[ ١٤٤ ]
منتمى الأعيان، ومنتهى البيان، المطاول لسحبان، والمعارض لصعصعة بن صوحان، الذي اطلع الكلام زاهرا، ونزع فيه منزعًا باهرا، نخبة العلاء، وبقية أهل الإملاء، الشامخ الرتبة، العالي الهضبة، فاق الأفراد والأفذاذ، ومشى في طرق الإبداع الوخد والأغذاذ، وراقت رقة ما يحويه العراق وبغذاذ، له الأدب الرائق البهيج، والمذهب العاطر الأريج، فاز بمقاد، الانتقاد، وأمسك عن عنان، الافتنان، وقد أثبت له من البدائع الروائع، ما هو أصفى من الوقائع، وأبهى من الشمس في المطالع، حللت يابرة فأنزلني وإليها بقصرها، ومكنني من جنى الأماني وهصرها، فأقمت ليلي، أجرّ على المجرّة ذيلي، وتتطارد في ميدان السرور خيلي، فلمّا كان من الغد باكرني الوزير أبو محمد مسلمّا، ومن تنكّبي عنه متألما، ثم عطف على القائد عاتبًا عليه، في كوني لديه، ثم انصرف وقد أخذني من يديه، فحللت عنده في رحب، وهمت عليّ من البرّ أمطار سحب، في مجلس كانّ الدراري فيه مصفوفة، أو كانّ الشمس إليه مزفوفة، فلما، حان انصرافي، وكثر تطلّعي إلى قيامي واستشرافي، ركب معي إلى حديقة نضرة، مجاورة للحضرة، فانحنا عليها أيدي عيسنا، ونلنا منها ما شئنا من تأنيسنا، فلما امتطيت عزمي، وسددت، إلى غرض الرحلة سهمي، أنشدني: طويل
سلام يناجي منه زهر الربى عرفُ فلا سمع إلا ودّ لو أنه أنفُ
حنيني إلى تلك السجايا فإنّها لآثار أعيان المساعي التي أقفُ
دليلي إذا ما ضلّ في المجد كوكبي وإن لم يعقه لا غروب ولا كسفُ
نأى لا نأي عهد التواصل بيننا فمجد به رسم التواصل لا يعفُ
واطلعه يستام العقول كأنما يلاحظنا من كلّ حرف له طرفُ
تقابلنا منه السطور بواسما أثغر تفري عن لمى الخبرام حرفُ
معانٍ وألفاظ كما رقّ زاهر من الروض أو دارت معتّقة صرفُ
تحلّ حبا الأحلام هزًّا كأنما لسامعها في كل جارحةٍ عطفُ
يودّ بجدع الأنف شانيك أنها لناظره كحل وفي أذنه شنفُ
فأنت الذي لولاه ما فاه لي فم ولا هجست نفسٌ ولا كتبت كفُّ
نصيري أبا نصر على الدهر لا النوى فمنك لنا نصر وأنت لنا كهفُ
[ ١٤٥ ]
رحلت ولا شسعي ولا مركبي معي فلا حافر يقضي ودادي ولا خفُّ
ولست على التشييع إن سرت قادرا فلا عيشة تصفو ولا ريشة تضفو
عزيزٌ على الدنيا وداعك لي غدا فلا أدمع تهمي ولا أضلع تهفو
سأشكو إليك البين حسبي ويا له ولو غيره ما ضاق عدلٌ ولا صرفُ
أقلني بلى أشكو إليك لياليا مضت وعلى أظفارها من دمي وكفُ
وإنّ حبيا بنت عنه لعاطل وإنّ عرينا غاب عنك لملتفُّ
وله: متقارب
سقاها الحيا من مغانٍ فساح فكم لي بها من معانٍ فصاحِ
وحلّى أكاليل تلك الربى ووشّى معاطف تلك البطاحِ
فما أنس لا أنس عهدي بها وجرّي فيها ذيول المراحِ
ونومي على حبرات الرياض تجاذب بردي مرّ الرياحِ
بحيث لم أعط النهى طاعةً ولم أصغ سمعًا إلى لحي لاحِ
وليل كرجعة طرف المريب لم أدر له شفقًا من صباحِ
وله: وافر
أخلاني وفي قرب الصدور ظبٌي تمضي على قمم الدهورِ
وقد ضمّت جوانحنا قلوبًا أبت غير القبور أو القصورِ
إذا الكرماء باتت تحت ضيم فما فضل الكبير على الصغيرِ
فقبل أبي الدنيّة قيس عبس ولم يصغي إلى قول العشيرِ
وله: متقارب
وما أنس ليلتنا والعنام قد مزج الكلّ منّا بكلِ
إلى أن تقوّس ظهر الظلام وأشمط عارضه واكتهل
ومس رقيق رداء النسيم على عاتق البل بعض البلل
وله: كامل
هل تذكر العهد الذي لم أنسه ومودتي مخدومةٌ بصفاءِ
