زعيم الفئة القرطبية، ونشأة الدولة الجهورية، الذي بهر بنظامه، وظهر كالبدر
[ ٧٠ ]
ليلة تمامه، فجاء من القول بسحر، وقلده أبهى نحر، لم يصرفه إلا بين ريحان وراح، ولم يطلعه إلا في سماء موانسات وأفراح، ولا تعدى به الرؤساء والملوك، ولا تردى منه إلا حظوة الشمس عند الدلوك، فشرف بضائعه، وأرهف بدائعه وروائعه، وكلفت به تلك الدولة حتى صار ملهج لسانها، وحل من عينها مكان إنسانها، وكان له مع أبي الوليد بن جهور تألف أحراما بكعبته وطاف، وسقياه من تصافيهما نطافا، وكان يعتد ذلك حساما مسلولا، ويظن انه يرد به صعب الخطوب ذلولا، إلى أن وقع له طلب أصاره إلى الاعتقال: وقصره عن الوخد والأرقال: فاستشفع بأبي الوليد وتوسل، واستدفع به تلك الأسنة المشرعة والاسل، فما ثنى إليه عنان عطفه، ولا كف عنه استنان صرفهن فتحيل لنفسه، حتى تسلل من حبسه، ففر فرار الخائف، وسرى إلى إشبيلية سرى الخيال الطائف، فوافاها غلسا قبل الإسراج والإلجام، ونجا براس طمرة ولجام، فهشت له الدولة، وتاهت به الجملة، فأحمد إليها فراره، وأرهفت النكبة غراره، وحصل عند المعتضد بالله كالسويداء من الفؤاد، واستخلصه المعتصم لابن أبي داود، والتقى بيده مقاد ملكه وزمامه، واستكفى به نقصه وإبرامه، فأشرقت شمسه وأنارت، وأنجدت محاسنه وغارت، ومازال يلتحف بخطوته، ويقف بربوته، حتى أدركه حمامه، ولقي السرار تمامه، فأجن منه التراب شمسا طالعة، وزهرة يانعة، وقد أثبت من مقاله، في سراحه واعتقاله، ومقامه وانتقاله، ما هو أرق من النسيم، وأشرق من المحيا الوسيم، فمن ذلك ما قاله متغزلا. سريع
يا قمرا مظلعه المغرب قد ضاق بي في حبك المذهبُ
ألزمتني الذنب الذي جئته صدقت فأصفح أيها المذنبُ
وأن من أغرب ما مر بي أن عذابي فيك مستعذبُ
ورحل من كان يهواه، وفاجاه بينه ونواه، فسايره قليلا وماشاه، وهو يتوهم ألم الفرقة حتى غشاه، فاستعجل الوداع، وفي كبده ما فيها من الانصداع، فأقام يومه بحالة المفجوع، وبات ليلته نافر الهجوع، يردد الفكر، ويجدد الذكر، فقال: رمل
ودع الصبر محب ودعك ذائع من سره ما استودعك
يقرع السن على أن لم يكن زاد في تلك الخطى إذ شيعك
يا أخا البدر سناء وسنا حفظ الله زمانا أطلعك
[ ٧١ ]
أن يطل بعدك ليلي فلكم بت أشكو قصر الليل معك
وأخبرني الوزير الفقيه أبو الحسين ابن سراج ﵀ أنه في وقت فراره أضحى، غداة الأضحى، وقد ثار له الوجد بمن كان يألفه والغرام، وتراءت لعينه تلك الظباء الأوانس والأرام، وقد كان الفطر وافاه، والشقاء قد استولى على رسم عافيته حتى عفاه، فلما عاده منه ما عاد، وأعياه ذلك النكد المعاد، استراح إلى ذكر عهده الحسن، وأراح جفونه المسهدة بتوهم ذلك الوسن، وذكر معاهد كان يخرج إليها في العيد، ويتفرج بها مع أولئك الغيد، فقال: طويل
خليليّ لا فطر يسر ولا أضحى فما حال من أمسى مشوقا كما أضحى
لئن شاقني شرق العقاب فلم أزل أخص بمخصوص الهوى ذلك السفحا
