويلحم طبعه وينثر من شذر وينظم من درِ
ولله منه همّة عربية أبت أن ترى إلا على قمة النسرِ
لقد أحرزت علياه كلّ فصيلةٍ مطرّزة الأبراد عاطرة النشرِ
إلى حسب كالماء يصقله الصبا وعرض كعرف الروض غبّ حيا يسري
وله أيضًا: وافر
بدار الملك من صرف الزمان حوادث تجتليها الناظرانِ
تبدلت الحوافر من خدود وغرّ الخيل من غرّ الغواني
مطالع أوجه الغيد الحسان غصصن بكلّ يعبوب حصانِ
كأنّ نسور أيديهن فيها يطأن غراب عيني أو جناني
وله: بسيط
يا هاجرين أضلّ الله سعيكم كم تهجرون محبيكم بلا سببِ
[ ١٥٤ ]
يا مسرين للأخوان غائلة ومظهرين وجوه البرّ والرحبِ
ما كان ضركم الإخلاص لو طبعت تلك النفوس على علياء أو أدبِ
أشبهتم الدهر لما كان والدكم فأنتم شرّ أبناء لشرابِ
ما زدتم قدري أيام وصلكم نباهة لا ولا ذكري ولا حسبي
ولا ازدريتم به أيّام هجركم فلستم من صعودي لا ولا صببي
وله: متقارب
رأيت الكتابة والجاهلو ن قد لبسوا عزّها لامه
فقلت لكلّ فتى كاتب بديع الفصاحة علامه
إذا عزّ غيركم بالمداد فلا أنبت الله أقلامه
وله أيضًا: كامل
أركابكم شطر العذيب تساق يوم النوى أم قلبي المشتاقُ
عميت عليّ عيون رأيي في الهوى لله ما صنعت بي الأشواقُ
ولقد أقول لصاحب ودّعته وقد استهلّ بدمعي الإشفاقُ
يا فائزًا قبلي برؤية دوحة أضفت ظلال فروعها الأطواقُ
من تغلب الحرب التي إن غولبت شقيت بحدّ سيوفها الأعناقُ
فهم إذا ما جالسوا أو واكبوا أخذوا بحقهم الصدور فراقُ
قاضٍ كان الليث حشو بروده وكان ضوء جبينه الإشراقُ
بالله ربك خصّه بتحيةٍ من ذي خلوص قلبه توّاقُ
يصبو إلى تلك العلى فكأنه صبّ أصابت لبّه الأحداقُ
ثاوٍ بأرض بداوة لكنها بالمالكيين الكرام عراقُ
قوم إذا ومضت بروقهم همى صوب الحيا وأنارت الآفاقُ
وإذا استقلّ بنانهم بيراعة لبست وشيع برودها الأوراقُ
وإذا انتدوا وتكلموا أنسيت ما صانته من أعلاقها الأحقاقُ
أنصاركم وحماة مجدكم وما أولاكموه من العلى الخلاّقُ
بلقالق ذلق كأنّ حديثها درر يفصّل بينها النّساقُ
فهم إذا ألقوا حبال بنانهم غلبوا جهابذة الكلام فقاقوا
لمّا جروا وشأوا ونالوا ما اشتهوا وثنوا أعنتهم وهم سبّاقُ
نصبت لهم حسدًا على ما خولوا من سؤدد ونفاسة أوهاقُ
[ ١٥٥ ]
وكتب أيضًا: كامل
ياأيها القمر الذي يجلو دجا ال خطب البهيم لنا سناهُ
هل لامرئ ألقت إليك به يد ال تأميل أن يلقى مناهُ
مع أنه لا يحاول غاليًا، ولا يطاول عاليًا، وإنما يطلب ما طفّ، ويخطب ما خفّ، وذلك لاحتشاد الكساد في أسواق صناعته، وائتمار البوار بأعلاق بضاعته، التي هي جواهر، في أعناق جادر، وقلائد، على أطواق خرائد، وخود، مفصّلة العقود، وقدود، موشّاة البرود، وخمائل، مصندلة الغلائل، ومجاب مطولة الأشجار، ومجان معسولة الثمار، من أدب، كالذهب، وكلام، كالمدام، يسكر، مما يسحر، إن من البيان لسحرا، ولكنها أطواق اختطف عمرها، وأعلاق خسف بدرها، فجهلت قيمتها، وجعلت تلو الخرز يتيمتها، ولولا هذه البقية التقية، العادلة الفاضلة الزكية، الشريفة المنيفة التغلبية، أعلى الله قدرها، وأوزعني وجميع الآملين شكرها، ما بقي لصناعة البراعة رسم إلا دثر. كامل
