من بلغت همته السماء، وجلت أسرته الظلماء، له الرتب المكينة، وعليه الوقار والسكينة، أخدم يراعه العوالي، واستخدم الأحرار والموالي، وأقام بدولة آل ذي النون وأقعد، وتبوأ سماكها واقتعد، فسما به قدرها، وهمى بسيبه قطرها، وحسنت سيرها، وأمنت غيرها، وحمدت أيامها، ووردت حمام الأماني خيامها، وله أدب غض المقاطف، رطب المعاطف، إن نثر فالنجوم في أفلاكها، أو نظم فالجواهر في أسلاكها، قد أخذ بمجامع القلوب كلمه، وأغذ في طرق الإبداع قلمه، وقد أثبت له ما تستهديه زهرا، وترتديه بردًا محبرا، فمن ذلك قوله يخاطب أبا عيسى ابن لبون، وافر
أبا عيسى أتذكر حين كنا على هام الكوكب نازلينا
ندوس بخيلنا زهر الثريا ونوردها المجرة إن ظمئنا
وننزل جبهة الأسد اعتسافًا إذا ما البدر سر بها كمينا
ونطرق هودج العذراء وهنا فندخله عليها آمنينا
إذا غنت لنا الجوزا مددنا لحل نطاقها منا يمينا
وإن عرضت لنا كف الثريا سلبناها الخلاخل والبدينا
إذا ما غار من ددنا سهيل على الشعرى فخلت به جنونا
تجاوزنا العبور إلى العميصا ولم نرهب شجاعهم المبينا
وله مراجعا إلى الحاجب ذي الرياستين أبي مروان بن رزين ﵀، بسيط
[ ١٣٦ ]
يا ابن الملوك أتتني عنك معجزة تنأى وإن قربت في أعين رأيها
يشق سامعها في جيبه طربًا ويسمع الصخرة الصماء راويها
لو أن هاروتهم لاحت لناظره لقال ما السحر إلا بعض ما فيها
سماءه هي لا بل روضة رشفت ماء الغمامة فاخضرت حواشيها
ومن بديعه الحسن، ومطبوعه المستحسن، هذه القطعة يخاطب بها القادر بالله يحيى ابن ذي النون ﵀، كامل
خطبت بسبقي في الزمان يراعة سجدت إلى كفي وصلى المنصل
أولست من وطئ السما تأودا وسما فقد سفل السماك الأعزل
أغشي العوالي والمعالي باسها وأقول في الخطب البهيم فافصل
ومتى أعد ليلًا نهارا صحيفة وضحت كواكبه عليه تهلل
وإذا جلت جياد فكري في مدى سبقت فكبر حاسدون وهللوا
رمدت عيون الحاسدين أما ترى قمر العلى والمجد ليلة يكمل
ما الذنب عندهم ودونك فاخبرن ألا هوى بالمكرمات موكل
همم إلى صرف العلى مصروفة وحجى أقام وقد تزحزح يذبل
وبلاغة بلغت بآفاق الدنا وغدت تحية من يقيم ويرحل
ولئن يضع فضلي ويذهب نقصهم صعدا فارجح كفة من يسفل
فلا غشين الحادثات بصارم خدم غرارة حريق مشعل
وبصيرة تذر العقول لوائحا فكأنها في كشفهن سجنجل
ومشرب كالنار أن يذهب به كحضروان يسكن فماء سلسل
نهد إذا استنهضه لملمة أعطاك عفوًا عدوة من تسأل
قيد الأوابد والنواظر إن بدا قلت الجواد أم الحبيب المقبل
ومفاضة زغف كان قميصها ماء الغدير جرت عليه الشمال
ترد العوالي منها شرعة حتفها وتغب فيه مناصل متفلل
وعزائم بيض الوجوه كأنها سرج توقد أو زمان مقبل
شيم عمرن ربوع مجد بن القاسم فأضاء معتكر وأخصب ممحل
وكتب إلى الوزير أبي محمد بن القاسم، كتبت وما عندي من الود أصفى من الراح، وأضوأ من سقط الزند عند الاقتداح، وليس فيما أدعيه من ذلك لبس،
[ ١٣٧ ]