وما أنفك جوفي الرصافة مشعري دواعي بث تعقب الأسف البرحا
ويهتاج قصر الفارسي صبابة بقلبي لا يألو زناد الهوى قدحا
وليس ذميما عهد مجلس ناصح فاقبل في فرط الولوع به نصحا
كأنني لم أشهد لدى عين شهدة نزال عتاب كان أخره الفتحا
وقائع جانيها التجني فإن مشى سفير خضوع بيننا أكد الصلحا
وأيّام وصل بالعقيق اقتضيته فألا يكن ميعاده العيد فالفصحا
وآصال لهو في مسناة مالك معاطاة ندمان إذا شيت أو سبحا
لدى راكد تصبيك من صفحاته قوارير خضر خلتها مردّت صرحا
معاهد لذات وأوطان صبوة أجلت المعلى في الأماني بها قدحا
ألا هل إلى الزهراء أوبة نازح نقضت مبانيها مدامعه نزحا
مقاصير ملك أشرقت جنباتها فخلنا العشاء الجون أثناءها صبحا
يمثل قرطيها لي الوهم لي جهرة فقبتها فالكوكب الرحب فالسطحا
محل ارتياح يذكر الخلد طيبه إذا عزان يصدى الفتى فيه أو يصحا
هناك الحمام الزرق تندا خفافها ظلال عهدت الدهر فيها فتى سمحا
تعوضت من شدو القيان خلالها صدى فلوات قد أطار الكرى صبحا
ومن جلي الكاس المفدى مديرها تقحم الأهواء جلت لها الرمحا
أجل إن ليلي فوق شاطئ نيطة لأقصر من ليلي بئانة والبطحا
وهذه معاهد لبني أمية قطعت بها ليالي وأياما، وظلت فيها الحوادث عنهم نياما،
[ ٧٢ ]
فهاموا بشرق العقاب، وشاموا به برقًا يبدو من نقاب، ونعموا بجوفي الرصافة، وطعموا عيشا تولى الدهر جلاءه وزفافه، وأبعدوا نصح الناصح، وحمدوا أنس مجلس ناصح، وعموا بالزهراء، وصموا عن بناء صاحب الزوراء، حتى رحلت الموت عنها وقوضهم، وعوضهم منها ما عوضهم، فصاروا أحاديث وأنباء، ولم يتزودوا منها إلا حنوطا وكباء، وغدت تلك المعاهد تصافحا أكف الغير، وتناوحها نعبات الطير، وراحت بعد الزينة سدا، وأمست مسرحا للسيد وملعبا للصدى، يسمع للجن بها عزيف، ويصرع فيها الباسل والنزيف، وكذا الدنيا أعمالها خراب، وأمالها أل وسراب، أهلكت أصحاب الأخدود، وأذهبت ما كان بمأرب من حيازات وحدود، وله يتغزل بولادة، بسيط
يا نازحا وضمير القلب مثواه أنستك دنياك عبد أنت دنياهُ
ألهتك عنه فكاهات تلذّ بها فليس يجري ببال منك ذكراهُ
علّ الليالي تبقيني إلى أمل الدهر يعلم والأيام معناهُ
وكان يكلف بولادة بنت المهدي ويهيم، ويستضيء بنور تخليها في الليل البهيم، وكانت من الأدب والظرف، وتتميم المسمع والطرف، بحيث تختلس القلوب والألباب، وتعيد الشيب إلى أخلاق الشباب، فلما حل بذلك الغرب، وانحل عقد صبره بيد الكرب، كر إلي الزهراء ليتوارى في نواحيها، ويتسلى برؤية موافيها، فوافاها والربيع قد خلع عليها برده، ونثر سوسنه وورده، وانزع جداولها، وانطلق بلابلها، فارتاح ارتياح جميل بواد القرى، وراح بين روض يانع وريح طيبة السرى، فتشوق إلى لقاء ولادة وحن، وخاف تلك النوائب والمحن، فكتب إليها يصف فرط قلقه، وضيق أمده إليها وطلقه، ويعاتبها على إغفال تعهده، ويصف حسن محضره بها ومشهده، بسيط
إني ذكرتك بالزهراء مشتاقا والأفق طلق ووجه الأرض قد راقا
