نبعة دوح العلاء، ومحرز ملابس الثناء، فذ الجلالة، وواحد العصر والإصالة، وقار كما رسى الهضب، وأدب كما أطرد السلسل العذب، وشيم تتضاءل لها قطع الرياض، ويبادر به الظن إلى شريف الأغراض، سابق الأمجاد فاستولى على الأمد بعلائه، ولم ينض ثوب شبابه، أدمن التعب في السودد جاهدا، حتى تناول الكواكب قاعدا، وما أثكل على أوائله، ولا سكن إلى راحات بكره وأصائله، أثاره في كل معرفة علم في رأسه نار، وطوالعه في أفاقها صبح أو نهار، وقد اثبت من نظمه المستبده ونثره المستبرع، ما ينفح عبيرا، ويتضح منبرا، ويسيح نميرا،
[ ٢٠٧ ]
فمن ذلك قوله من قصيدة. بسيط
وليلة جبت فيها الجزع مرتديا بالسيف أسحب أذيالا من الظلمِ
والنجم حيران في بحر الدجا غرق والبرق فوق رداء الليل كالعلمِ
كأنّما الليل زنجّي بكاهله جرح فيثعب أحيانًا له بدمِ
وله يتخلق بأخلاق الشيب، ويندب الشباب وهو منه في ريعان قشيب، ويتوجع لحمامته عوض بها من غرابه، وصفت مسراته من شوائبه، وهو يركض للهو بطرف جامح وينظر للمنى بطرف طامح. بسيط
سقيا لعهد شباب ظلت امرح في ريعانه وليالي العيش أسحارُ
أيّام روض الصبا لم تذو أغصنه ورونق العمر عضّ والهوى جارُ
والنفس تركض في تضمير شرَّتها طرفا له في رهان اللهو أحضارُ
عهدا كريما لبسنا منه أردية كانت عيونا ومحّت فهي أثارُ
مضى وأبقى بقلبي منه نار أسى كوني سلاما وبردا فيه يا نارُ
أبعد أن نبهّت نفسي وأصبح في ليل الشباب لصبح الشيب أسفارُ
وقارعتني الليالي فانثنت كسرا عن ضيغم ما له ناب وأظفارُ
لا سلاح خلال أخلصت فلها في منهل المجد أيراد وأصدارُ
أصبوا إلى خفض عيش دوحه خضل أو ينثني بي عن العلياء أقصارُ
إذا فعطّلت كفّي من شبا قلم أثاره في رياض العلم أزهارُ
همّي من العيش ودّ طاب مورده ولم يشب صفوه للنقص إكدارُ
ومن سناكم أبا إسحق طالعني منه هلال له في النفس إبدارُ
الظّ بالقلب يسري منه في أفق هالاته فيه إجلال وإكبارُ
نور ألمّ من بعدكم حلك كالراح حفّ بها في دنهّا القارُ
لئن تمطىّ بجور ليل فرقتنا لقد أنارت به للكتب أقمارُ
وأن عدنا بعاد عن تزاورنا فأنّني ببنات الفكر زوارُ
وله إلى الأمير عبد الله بن مزدلي وقد خرج في إحدى غزواته فوثق بظفره، وكريم صدره، واقر القطعة عند كاتبه الوزير أبي جعفر بن مسعدة ليرفعها إليه منصرفة فوفى بما كلفه وتقدم إلى رفعها عقب الغزاة وابتدر، وجاء بها على قدر، والقطعة المذكورة هي: كامل
[ ٢٠٨ ]
ضاءت بنور ايابك الأيّامُ=واعتزّ تحت لوائك الإسلامُ
أمّا الجميع ففي أعمّ مسرّة لمّا أنجلى بظهورك الأظلامُ
بادرت أجرك في الصيام مجاهدا ما ضاع عندك للثغور ذمامُ
وصمدت معتزما وسعدك منهض نحو العدى ودليلك الأقدام
كم صدمة لك فيهم مشهورة غصّ العراق بذكرها والشامُ
في مارق فيه الأسنة والظبى برق ونقع العاديات غمامُ
والضرب قد صبغ النصول كأنّما يجري على ماء الحديد ضرامُ
والطعن يبعث النجيم كأنّما ينشق عن زهر الشقيق كمامُ
فاهنا مزّية ظافر متايّد جفّت برفعة شانه الأقلام
وإليك ودّي واختصاصي سابق يجلوه من دّر الكلام نظامُ
أنّي وأن خلّفت عنك فلم تزل منّي إليك تحّية وسلامُ
