رجل زهت به السياسة والتدبير، وجبل دونه يلملم وثبير، ووقار، لا يستفز ولو دارت عليه العقار، إذا كتب باهت البدر رقعته، وقرطست أفئدة المعاني نزعته، وضعته الدولة في مفرقها، وأطلعته في مشرقها، فاظهر جمالها، وعطر صباها وشمالها، فسهل لراجيها حزنها، وصاب بأحسن السير مزنها، واتضح بشرها، ونفح بعرف الأماني نشرها، وجادت يده بالحيا، وعادت به أيام الفضلبن يحيى، إلا أن الأيام أتقته، فما أبقته، وخشيه مكرها، فغشيه نكرها، فتخلت عنه الدولة تخلي العقد عن عنق الحسناء، وأعرضت عنه إعراض النسيم عن الروضة الغناء، وإنها لعالمة بسنائه، وهايمة بغنائه، ولكن الزمان لا يريد شفوفًا، ولا يرى أن يكون بالفضائل محفوفًا ويقيم مقام درياق سفوفًا، وهو اليوم قد انقبض عن أنواع الناس وأجناسهم، واستوحش من إيناسهم، وأنس بنتائج أفكاره، وهم بعيون العلم وأبكاره، وكلف بفنونه، وتصرف من سهوله إلى حزونه، ونبذ الدنيا نبذ النواة، وانتبذ من ملابسة الغواة، وصرف وجهه تجاه لبر والتقوى، وترك ربع الحظوة عافيًا قد أقوى، وعلم أن الله به حفي، وأنه له صفي، وحين أعلقه بأسبابه، وصرفه عن باب الملك إلى بابه، وقد أثبت من نثره المنتخب، ونظمه المستحلى المستعذب، ما تعاطيه مدامة، ولا يدانيه قدامة، فمن ذلك ما راجعني به عن رقعة كتبها إليه مودعًا ووصفت فيها النجوم، عذيري من ساحر بيان، وناثر جمان، ومظاهر إبداع وإحسان، ما كفاه أن اعتام الجواهر اعتيامًا، وجلاها في أبهج مطالعها نثرًا ونظامًا، حتى حشر الكواكب والأفلاك، وجندها تحوى كتائب من هنا وهناك، وقدمًا حمل لواء النباهة، وأعجز أدواء البداهة، فكيف بمن بكل حتى عن الروية، ورقض الخطابة رفضًا غير ذي مثنوية، وليس الغمر كالنزر، ورويدك أبا النصر، فما سميت فتحًا لتفتح علينا أبواب المعجزات، ولا مليت سروا لترتقي علينا إلى الأنجم الزهرات،
[ ١٢٧ ]
فتأتي بها قبيلا، وتريد منا أن نسومها كما سمت قودًا وتذليلا، وأنى لنا أن نساجل احتكامًا، وأن نباسل إقدامًا، من أقدم حتى على القمرين، وتحكم حتى في انتقال الفرقدين، وقص قوادم النسرين، ثم ورد المجرة وقد تسللت غدرانها، وتفتح في جاماتها أقحوانها، وهناك اعتقد التخييم، وأحمد المراد الكريم، حتى إذا رفع قبابه، ومد كما أحب أطنابه، سئم الدهناء، وصمم المضاء، فاقتحم على العذراء رواقها، وفصم عن الجوزاء تطاقها، وتغلغل في تلك الأرجاء، واستباح من شاء أن يستبيحه من نجوم السماء، ثم أقنعه أن بهر بادلاله، حتى ذعرها بجياد أقواله، وغمرها بأطراد سلساله، فله ثم خيل وسيل، لأجلها شمر عن سوق التوءمين ذيل، وتعلق برجل السفينة سهيل، هناك سلم المسالم، وأسلم المعارض والمقاوم، فما الأسد وإن لبس البزة يلبًا، واتخذ الهلال مخلبًا، وإنما انتهض تحت صبا أعنته وقبض على شبا أسنته، وما لشجاع وإن هال مقتحمًا، وفغر على الدواهي فما وقد أطرق مما رءاه، وما وجد مساغًا ناباه، وما الرامي وقد أقعص عن مرامه، ووجئت