وللنسيم اعتلال في أصائله كأنما رق لي فاعتل إشفاقا
والروض عن مائه الفضي مبتسم كما جللت عن اللبات أطواقا
يوم كأيّام لذّات لنا انصرمت بتنا لها حين نام الدهر سرّاقا
نلهو بها بما يستميل العين من زهر جال الندى فيه حتى مال أعناقا
كأن أعينه إذ عاينت أرقي بكت لما بي فجال الدمع رقراقا
[ ٧٣ ]
ورد تألق في ضاحي منابته فازداد منه الضحى في العين إشراقا
سرى بنافجة نيلوفر عبق وسنان نبه منه الصبح أحداقا
كل يهيج لنا ذكرى تشوقنا إليك لم يعد عنها الصدر أن ضاقا
لو كان وفي المنى في جمعنا بكم لكان من أكرم الأيام أخلاقا
لا سكن الله قلبا عن ذكركم فلم يطر بجناح الشوق خفاقا
ول شاء حملي نسيم الريح حين هفا وافاكم بفتى أضناه ما لاقا
يا عقلي الأخضر الأسنى الحبيب إلى نفسي إذا ما اقتنى الأحباب إعلاقا
كان التجازي بمحض الود مذ زمن ميدان أنس جرينا فيه إطلاقا
فالآن أحمد ما كان لعهدكم سلوتم وبقينا نحن عشاقا
ولم تزل الأيام تدنيه وتبعده، وتسؤه وتسعده، وتقذف به إلى كل نازح، وتطرف أمله بعين اللاعب المازح، حتى أحلته بلنسية وهلال ذكائه كما أقمر، وغصن نباهته يانع قد أثمر، وبنو عبد العزيز غرر ملكها، ودرر سلكها، يفيضون بحور الندى، ويومضون في كل منتدى، فحل منهم محل الحميا في الكؤوس، ووقع منهم مواقع البشائر في النفوس، وأقام بين مبرة تواصله، ومسرة تغازله، ومجاملة كرائح القطر وغاديه، فلما انفصل، وحصل فيما حصل، تذكر بعد برهة ذلك العيش ونور عمره قد صوح وغصن سنه قد دوح، فلم يجد إلا له طيبا، ولم يهصر غير فننه غصنا رطيبا، فكتب إلى ابن عبد العزيز، كامل مجزوء
راحت فصح بها السقيم ريح معطرة بالنسيم
مقبولة هبت قبوم لا فهي تعبق في الشميم
افضيض ميك أم بلن سية لرياها نميم
بلد حبيب افقه لفتى يحل به كريم
أيه أبا عبد الإل هـ نداء مغلوب العريم
أن عيل صبري من فرا قكم فالعذاب به أليم
أو أتبعتك حنينها نفسي فأنت لها قسيم
ذكري لعهدك كالسها د سرى فبرّح بالسليم
مهما ذممت فما زما ني لي في ذمامك بالذميم
زمن كمألوف الرضا ع يشوق ذكراه الفطيم
[ ٧٤ ]
أيام أعقد ناظري بذلك المرأى الوسيم
فارى الفتوة غضة في ثوب أواه حليم
الله يعلم أن حب بك من فؤادي في الصميم
ولئن تحمّل عنك في جسم فعن قلب مقيم
ثم السلام تبلغن نه بقلب مهديه السليم
وفي أيام مقامه ببلنسية وتشوقه إلى ولادة قال: طويل
غريب بأرض الشرق يشكر للصبا تحملها منه السلام إلى الغرب
وما ضر أنفاس الصبا في احتمالها سلام فتى يهديه جسم إلى قلب
وفي نكبته وقعود أبي الحزم عن إقالته من كبوته، يقول يعاتبه من قصيدة وقد بلغه أنه سعى به إليه فقال: طويل
أبا الحزم إني في عتابك مائل إلى جانب تلوي إليه العلى سهلِ
حمائم شكوى صبحتك هوادلا تناديك من أفنان آدابي الهدلِ
جواد إذا استن الجياد إلى مدى تمطر فاستولى على أمد الخصلِ
ثوى صافنا في مربط الهون يشتكي بتصهاله ما ناله من أذى الشكلِ