بل بدّلت أعلى منازلها سفلى وأصبح سفلها يعلو
لتمحق، فتلحق، من الداثر المعدوم، بسدوم: طويل
وذلك أنّ الدهر يحسد نفسه على كلّ فضلٍ أو يؤب به خسرا
ولا لصناعة البلاغة اسم إلا بشر بإدالة أهله، وإذالة فضله، ليخفى، فيلفى، من الغابر المفقود، كثمود، هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا، فيالدرر الآداب، واستعبار تجارها، من بوارها، ويالغرر نتائج الألباب، واستنار أقمارها، في احتقارها، ويالفصاحة تستطير الأقلام، وزجاجة تحيّر الأفهام. وافر مجزوء
وقد أخنى عليها ال لذي أخنى على لبدِ
فلا دار ولا سند، ولا نوّي ولا مظلومة جلد. خفيف
كلُّ شيءٍ مصيره للزوالِ غير ربّي وصالح الأعمالِ
على مثله فليبك من كان باكيًا، ثم يرجع الحديث إلى ابن إسحاق فإني والله ما قصدت، الذي سردت، من تأبين هذه المعادن لكن الحديث ذو شجون. كامل
ولربما ساق المحدّث بعض ما ليس النديّ إليه بالمحتاجِ
ولا أردت، الذي أوردت، من الإعلان، بهذه الأشجان، ولكن تفيض العين عند امتلائها وأما الذي أردته، فهو أمر أوردته، على الجبير ابني وعبده، ثم حددت له أن لا يخرج عنه لا بين يدي مجده، إن حل من عقد لسانه التقريب، واستقل
[ ١٥٦ ]
بعين بيانه لترحيب، ولئن كان ذلك، فلأحليّن ما هنالك، من سلف كريم، وشرف صميم، وهمم نفوس أبيّة، وشمم أنوف تغلبية، بشذور، منشور، هي الغناء المعبدي وعيون، موزون، هي السناء الأبدي. بسيط
إني إذا قلت قولًا مات قائله ومن يقال له والقول لم يمتِ
وإن أخذ بأذيال حسن الإصغاء، ولا تقع عوامل تأميلي عدده دام عزه في باب الإلغاء، وجد ذلك الإحسان، جواهر تقرط بها الآذان، ومسكًا يفتق، وعنبرا يحرق، إن شاء الله تعالى، وكتب إليه أيضًا. كامل
قولوا لصخرة إذ تسايل حرمها جيئي جينة ترجعي بيقينِ
أقذيت عيني بالزمان وأهله حتى نظرت إلى بني حمدينِ
الوارثين المجد عن آبائهم والحاملين العلم عن سحنونِ
قومٌ إذا حضروا النديّ تميزوا بعلوّ مرتبةٍ ونور جبينِ
متزلفين إلى الإله فشأنهم إصلاح دنيا أو إقامة دينِ
بمحمد لله درّ محمد من مستهام بالعلى مفتونِ
قاضي القضاة المستضاء بمسفر من رأيه مثل الصباح مبينِ
طود من الفضل استقلّ زمامه بإغاثة الملهوف والمحزونِ
وأحمد لباني العلى نلت المنى وأخذت راية بغيتي بيميني
قاضٍ كأن الحق نورٌ ساطعٌ يغشي الورى من وجهه الميمونِ
قمرًا كواكب تغلب ابنه وائل ذات الغنى والأيدي والتمكينِ
الوارثين كليبهم فهم إذا ما نوزعوا في المجد أسد عرينِ
وإذا يليّنهم خضوعٌ منازعٌ فلّوا له من غربه باللينِ
أهل الرصانة والفطانة والنهى والعلم بالتقليد والتدوينِ
فعليهم مني السلام تحيةً كالفاغم المجلوب من دارينِ