لبته بسهامه، أو لسماك وقد قطر دفينا، وغودر بذابله طعينًا، وما الفوارس وقد جللت سربتها عجاجة، ومسخت حلبتها زجاجة، ولذلك قطب زحل، واضطرب المريخ في نار وجد واشتعل، ووجل المشتري فامتقع لونه وضياؤه، وشعشع بالصفرة بياضه ولؤلؤه، وناهت الزهرة بين دل الجمال، وذل الاستبسال، فلذلك ما تتقدم تارة وتتأخر، وتغيب آونة ثم تظهر، وأما عطارد فلاذ بكناسه، ورد بضاعته في أكياسه، وتحجب الشمس بالغمام، واعتصم، بمغربه قمر التمام، هذه حال النجوم معك، فكيف بمن يتعاطى أن يشرع في قول مشرعك، أو يطلع في ثنية فضل مطلعك، وقد أدني وشك اقتضائ واقتضابك، وبعد من إغضابك فاعتمدت على إغضائك، فخذ السانح من عفوي، وتجاوز عن مقتي وصفوي، ثم متعني بفكري فقد رجع فليلًا، ودع لي ذهني عسى أن يتودع قليلًا، وأني وقد أصله من بينك الشغل الشاغل، وودعه من قربك الظل الزائل، ولا أنس بعدك ألا في تخيل معاهدك، وتذكر مصادرك النبيلة ومواردك، فسر في أمن السلامة محافظًا، وتوجه من ضمن الكرامة مشاهدًا بالأوهام ملاحظًا، رعاك الله في حلك ومرتحلك، وقدمت على السني من متمناك والمرضي من أملك، بمن الله وفضله، واقرأ عليك
[ ١٢٨ ]
سلامًا يلتزمك في مقامك وسفرك، ويصحبك سرى أمامك وتأويبًاِ على أثرك، ورحمة الله وبركته، ولما اشتهرت المخاطبة والجواب، وبهر الإبداع منهما
والإغراب، وتهاداها كل ذكي وتعاطاها، وتوسد خد نباهته ابردي ارطاها، كتب إليه الأجل الفقيه الحافظ أبو الفضل ابن عياض في ذلك، قد وقفت أعزكما الله على بدائعكما الغريبة، ومنازعكما البعيدة القريبة، ورأيت ترقيكما من الزهر إلى الزهر، وتنقلكما إلى الدراري بعد الدر، فاحتما حمى النجوم، وقذفتماها من ثواقب أفهامكما بالرجوم، وتركتماها بعد الطلاقة ذلت جوم، فحللتما بسيطها غارة شعواء، لها ما عوت أكلب العواء، هناك افترست الفوارس، ولم تغن عن السماك الداعس، وغودرت النثرة نثارًا، وأغشي لؤلؤها نقعًا مثارا، كان لكما قبلها ثارا، وأشعرت العشريان ذعرًا، قطعت له إحداهما أواصر الأخرى، فأخذ بالحزم منها العبور، وبدرت خيلكما وسيلكما بالعبور، وحذرت اللحاق عن أن تعوق، عن منحنى العيوق، فخلفت أختها تندب عهد لوفاء، وتجهد جهدها في الاختفاء، وكأن الثريا حين ثرتم بقطينها، اتقتكم بيمينها، فجذذتم بنانها، وبذلتم للخصيب أمانها، فعندها استسهل سهيل الفرار، فأبعد بيمنه القرار، وولى الدبران أثره دبرا، وذكر البعاد فوقف متحيرًا، وعادت العوائد بشامها، والقت الجوزاء للأماني بنطاقها ونظامها، فمهلًا أعزكما الله سكنا الدهماء، فقد ذعرتما حتى نجوم السماء، فغادرتماها بين برق وفرق، وغرق أو حرق، فتزحزحا في مجدكما قليلًا، واجعلا بعدكما للناس إلى البيان سبيلا، فقد أخذتما بآفاق المعالي والبدائع، لكما قمراها والنجوم الطوالع، فكتب إليه مرجعًا عنها، بمثل نباهتك سارت الأخبار، وفيك وفي بداهتك اعتبار، لقد نلت فيها كل طائل، وقلت فلم تترك مقالًا لقائل، وعززت