وإني لتنهاني نهاي عن التي أشار بها الواشي ويعقلني عقلي
أانفض فيك المدح من بعد قوة فلا اقتدي بي إلا بناقضة الغزل
هي النعل زلت بي فهل أنت مكذب لقيل الأعادي إنها زلة الحسل
ألا إن ظني بين فعليك واقف وقوف الهوى بين القطيعة والوصل
وألا جنيت الأنس من وحشة النوى وهول السرى بين المطية والرحلِ
وأين جواب منك ترضى به العلى إذا سألتني عنك السنة الحفل
وله عند ثقافة، وفقد الوفاء من الآفة، يخاطب أبا حفص بن برد وقد حار ولم يجد هاديا، وصار رهينا لا يرجو فاديا، وعلم أن الناس متقلبون، وعلى من انقلب الدهر منقلبون، لا يدنيهم في الشدة إخاء، ولا يثنيهم عن ذي الحظوة زهو ولا انتخاء، رمل مجزوء
ما على ظني باس يجرح الدهر وياسو
ربما أشرف بالمر على الأمال ياسُ
ولقد ينجيك إغفا ل ويؤذيك احتراسُ
ولكم أجدى قعود ولكم أكدى التماسُ
[ ٧٥ ]
وكذا الحكم إذا ما عزّ ناس ذل ناسُ
وبنو الأيام أخيا ف سراة وخساسُ
تلبس الدنيا ولكن متعة ذاك اللباسُ
يا أبا حفص وما سا واك في فهم اياسُ
من سنا رأيك لي في غسق الخطب اقتباسُ
وودادي لك نصّ لم يخالفه القياس
أنا حيران وللأم ر وضوح والتباس
لا يكن عهدك وردا أن عهدي لك أسُ
وادر ذكري كأسا ما امتطت كفك كاسُ
فعسى أن يسمح الده ر فقد طال الشماسُ
واغتنم صفو الليالي إنما العيش اختلاسُ
ما ترى في معشر حا لوا عن العهد وحاسوا
ورواني سامريا يتقى منه المساسُ
أذوب هامت بلحمي فانتهاب وانتهاسُ
كلهم يسأل عن حا لي وللذئب اعتساس
إن قسا الدهر فلمأ من الصخر انبجاس
ولئن أمسيت محبو سًا فللغيث احتباسُ
ويفت المسك في التر ب فيوطأ ويداسُ
ولما تعذر فكاكه، وعفر فرقده وسماكه، وعاودته الأوهام والفكر، وخانه من أبي الحزم الصارم الذكر، قال يصف ما بين مسراته وكروبه، ويذكر بعد طلوع أمله من غروبه، ويبكي لما هو فيه من التعذير، ويعذر أبا الحزم وليس له غيره من عذير، ويتعزى بأنحاء الدهر على الأحرار، وإلحاحه على التمام بالسرار، ويخاطب ولادة بوفاء عهده، ويقيم لها البراهين على أرقه وسهده، بسيط
ما جال بعدك لحظي في سنا القمر إلا ذكرتك ذكر العين بالأثرِ
ولا استطلت ذماء النفس من أسف إلا على ليلة سرت مع القصرِ
في نشوة من شباب الوصل موهمة إلا مسافة بين الوهن والسحرِ
[ ٧٦ ]
يا ليت ذاك السواد الجون متصل قد استعار سواد القلب والبصرِ
يا للرزايا لقد شافهت منهلها غمرا فما اشرب المكروه بالغمرِ
لا يهنأ الشامت المرتاح خاطره أني معنى الأماني ضائع الخطرِ
هل الرياح بنجم الأرض عاصفة أم الكسوف لغير الشمس والقمرِ
إن طال في السجن إيداعي فلا عجب قد يودع الجفن حد الصارم الذكرِ
وأن يثبط أبا الحزم الرضى قدرٌ عن كشف ضري فلا عتب على القدرِ
من لم أزل من تأنيه على ثقة ولم أبت من تجنيه على حذرِ
وله يتغزل ويعاتب من يستعطفه ويستنزل، بسيط مجزوء
يا مستخفًا بعاشقيه ومستغشًا لناصحيه
ومن أطاع الوشاة فينا حتى أطعنا السلوَّ فيه