وحل بسلا الفقيه أبو العباس فخر بني القاسم، وزين الأعياد والمواسم، الذي تهمي من يديه للندى سحب تكف، وتطوف بكعبته الآمال وتعتكف، غائب عنها فلم ينخ فيها عيسه، ولم ير تخييمه بها وتعريسه، ورحل من ساعته، وقال شعرا أخذ الناس في أشاعته وأذاعته، وهو: بسيط
يا صاحبّي أنزلا قصر الحمى فسلا أنّي سلا المجد عن أن تحتويه سلا
كأنّما الربع لما غاب أحمده منازل ضلّ عنها البدر منتقلا
جاد الزمان بلقيا منك سرّبها طورًا وساء بذاك العهد إذ بخلا
فاسمع مناجاة نفس من أخي ثقة مضى تحمّله منك النوى غللا
وعد إليها أبا العبّاس تحك بها مراتب الشمس لما حلّت الجملا
لازلت في عقدها وسطى ولا عدمت منكم حساما يباهي خوله خللا
ومررنا في إحدى نزهنا بمكان مقفر، وعن المحاسن مسفر، وفيه برك نرجس كأنه عيون مراض، يسيل وسطه ماء رضراض، بحيث لا حس إلا للهام، ولا أنس إلا ما يتعرض للأوهام فقال: رمل
نرجس باكرت منه روضة لذّ قطع الدهر فيها وعذبُ
حثّت الريح بها خمر حيا رقص النبت لها ثم شرب
فغدا يسفر عن وجنته نوره الغص ويهتز طرب
[ ٢٠٩ ]
خلت لمع الشمس في مشرقه لهيا يحمله منه لهب
وبياض الظلّ في صفرته نقط الفضّة في خطّ الذهب
وكتب أعزه الله، يا سيدي الأعظم، وعمادي الأكرم ومعقلي الأعصم، ومن أطال الله بقاءه وائل علياءه وسناءه، ولا زال عميم المجد، كريم العهد، مراعيا حرمة ذي الخلوص والود، طارحا قذى المبطلين عن مشارب الصفا، مطيرا لحاء الغدر عن عود الوفاء، بعزة الله كتبته أدام الله عزك بعد أن وافاني كتابك الأكرم صحبة الفقيه الجليل أبي فلان اعزه الله فأول ما أقول في شكره الذي أفعم الأفق طيبا، واسمع الصم خطيبا، ورد فما زال يعيد ذكرك الأعطر، ويبدي وينثر أثناء الأحاديث حمدك الألزم وينشر، قضاء لحق المجد الذي لك سبقه وخلصه، وثناء بالذي أنت أهله، وذكر من تلك المكارم التي تحثو في وجه السحاب المجلب، والمنزل الذي كأنما كان على آل المهلب، ما أهب الألسنة بالدعاء، وغمر النفوس باريجة السراء، ثم تلاه لي دام عزك بم شاهده من مذهبك الأجمل، وصفائك الأول، واعتقادك في جهتي أن الوشاة أثنوا بالذي عابوا، وخابت سهامهم فما أصابوا، وهذه الأمور وصل الله توفيقك كما خبرت، وعلى ما جربت قديما وحديثا وسبرت، الغواة لا يتركون أديما صحيحا ولا يدرون في المعالي رأيا رجيحا، بل يتسنمون إلى ذوائب الشرف بالأذى، ويطرقون المشارب الزرق الجمام بالقذى، فإن ألفوا مهزا، وصادفوا لشفرة محزا، سدوا وصرخوا، بالفظاظة وهيمنوا، وأي حيلة أدام الله كرامتك في من يخلق ما يقول، وأني بالخلاص والسلامة شيء ما إليه سبيل، وما زلت مذ صبحت الأمجاد، وثافنت الحساد، أجعل هذه الأمور دبر الأذن، وأقنع لها بايلاء التجارب والفتن، علما بأن سري سيينه أطراد الإعلان، وأن قولي الغوي ستفضحه شواهد الامتحان، وبأواخر الأمور يقضى للأوائل، والله عز وجهه عند لسان كل قائل، ولو تتبعت كل وشاية بالتكذيب، وجبت كل نعيب وضغيب، لما اتسع لغير ذلك العمر، ولا استراح من وساوسه الفكر، وأنت وصل الله عزمك الملم بحفظ العهد، وجبر الأجر والقصد وعياذا أن يخفي للصوب بين عهدك الوفي، وظنك الألمعي، وتثبتك الشرعي، والله تعالى يعمر بالسدود ريعك، ويوسع لحمل المعالي وأعبائها ذرعك، ويجعل من كفايته ووقايته جنتك من الزمن ودرعك والسلام عليك ورحمة الله، وكتب إلى الأمير عبد الله