بثالث هو الجميع، وبرزت فأين من شارك الصاحب والبديع، جلاء بيان، في خفاء معان، هذا أثب للسهى جلالًا، وأشاد فيه لذوي النهى أمثالًا، وذاك رفع للأقمار لواء، والقى على شمس النهار بهجة وضياء، أقسم بسبقك، ومقدم حقك، لئن أفحمت بما نطقت، لقد أفهمت عن أي صبوح رفقت، ومهما أبهمت تفسيرًا، فدونك منه شيئًا يسيرًا، لما اعتمدنا نحن ذلك المظهر، فما أبعدنا هناك الأثر، بل اقتصدنا على الأصعاد، وقدنا في تلك النيرات كل سلس القياد، حتى إذا اشماز طلقها، فعز أبلقها، وصبحنا
[ ١٢٩ ]
مواردها، فافتتحنا ماردها، وثنينا عنان الكريمة، وارتضينا إيابًا ببعض الغنيمة، هببت أنت هبوب زيد الفوارس، وقربت تقريب الأسد المداعس، تومض في وجوم، وتمتعض للنجوم، فاستخرجها من أيدينا، وأزعحتها عن نواحينا، ثم صيرت إليك شملها، وكنت أحق بها وأهلها، ومن هناك، وصلت سراك، فصبحت الفيالق، وفتحت المغالق، وتسنمت تلك الحصون، أقسمت لتخرجنهم من أذلة وهم صاغرون، فاذعن لشروطك الشرطان، وازدحمت بالبطين حلقتا البطان، وثار بالثريا ثبور، وعصفت بالدبران دبور، وهكذا استعرضت المنازل، واستهظم جميعها الخطب النازل، ثم تيامنت نحو الجنوب، فواها للمعاصم والجنوب، بسيط
لم يبق غير طريد غير منفلت وموثق في حبال القد مسلوب
استخرجت السفينة من لججها، وجالت الناقة بهودجها، وغودرت العقرب بخفق فؤادها، وذعرت النعائم فخاب أصدارها وإيرادها، ولما مسحت تلك الآفاق، فاثخنت فيها وشددت الوثاق، وعطفت الشمال، واتبعت أسباب الشمال، فلا مطلع إلا القى إليك باليمين، واستدارت حوله الفكة فسميت قصعة المساكين، وانتهيت إلى قطب فكان عليه المدار، وتبواتة ففيه من جلالتك افتخار، ثم أزحت صعادك، وأرحت ممسك الأعنة جيادك ونعمت بدار منك محلال، ثم ما نمت عن ذي إكبار لك وإجلال، تتيمة بسحر الكلام، وتجشمه لأن يستقل استقلالك بالإعلام، وإذ لا يتعاطى مضمارك، ولا يشق غبارك، فدونك ما قبلي من بضاعة مزجاة، وإليك مني معطي طاعة وطالب نجوة، إن شاء الله ﷿، وكتب إلى الوزير الكاتب أبي بكر بن عبد العزيز مجاوبًا عن كتاب خاطبه به مسليًا عن نكبته، متقارب
ولو لو أقل شباة الخطوب بحد كحد ظبى الصارم
ولم ألق من جندها ما لقيت، بصبر لأبطالها هازم
ولم اعتبر حادثات الزمان بخبر خبير بها عالم
لكان خطابك لي ذكرة تنبه من سن النائم
ورداء يرد صعاب الأمور على عقب الصاغر الراغم
فكيف وقد قرعت النائبات اصغارا، ولقيت هبوبها إعصارًا، ولم استعن في شيء
[ ١٣٠ ]
منها بمخلوق، ولا فوضت في جميعها إلا لأعدل فاتح وأحفظ موثوق، أسأله أن يجعلها كفارة للسيئات، وطهارة من دون الخطيئات، بمنه وكرمه، وأن خطاب السيد وصل، غب ما تجافى ومطل، فكان لحبيب المقبل، حقه أن يستمال ويستننزل، ولا عيب عليه فيما فعل، وقد علمت أنه أبطًا برهة متصلة، فما أخطا حفاظًا بظهر الغيب وصلة، وإنما نهنه عن مقتضى نظره، لينبه بفحوى تأخره، على أن العوائد أحمد من الباديات، والفوائد