الحمد لله إذ أراني تكذيب ما كنت تدعيهِ
من قبل أن يهزم التسلي ويغلب الشوق ما يليهِ
ولما عضته أنياب الاعتقال: ورضته تلك النوب الثقال: وعوض بخشانة العيش من اللين، وكابد قسوة خطب لا تلين، تذكر عهد عيشه الرقيق، ومراحه بين الرصافة والعتيق، وحن إلى سعد زرت عليه جيوبه، واستهدى نسيم عيش طاب له هبوبه، وتأسى بمن باتت له النوآئب بمرصاد، ورمته بسهام أقصاد، وضيم من عهد الأحص إلى ذات الآصاد، فقال: خفيف
الهوى في طلوع تلك النجوم والمنى في هبوب ذاك النسيم
سرنا عيشنا الرقيق الحواشي لويدوم السرور للمتسديم
وطر ما انقضى إلى أن نقضى زمن ما ذمامه بالذميم
أيها الموذني بظلم الليالي ليس يومي بواحد من ظلوم
ما ترى البدران تأملت والشم س كما يكسفان دون النجوم
وهو الدهر ليس ينفك ينحو بالمصاب العظيم نحو العظيم
وله يتغزل. وافر
أيوحشني الزمان وأنت أنسي ويظلم لي النهار وأنت شمسي
وأغرس في محبتكك الأماني فأجني الموت من ثمرات غرسي
لقد جازيت غدرًا عن وفاءي وبعت مودتي ظلما ببخس
[ ٧٧ ]
ولو أن الزمان أطاع حكمي فديتكك من مكارهه بنفسي
وله أيضًا في مثل ذلك. كامل
ولقد شكوتك بالضمير إلى الهوى ودعوت من حنق عليك فأمّنا
منّيت نفسي من صفآئك ضلة ولقد تغرّ المرء بارقة المنى
له عن المعتضد بالله إلى صهوة الموفق أبي الجيش صاحب دانيه، بسيط
عرفت عرف الصبا إذ هبّ عاطرهُ من أفق من أنا في قلبي أشاطرهُ
أرى تجدد ذكراه على شحط وما تيقّن أني الدهر ذاكرهُ
ينئى المزار به والدار دانية باحبذا الفال لو صّحت زواجرهُ
خلّي أبا الجيش هل يدنو اللقآء بنا فيشتفي منك طرف أنت ناظرهُ
قصاره قيصران قام مفتخرا لله أوله مجدا وأخرهُ
ولما حل من المعتضد بالمكان الذي حل، وانتكث عقد شدائده وانحل، تسلت نفسه من شجونها، وحنت إلى صفا ولادة وحجونها، وتذكرها وما تناساها، وعاودته لوعتها واساها، وحن إليها حنين من حيل بينه وبين ما يشتهي، وقنع باهدآء تحية تبلغ إليها وتنتهي، فقال يتغزل فيها ويمدح المعتضد. طويل
أما في نسيم الريح عرف يعرّفُ لنا هل لذات الوقف بالجزع موقفُ
فنقضي أوطار المنى من زيارة لنا كلف منها بما نتكلّفُ
عزيز علينا أن تزار ودونها رقاق الظبى والسمهريّ المثقّفُ
وقوم عدى يبدون عن صفحاتهم وأظهرها من ظلمة الحقد أكلفّ
يودّون لو يثني البعاد زماعنا وهيهات ريح الشوق من ذاك أعصفُ
كفانا من الوصل التحيّة خلسة فيؤمن طرف أو بنان مطرّفُ
وأنّي ليستهويني البرق صبوة إلى برق ثغران بدا كاد يخطفُ
وما ولعي بالراح ألاّ توهّما لظلم لها كالراح إذ يتشرّفُ
ويذكرني العقد المرنّ جمانه مرنّات ورق في ذرى ألا يك تهتفُ
فما قبل من أهوى طوى البدرَ هودج ولا ضمّ ريم القفر خدر مسجّفُ
ولا قبل عبّاد حوى البحر مجلس ولا حمل الطود المعظّم رفرفُ
هو الملك الجعد الذي في ظلاله تكفّ صروف الحادثات وتصرفُ
[ ٧٨ ]
رويّته في الحادث الأد لحظة وتوقيعه الجالي دجا الخطب أحرفُ