[ ٢١٠ ]
بن مزدلي معزيا بمصابه في أخيه الأمير محمد المستشهد على نبره، أدام الله تأييد الأمير الأجل محروسة بحسام القدر جوانبه، مكتنفة بجنن السعد مذاهبه، جارية مسرى الأنجم مراتبه، وأطال بقاءه جابر صدوع الرياسة عند انفصامها، وخلف سلف النفاسة ووسطى نظامها، ولا زال توزن به الأوائل فيرجح، ويعارض بعزته بهيم النوائب فيصبح، كتبته أعلى الله يدك عن فواد دام، ودمع هام، ولب حاير، وقلب في جناحي طاير، ونفس يجري بذوبها النفس ولا تقيق إلا ريثما تنتكس بهذا الطارق المطرق، والنبا المغص المشرق، والضارب بين مفرق الإسلام وجبينه، والمغيل ف يغيل الملك وعرينه، مصاب الأمير الأجل أبي عبد الله أخيك سقى الله ثراه، وضوا بأنوار الشهادة أفقه وذاراه، وبرد له بنوافح الرحمة مضجعا، وأزجى غليه الغوادي مربعا فمربعا، هلال ملك بادره السرار عنج أبداره ودوح مجد هصرته المنون أوان أثماره، حين مالت به الرياسة كما اهتز الغصن تحت المارح، وافتر نابه عن شباة القارح، فأنا لله أنا إليه راجعون تسليما فيه للقضاء المصم، وتاسفا منه على فرد يفدى بالخميس العرمرم، لله دره حين التقت عليه الفوارس، وحمى الوطيس واشتد التداعس، وعظم المطلوب فقل المساعد، وهب من سيفه مولى نصله لا يجارد، قراى المنية، ولا الدنية، وجرع الحمام، ولا النجاء براس طمرة ولجام، وشمر عن أكرم ساعد وبنان، وقضى حق المهند والسنان، ولبس قلبه فوق درعه، ولم يضق بالجلاد رحيب ذرعه. طويل
وأثبت في مستنقع الموت رجله وقال لها من تحت أخصمك الحشرُ
ومضى وقد وقع على الله أجره، ورفع في عليين ذكره، وخلد في ديوان الشهادة فخره، والله ﷿ يحسن فيه عزاء الأمير الجل ويشد بالتأييد عضده، ويريش بالسعادة جناحه ويمكن يده، ويكثر من محدتده الأكرام عدده، ولا غرو أدام الله تأييدك أن عض الزمان في غارب، فالشر لا يحسب ضربة لازب، وأناخ كلكله مرة، فالعيش طورا شماس وطور غره، ومثلك دام أمرك من حلب الدهر أشطرا، وعرف للأيام بطونا واظهرا، وخبر امتزاج النعم بالنوائب، وغني بفهمه عن التجارب، يرغم بجميل الصبر أنف الحادث، ويفل بلامة الجلد حد الكارث، ويعلم أن الزمن وان سرحينا فهمه ناصب، والدنيا إذا أخضر منها جانب جف جانب، قانت أعلى الله يدك أثقف قناة، وأصلد على البري عودا،
[ ٢١١ ]
واثقب مع الوري زنودا، من أن يضعضع الؤريب لهضبة عزمك ركنا، أو يعمر الخطب الساحة حلمك مغنى، أو يقذف الدهر عليك بصرف، أو يبدع إلا بسجية وعزف، فالحيوة وان أرخى طولها فتياه باليد، والمرء وان جمح أمله هامة اليوم أو الغد وإنما ضربت أدام اله تأييدك هذه المثال، وان كدت أن لم يقبل وقال: وسددت هذه العبر، وأن جلبت التمر إلى هجر، حرصا على تسلية نفسك العزيزة عن طائف الهم، وتعزيتها عن حرة الملم، فأقصرها أيدك الله على العزاء وقفها، وأوردها مشرعة التاسي رفها، إلا ذيعتب لجازع