في النتائج لا في المقدمات، كما ختم الطعام بالحلواء، بل كما نسخ الكلام بالضياء، وبعث محمد آخر الأنبياء، وأن اختفاءه لمقدور حق قدره، ووفاءه لجدير بالمبالغة في شكره، ولقد بلغت مكارمته مداها، وسلت مساهمته عما اقتضاها، وقد آن أن ندع في ذكرى نهب صيح في حجراته، واستبيح من جهاته، وخطب وقد صرف الله عدآءه، وكشف بفضله غماءه، ولكن حديثًا ما حديث سحر جلوته مقالا، وسموت به إلى المهج حالا فحالا، يخترق الحجب إلى صميمها، ويرفق الآداب في تقاسيمها، ويخيل بالمعجزات عيانها، ويستميل إلى غرائب المبدعات أذهانها، ابابل في ضمير أقلامك، وما أنزل على الملكين في وزن كلامك، أم هو البيان لا غطاء دونه، وما أحقه أن يكونه، فما تسحر إلا بحلال، ولا تذر ثنية للعقول إلا أطلعتها بأهدى مقال: وإن قسيمك المجل لقدرك، وحميمك المتناهي في برك، تصفح ثناءك مجدًا وطولًا، واستوضح أخاك عقدًا وقولًا وأعطاك صفقة يمينه على المودة والإكبار، وولاك صفوة يقينه صادقة الإعلان والأسرار، فلن تزال بتوفيق الله ومجده، حيث تنشده وتعهده، على إبر ما تعتقده، إن شاء الله، ولما نفذ في أمره ما نفذ، وانفصل عن أمير المسلمين وانتبذ، خيرة في بلاد المغرب فاختار سلا، واعتقد أنه يانس فيها ويسلا، بمجاورة بني القاسم الذين غدوا بدور سمائها، وصدور سمائها، فلما حلها انقبض عليه أبو لعباس انقباضا تعي عليه أقبح نعي، ونسب فيه إلى قلة الوفاء والرعي، وكان بينهما أيام وزارته مودة محمودة التواخي، مشدودة الأواخي، واشتملت إذ ذاك على أبي العباس مساع أدجت مطلعه، وحنت على الوجد أضلعه، فجذب فيها أبو محمد بضبعه، والقاه بين بصر العضد وسمعه، فلما وردت مشيت إليه ونقمت عليه صدوده، وإيحاشة لمن كان ودوده، وعرفته بحرماته، وأوقفته على مواته، فاعتذر، بما يخاف من أمير المسلمين ويحذر، وكتب إليه، بسيط
[ ١٣١ ]
وا حسرتا لصديق ما له عوض وإن قلت من هو لا يلقاك معترض
القاه بالنفس لا بالجسم منة حذر لعلة ما رأيت الحر ينقبض
فكتب إليه أبو محمد مراجعًا بسيط
شد الجياد إذا أجريت منقبض ما للوجيه على الميدان معترض
أني تضاهيه فرسان الكلام من غبارة في هواديهن ما نفضوا
جرت على مستو من طبعه كلم هي المشارب لكن ما لها فرض
كان منشدها نشوان من طرب أو بلبل من سقيط الطل ينتفض
تحية من بني العباس زار بها طيف من العذر في أثنائها يمض
لا بالجلي فتستوفى حقيقته ويستبان بعين ما بها غمض
لكن أغض عليه جفن ذي مقة كما يسد مسد الجوهر العرض
يا من يعز علينا أن نعاتبه الأعتاب محب ليس يمتعض
ناشدتك الله والإنصاف مكرمة أما الوفاء بحسن الود مفترض
هب المزار لمعنى الريب مرتفع ما للوداد بظهر الغيب منخفض
أما لكل نبيه في العلى حيل تقضى الحقوق بها والمرء منقبض
كن كيف شئت فمن دابي محافظة على الذمام وعهد ليس ينتقض
وهمة لم تضق ذرعًا بحادثة إن الكريم على العلات بنتهض
والحر حر وصنع الله منتظر والذكر يبقى وعمر المرء ينقرض