ومبيتنا في نهر حمص والحجا قد حلّ عقد حباه بالصهباءِ
ودموع طلّ الليل تخلق أعينا ترنو إلينا من عيون الماءِ
وله: طويل
وما أنس بين النهر والقصر وقفة نشدت بها ما ضلّ من شارد الحبِّ
رميت بعيني رمية جمحت بها فلم أنتهي إلا ومجروحها قلبي
وله: وافر
أقول لصاحبي قم لا بأمر تنبه إنّ شأنك غير شأنِ
لعلّ الصبح قد وافى وقامت على اليل النوائح بالآذانِ
وله: طويل
مررت على الأيام من كل جانب أصعّد فيها تارةً وأصوّبُ
[ ١٤٦ ]
ينيرني الثغران صبح وصارم ويكتمني القلبان ليل وغيهبُ
وقد لفظتني الأرض إلا تنوفة يحدثني فيها العيان فيكذبُ
وله القسم الأول للمتوكل بن الأفطس: كامل مجزوء
الشعر خطّة خسف لكلّ طالبٍ عرفِ
للشيخ عيبة عيب وللفتى طرف ظرفِ
وكتب إليّ مراجعًا قد رماني على فوت من بياني بيانك وقد تولّى إحساني وأرجحنّ إحسانك بعينين من النظم والنثر نجلاوتين لو رقرقهما لنوء الثريا لتهلل برقها واستهلّ ودقها وفصلين من در وياقوت بل أصلين من سحر هاروت وماروت إذا لمحت النثر قلت لو نظم هذا لفسد وإذا تصفحت النظم قلت لو نثر هذا لتبدد ولئن أشرعت إليّ من البيان رمحا فيه نصلان ما من طرفيه إلا عاليه ركب فيه سنان قاض ولا من شفرتيه إلا فارية لا يثبت لها جنان ماض وقابلتني من كتائب الكتابة ومقانب الخطابة بطفيلها وبابنه عامر قائد خيلها وبابي براء ملاعب أسنتها وبابن الصماء صاحب أعنتها ودريدها يمن نقيبه وزفرها كثرة قعدة منها وكتيبه فإلى أي لامة تسدد رماحك وعلى أي هامة تجرد صفاحك هل تجد إلا من يمر بين يديك في شخص ضئيل وينظر إليك من طرف كليل وهل تجس إلا ضلوعًا من ساكنيها قفارا أو دموعًا من التاسف على التخلف حرارا ولا تستعد إلا بالتسليم لسبقك والتعظيم لحقك أنصارًا بادني لمحة من نثير منك أو نظيم فيرد من الأوهام والأفهام كل لفحة ولو كانت من نار إبرهيم وتركد من البصائر والخواطر كلّ نفحة ولو كانت من الريح العقيم دع ذا وعد القول في هرم هذا الزمان معليّ همم الأعيان جمال الدين والدنيا الرئيسي الأسنى أبي يحيى وأقسم بمساعيه العظام وأياديه الجسام المحليّة لأعناق الكرام المزرية بأطواق الحمام لقد نشرت عليه ثوب إحسان تقصر عنه صنعة قس وسحبان وأنه لا بصر بكرامة الضيفان من زرقاء اليمامة بعسكر حسان وأما ذلك المصحف المبدل للمعاني والأغراض المقابل لما لا يفهمه بالاعتراض فما الحساب لما طنّ الذباب إذا طنّ لا يناوبه بصفيره العصفور فكيف يجاوبه بزئيره الليث الهصور ولولا تمريث الزمان بذكره وتلويث الأواني بقبائحه ونكره لرأيتك من خطله وزلله ما يضحك الثكلى ويستدرك به الجاحظ
[ ١٤٧ ]
باب النوكى دع عنك رواحل الضليل والأشغال بالأباطيل من الأقاويل الحق الله ثانيه ابن أبي سلمى بخيار أهل ملّته فلقد انتفع السلف والخلف بحكمته ونادى عليه لسان الزمان فاسمع من كانت له أذنان وكأنه ما عني غير ذلك الإنسان وإن كان في غير هذا الأوان. طويل
وذي خطلٍ في القول يحسب أنه مصيب فما يلمم به فهو قائله
عبات له حلمًا وأكرمت غيره وأعرضت عنه وهو باد مقاتله
وفي القطر الذي أنت فيه أدام الله بسطة ناصره وحاميه ووصل عزة حاضره وناءيه شرف قديم وسلف كريم وآداب وعلوم وألباب وحلوم وأودية يجتابها الفضل والطول عذاب وأندية ينتابها القول والفعل رحاب وعليك سلام الله ما لاح شهاب ووكف سحاب.