الزمن، ولا يرد الفائت الحزن، والله ﷿ يلم بسعدك الشعث ويراب الشعب، ويضفي من رياستك الذوائب ويعلي الكعب، ويذيق الذين يضاهونك هونك، ويجعل الذين يحسدونك دونك، بعزته وصنع الله الأمير الأجل اجمل الصنع، ولما تلغب العدو على ميورقة كبته الله وجبرها، وتحققت الكافة خبرها، خاظب الفقيه أحد زعماء الدولة وادرج طي خطابه هذه المدرجة والشعر الموصول بها وأني أقر الله عينك لا تردد وقد قصر عن تململي السليم، واتجلد وفي نفسي المقعد المقيم، بهذا الصادم الهادم، والنبا القاصم، الذي أطفأ نور الحيوة وأخباه، وأوجب أن ينادي كل مومن وأحر قلباه، أمر ميورقة رأب الله بصرفها صدع الجزيرة، وجبر بجبرها من جناح الإسلام كسيره، وثقف بغوث دائها اضطراب مناده، وأعاد بتلافيها ما غيض من نصرة ومن أجلاده، فيالله لما كان فيها من إعلان توحيدها عاد همسا، ويوم إيمان آض أمسا، جي وبارقة كفر طلعت شمسا، وصباح شرع أظلم بداجي الشرك وأمسى ونجوم أصبح حرمها منتهبا، وفرقتها يد الغلبة أيدي سبا، وبخفرات أدال السياء صباحا، ولأوجه عفر منهم القتل سواعد وجباها، ومزقهم السيف كل ممزق، فله أرحام هناك تشفق، ﵏ ماتوا كرما، ولقاهم نظرة وسرورا وسلاما وختم لنا بعدهم بأحمد الخواتم، وأسندنا من أمره إلى عاصم. طويل
ونحو أمير المسلمين تطامحت نواظر آمال وأيدي رغائبِ
من الناس تستدعى حفيظة عدله لصدمة جور في ميورق ناصبِ
مقيم فان لم يرغم السعد انفه ألم فوافى جانبا بعد جانبِ
لقتل وسبي واصطلام شريعة لقد عظمت في القوم سوء المصائبِ
[ ٢١٢ ]
أليس جديرا أن يشيع ذكرهم بامة قلب في المدامع ذائبِ
لنا الله والملك الذي ترتجى به من الزمن المذناب رجعة تائبِ
هوم الغوث فأعطفه علينا بنظرة من الحزم تحثوا في وجوه النوائبِ
أليس الذي لم ينجب الدهر مثله أغّر صباح الدين صدق المضاربِ
وأعفى ووقع الذنب قدمى كلومه وأكفى إذا كفّت صدور التائبِ
عهدناه يقري الضيف قبل نزوله ويلبس وقت السلم درع المحاربِ
ويغزو فلا شيء يقوم لعزمه ولو أنه يرمي به في الكواكبِ
إذا ظنّ لم يعدم يقين مشاهد وان همّ لم يخطئ رمّية صائبِ
فلا زال جيش النصر يقدم جيشه وتلقاه بالبشرى وجوه العواقتِ
وله يصف فحما. كامل
علوا القرى للقرّ فحما حالكا قدح الزناد به فأورى نارا
فبدا دبيب السقط في جنباته كالبرق في جنح الظلام أنارا
ثمّ انبرى لهبا وثار كأنّه في الحرق ذو حرق يطالب ثارا
وكأنه ليل تفجّر فجره نهرا فكان على المقام نهارا
وله وقد ودع بعض أخوانه بسيط
أستودع الله من ودّعته ويدي على فؤادي خوفا من تصدّعه
بدر من الودّ حازته مغاربه فالنفس قد أشخصت طرفا لمطلعهِ
اتبعه بعد توديعي له نظرا إنسانه غرقَ في بحر أدمعهِ
ما أوجع البين في قلب الكريم غدا يفارق القلب في يوبي مودّعه
يذيبه البين تعذيبا ويمنعه من أن يطير شعاعا أسر أضلعه
يسطو به البين مغلوبا فليس سوى تململ في فراش من توجّعهِ
وله يصف الزمان وأهله: كامل مجزوء
دأء الزمان وأهله داء يعزّ له العلاجُ
أطلعت في ظلمائه ودّا كما سطع السراجُ
لصحابة أعيا ثقا في من قناتهم اعوجاجُ
أخلاقهم ماء صفا مرأى ومظعمهم أجاجُ