طلاقة وجه في مضآء كمثل ما يروق فرند السيف والحدّ مرهفُ
على السيف من تلك الشهامة ميسم وفي الروض من تلك الطلاقة زخرفُ
ولمّا قضينا ما عنانا أداؤه وكلّ بما يرضيك داع فملحفُ
تظن الأعادي أن حزمك نآئم لقد تعد الفسلَ الظنون فتخلفُ
رأيناك في أعلا المصلىّ كأنّما تطلّع من محراب داود يوسف
ولمّا حضرنا الأذن والدهر خادم تشير فيمضي والقضآء مصرّف
وصلنا فقبلنا الندى منك في يد بها يتلف المال الجسيم ويخلف
لك الخيرانّى لي بشكرك نهضة وكيف أودي فرض ما أنت مسلف
أعدّت بهيم الحال مّني غرة يقابلها طرف الحسود فيطرف
ولولاك لم يسهل من الدهر جانب ولا ذلّ منقاد ولا لأن معطف
ولما مات المعتضد ﵀ وارتفع في أمره ما ارتفع، وراعى المعتمد مواته التي توسل بها واستشفع، وأبقاه جليسا وسميرا، وسقاه الصفح سلسالا نميرا، قال يرنيه ويشكر المعتمد ويذكر أنه لم يرفض سبب متاته، ةولم يغمض عن رعي حرماته. طويل
أعّباد يا أوفى الملوك لقد سطا عليك زمان من سجيَّته الغدر
فهلاّ عداه أنَّ علياك حليه وذكرك في اردأن أيّامه عطر
أأنفس نفس في الورى أقصد الردى واخطر علق للندى أفقد الدهر
إذا الموت أضحى قصر كل معمّر فإنّ سواء طال أو قصر العمر
ومنها:
فهل علم الشلو المقدّس أنني مسوغ حال ظل في كنهها الفكر
وأنّ متاتي لم يضعه مجّدُ خليفتك العدل الرضي وابنك البرّ
وارغم في برّي انوف عصابة لقاؤهم جهم ومنظرهم شزر
إذا ما استوى في الدست عاقد حبوة وقام سماط حافل فلي الصدر
وله عند فراره، وخروجه من سراره، وقد أقام بقرطبة متواريا يخاطب ولادة ويستنهض الأديب أبا بكر للشفاعة ويستنزل أبا الحزم بن جهور. طويل
شحطنا وما بالدار ناي ولا شحط وشطّ بمن نهوى المزار وما شطّوا
أأحبابنا الوت بحادث عهدنا حوادث لا عهد عليها ولا شرط
[ ٧٩ ]
لعمركم أن الزمان الذي قضى بشتّ جميع الشمل مّنا لمشطّ
وأما الكرى مذ لم أزركم فهاجر زيارته غبّ والمامه فرطُ
وما شق مقتول الجوانح بالصدى إلى نطفة زرقاء أضمرها وقطُ
بابرح من شرقي إليكم ودون ما أدير المنى عنه القتادة والخرط
وفي الربرب الإنسي أهوى كناسه نواجي ضميري لا الكثيب ولا السقط
غريب فنون الحسن يرتاح درعه متى ضاق ذرعا بالذي حازه المرط
كانّ فوادي يوم أهوى مودعا هوى خافقا منه بحيث هوى القرط
إذا ما كتاب الوجد أشكل سطره فمن زفرتي شكل ومن عبرتي نقط
ألا هل أتى الفتيان أنّ فتاهمُ فريسة من يعدو ونهزة من يسطو
وأنّ الجواد الفآئت الشاو صافن تخّونه شكل وأزرى به ربط
وأنّ الحسام العضب ثاو بجفنه وما ذمّ من غربيه قدّ ولا قطّ
عليك أبا بكر بكرت بهمّة لها الخطر العالي وأن منالها حطّ
أبي بعد ما هيل التراب على أبي ورهطي فذّا حين لم يبق لي رهط
لك النعمة الخضراء تندى ظلالها علىَّ ولا جحد لديَّ ولا غمط
ولولاك لم يثقب زناد قريحتي فينتهب الظلماء من نارها سقط
ولا الّفت أيدي الربيع بدائعي فمن خاطري نظم ومن زهره لقط
هرمت وما للشيب وخط بمفرقي ولكن لشيب الهمّ في كبدي وخط