كيف وهو ما تجزي به نفسا نفس، فإن شككت فيه فسل ما تنطوي لي جوائحك عليه، أو اتهمته فارجع إلى ما أرجع عند اشتباه الأمر إليه، تجده عذبا قراحًا، سائل الغرة تياجًا، ولك لا يكون ذلك وبيننا ذمة تجل أن تحصى بالحساب، بيض الوجوه كريمة الأحساب، لو كانت نسيمًا لكانت بليلًا، أو كانت زمانًا لم تكن إلا سحرًا أو أصيلا، فراجعه أبو محمد برقعة فيها، كتبت عن ود لا أقول كصفو الراح فإن فيها جناحًا، ولا كسقط الزند فربما كان شحاحًا، ولكن أقول أصفى من ماء الغمام، وأضوأ من قمر متوافي التمام، فراجعه عنها،، كتبت دام عزك عن ود كماء الورد نفحة، وعهد كصفائه صفحة، ولا أقول أصفى من صوب الغمام، فقد يكون معه الشرق، ولا أضوأ من قمر التمام، فقد يدركه النقص ويمحق، وليس ما وقع فيه الاعتراض مختصًا بصفو الراح، ولا بسقط الزند عند الاقتداح، فإن أمور العالم هذه سبيلها، وجياد الكلام كيف شاء مجيلها، وإنما نقول ما قيل، ونتبع ما أجاد التحصيل، وحسن التأويل، فنستعير ما استعاروا، ونسير من التلميح في القول إلى ما ساروا، وبين أنا لم نرد من الراح الجناح، ولا من الزند الشحاح، ولا من ماء الورد ما فيه من مادة الزكام، ولا زيادة في بعض الأسقام، وله متغزلًا، وهو مما تبوأ فيه الإحسان منزلا، بسيط
يا ضرة الشمس قلبي منك في وهج لو كان بالنار لم تسكن ذرى حجر
أبيت أسهر لا أغفى فإن سبحت أغفاءة فكمثل اللمح بالبصر
إذا رأيت الدحى تعلو غواربها والنجم في قيدة حيران لم يسر
أقول ما بال بازي الصبح ليس له وقع وما الغراب الليل لم يطر
فإن سمحت بوصل أو بخلت به شكوت ليلي من طول ومن قصر
لا أفقد النجم أرعاه وأرقبه في الوصل منك وفي الهجران من قمر
وله فصل من رقعة، عمادي الأعلى أعزه الله شهاب إذا ظلم أفق، ووفاء إذا ضاع عند كريم حق، لا جرم أنه لسرو منار، ولمسيل الصفو قرار، به أنار ما أظلم، واستكمل من نقص من بهاء أدب واستتم، هذا ولم يبلغ أشدة، ولا استوفى في اكتهال حده، فكيف إذا أثمر زهره، وأبدر قمره، وتجاوز في الانتهاء رتبة، وحاز إلى طبع الكريم دربة، قسما ليحرزن المعالي، وإن أبى ذلك آب، ونبا فيه عن فهم الحقيقة ناب، ومجله أنا إن لم أراجعه
[ ١٣٨ ]
عما نبه به أسعدي، وأثقب بتواخي الفضل منه أزندي، فلان القلم جمح في ميدان ما شرع، والكلم تعلق بأفنان من اخترع، فكان كالزهرة قطفت من رياضه، والنبغة ارتشفت من حياضه، ومحال أن أدعي معه صناعته، وأهدي إليه بضاعته، وله متغزلا، كامل
نفسي فداك وعدتني بزيارة فظللت أرقبها إلى الأمساء
حتى رأيت قسيم وجهك طالعًا لم تنتقصه غضاضة استحياء
فعلمت أنك قد حجبت وأنه لو راء وجهك ما سرى بسماء
وله إلى أبي أمية إبراهيم بن عصام يعرض بأحد الملوك ﵏، منسرح
أمرر بقاضي القضاة أن له حقًا على كل مسلم يجب
وقل له أن ما سمعت به عن سر من راء كله كذب
قد غرني مثلما غررت به فجئته يستحثني الطرب
حتى إذا ما انتهيت صرت إلى سراب قفر من دونه حجب
وسلة للسماح ناسخة لها نبي الألهة الذهب
وله إلى أبي أمية وقد كتب إليه عين زمانه فرقعت نقطة على العين فتوهمها واعتقدها، وعددها وانتقدها كامل
لا تلزمني ما جنته يراعة طمست بريقتها عيون ثناءي
حقدت علي لزامها فتحولت أفعى تمج سمامها بسخاء
غدر الزمان وأهله عرف ولم أسمع بغدر يراعة وأناء