كالدرّ ما لم تختبر فإذا اختبرت فهم زجاجُ
[ ٢١٣ ]
وكتب إلى الفقيه القاضي أبي سعيد خلوف بن خلف اعزه الله من حضرة بلنسية وقد نهض في صحبة الأمير الأجل عبد الله بن مزدلي عند منهضه غلى سرقسطة أعادها الله ملبيا لمناديها، ومعبيا لمدافعة العدو المخيم بواديها، وأقام الفقيه أبو محمد خلاف العسكر هناك لغرض اعترضه، وعاق منهضه، أستوهب الله الفقيه الأجل قاضي الجماعة سيدي وعمادي شمول نعمه وأياديه، واتصال روائح عز الطاعة وغواديه، واتصال خواتم العمال بمباديه، والتام عواجز السعد يهواديه، ولا زال منهل سحاب العدل، ممتد أطناب الظل، منحضر جوانب الفضل، لا يقرع باب أمل إلا ولجه، ولا يعن لما تكره النفوس منأامر إلا فرجه، بعزة الله كتبته، أدام الله بالطاعة عزك من حضرة بلنسبة حرسها الله يوم كذا عن منبر ودك الذي تخبو لدي ناره، ولا تافل عندي شموسه وأقماره، ونظير عهدك الذي لا يخلع لبسة الكرم، ولا يزداد إلا طيبا على القدم، وعطر حمدك الذي به أحاور وأحاضر، وبمحاسنه أباهي وأفاخر، والله تعالى يمل بمحامدك أسماعا ويطلق السنا، ويبقيك للفضل غيثا كريما وأثرا حسنا، ويديم ما بيننا في ذاته زكي الفروع ثابت الأصول، حصين السكة مرهف النصول، بمنه بعد أن ورد كتابك الكريم روضة الحزن، غب المزن، وحديقة الزهر، تبسمت لوفد المطر، تتجارى إلى محاسنه العين والنفس، ويترقرق من خلاله الأنس، وانتهيت منه إلى ما يقتضي رضى وتسليما، ويسر كما سمي اللديغ سليما، وأما ما ذهبت إليه دام عزك، من تعرف الأنباء، واجتلاء الانحاء، فإن ابن رذمير وقفه الله قد جعل بناء سرقسطة لكلكله عطنا، واتخذ ذلك الحريم وطنا، وذلك انه ندب لهذه السفرة من أهل ملته ما ندب، واحلب من خيلهم ورجلهم ما أجلب، وهو أن بمنازلته سرقسطة ستفتح عليها أبواب حروب، وأنه قد وطئ غيلا غير مغلوب، فلما رأى أن حمامتها ليست بضربة لازب، وأبصر حبلها على الغارب، نبهت المطامع حرصه، ففعل فعل الضعيفة أصابت فرصه، فلازم ملازمة الغريم، وصرف إليها وجوه الهم والهموم، مع أن غراب الرحيل ينعب كل يوم في عرصانة ويفصح، وطوائف الافرتج دمرهم الله كل ليلة تمسي ولا تصبح، لأن نبتهم ونواهم نزوح، من دون أفواجهم مهامه فيح، وأيضًا فإن الأمير الأجل أبا محمد عبد الله بن مزدلي أيده الله قد أضاق بضبط الطرق وقطع المتصرفين ذرعهم، وعجز بنصب حبائل
[ ٢١٤ ]
الخيل لمن شد أو فر وسعهم، فإنه دام أمره أطل عليهم الفجر على الظلام، وأخذ هناك بضبع الإسلام، وأقام مرة كالحية النضناض، وطورت كالسد القضقاض، يسرب إلى محلتهم من يضرم نار الحرب في أكنافها، ويأتي أرضهم ينقضها من أطرافها، ولولاه ما علا هنالك للإسلام اسم، ولا عاد للمدافعة رسم، ولا لاح للمكافحة وسم، ولا عن لتلك العلل المجهزة على تلك الأقطار جسم، ولكنه ركب صعب الأهوال، وصدق الصيال، وهي أعزك الله أقطار أن لم تقم القوة منها ميلا وجنفا، ويستعمل الجد لها نظرا أنفا، وإلا فعقدها بمدرج نثار، وهي في طريق انتكات وعثار، والله يكفي المسلمين فيها، وينعم عليهم بتلافيها، بعزته والسلام الجزيل، عليك يا عمادي ورحمة الله وبركاته.