أيّد الله الفقيه الأجل، والغيث الواكف المنهل، قاضي الجماعة وسيدها، وعاضدها ومؤيدها، إنه أعلى الله قدرك، وأوزعني وأهل هذا العصر شكرك، لما أذابتني لفحات الأشواق، إلى تلك الآفاق، التي تشرقون بها أقمارًا، وتفهقون فيها بحارًا. وافر
وما دهري بحبّ تراب أرض ولكن حبّ من سكن الديارا
[ ١٥٧ ]
وإنما هو كما قيل: طويل
أحبّ الحمى من أجل من سكن الحمى ومن أجل أهليها تحب المنازلُ
ورابتني غمرات الوجد، بذلك المجد، العالية قلله، الغالية حلله، الرائع تطريزها، الخالص إبريزها، كما رأب العليل تغامز العوّاد عاينتها نفسًا صبّة، وقلبًا قد حشي محبة، بما رقمته لعلاك من برود، كصفحات الخدود. كامل
جادت عليها كلّ عين ثرّة فتركن كل حديقة كالدرهمِ
ونظمته من حلاك كلاما، لو شرب لكان مداما، ولو ضرب به لكان حساما، ثم أنهيته، بعد ما أمهيته. طويل
ليعلم مولاي بأني عبده وإنّ فؤادي عنده وهو في صدري
وأنّي لا أنفكّ أخدم مجده بكلّ بديعٍ من قريضي ومن نثري
ويأخذ بأذيال، ما وصفته من هذه الحال، أنه: متقارب
رماني الزمان بأحداثه فبعضًا أطقت وبعض فدح
ومن أثقلها وأفدحها، وأعلنها وأفضحها، وأغلبها وأعزها، وأسلبها وأبزها، ومن عزّ، بزّ، أنه كان لي نسيب، قريب، وربيب، حبيب. بسيط
ربّيته وهو مثل الفرخ أعظمه أمّ الطعام ترى في ريشه زغبا
فلما شبّ، دبّ ليلقط الحبّ، فما خمص، حتى قنص، ولا أخذ في الحركة، حتى وقع في الشركة، ويعدو على المرء ما يأتمر، وذلك أنه أم قرطبة حرسها الله طالبًا جذم مال كان قد تصدق به عليه جده ﵀ فإذا به قد ألفى هنالك عاصبه، وهو قد نصب له مجانبه، وفتح أشراكه، وبسط تحت هذا المطمع شباكه، فما نزل، حتى كتف، ولا حصل، حتى نتف، فأصبح مغلوبًا مسجونًا، محزونًا مشجونًا. طويل
إذا قام غنّته على الساق حلية بها خطوه وسط البيوت قصيرُ
هكذا أعزك الله أورد، بعض من ورد، وبه أخبر، بعض من استخبر، وفي النوى يكذبك الصادق، فإنه قد حدث غيره أنه في وثاق، لكنه غير محلى الساق، وتحت اعتقال شديد، ولكنه بغير حديد. طويل
ومن يسأل الركبان عن كلّ غائب فلابدّ أن يلقى بشيرًا وناعيا
فلو ترى أمه أمتك سترها الله وهي من اليمّ إشفاقها، وعظيم وجدها وانطباقها، قد ذهبت أو كادت، بل قاربت وزادت، لولا ناظر غريق يطرف، وعين سخية
[ ١٥٨ ]
تذرف، وربّ عيشٍ أخفّ منه الحمام، لاحتدمت، فما رحمت، ولاستعبرت، فما أبصرت، وهذا المظلوم المسجون، المكظوم المحزون، الذي غلب صبرها همه، وملأ صدرها ملمّه، فقتلها، مما أذهلها، فتى يعزف بفلان أقال الله عثرته، وأزال غمرته، فهل لك أن تتدارك هذه المسكينة بحسنة، تعدل عند الله عبادة ألف سنة، لقوله ﷿ "ومن أحياها فكأنما أحيى الناس جميعا"، لنبّهت للخير أهله، حيث خاطبت مولاي فهززت فضله، ومن نبّه عمر نام، ومثله أعزه الله ممن بذّ الكرام، وشح في مثلها بالحسام، ثم أمر كاسا بالإلجام. طويل
وإلا فلم قالوا عتيبة فارس يشبّ وقود الحرب بالحطب الجزلِ
فعل إن شاء الله تعالى ما هو أهله، وعند ربّه من حسن الثواب عدله، أنه لا يضيع أجر من أحسن عملا، بحوله، وطوله، ومنّه، ويمنه، والسلام.