وطاول سوء الحال نفسي فأذكرت من الروضة الغنّاء طاولها القحط
منون من الأيام خمس قطعتها أسيرا وأن لم يبد شدّ ولا ربط
تت بي كما ميط الإناء عن الأذى واذهب ما بالثوب من درن مسط
أتدنو قطوف الجنّتين لمعشر وغايتي السدر القليل أو الخمط
وما كان ظني أن تغرّبي المنى وللغّرقي العشواء من ظنّه خبط
أما وارتني النجم موطئ أخمصي لقد أوطأت خدّي لأخمص من يخطو
ومسبتطئ العتبى إذا قلت قد أتى رضاه تمادى العتب واتصل السخط
وما زال يدنني فينأى قبوله هوى سرف منه وصياغة فرط
ونظم ثنائي في نظام ولائه تحلت به الدنيا لآلئه وسط
على خصرها منه وشاح مفصل وفي رأسها تاج وفي جيدها سمط
[ ٨٠ ]
عدا سمعه عني وأصغى إلى عدي لهم في أديمي كلما استمكنوا عط
بلغت المدى إذا قصروا فقلوبهم مكامن أضغان أساودها رقط
يولونني عرض الكراهة والقلى وما دهرهم إلا النفاسة والغبط
ولما انتحوني بالتي لست أهلها ولم يمن أمثالي بأمثالها قط
فررت فإن قالوا الفرار به فقد فر موسى حين هم به القبط
وني لراج أن تعود كبدئها لي الشيمة الزهراء والخلق السبط
وحلم امرئ تعفى الذنوب لعفوه وتمحى الخطايا مثل ما تمحى الخط
فما لك لا تختصني بشفاعة يلوح على دهري لميسها غلط
تقي بنسيم العنبر الورد ريحها إذا شعشع المسك الأحم به خلط
فإن يسعف المولى فنعم كريمة نفس عن نفس ألظ بها ضغط
وإن يأب إلا قبض مبسوط فضله في يد مولى القبض ولبسط
وله أيضًا: طويل
كان عشي القطر في شاطئ النهر قد زهرت فيه الأزاهر كالزهر
ترش بماء الورد رشا ونثني لتغليف أفواه بطيبة الخمر
وبات ليلة بإحدى جنات إشبيلية فال: طويل
وليل أدمنا فيه شرب مدامة إلى أن بدا للصبح في الليل تأثير
وجاءت نجوم الصبح تضرب في الدجا فولت نجوم الليل والليل مقهور
فحزنا من اللذات أطيب طيبها ولم يعنا هم ولا عاق تكدير
خلا أنه لو طال دامت مسرتي ولكن ليالي الوصل فيهن تقصير
لم يزل دنو ولادة فيتعذر، ويباح دمه دونها ويهدر، لسوء أثره في ملك قرطبة وواليها وقبائح كان ينسبها إليه ويواليها، أحقدت بني جهور عليه، وسددت أسنتهم إليه، فلما يئس من لقياها، وحجب عنه حياها، إليها يستديم، عهدها، يؤكد ودها، ويعتذر من فراقها بالخطب الذي غشيه، والامتحان الذي خشيه، ويعلمها أه ما سلا عنها بخمر، ولا خبا ما بين ضلوعه لها من ملتهب جمر، وهي قصيدة ضربت في الإبداع بسهم، وطلعت في كل خاطر ووهم، ونزعت منزعا قصر نه حبيب وابن الجهم، وأولها: بسيط
[ ٨١ ]
بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا أشواقًا إليكم ولا جفت مآقينا
يكاد حين تناجيكم ضمائرنا يقضي علينا الأسى لولا تآسينا
حالت لفقدكم أيامنا غدت سودًا وكانت بكم بيضًا ليالينا
إذ جانب العيش طلق من تآلفنا ومورد اللهو صاف من تصافينا
وإذ هصرنا غصون الأنس دانية قطوفها فجنينا منه ما شيئا
ليسق عهدكم هد السرور فما كنتم لأرواحنا إلا رياحينا
من مبلغ الملبسينا بانتزاحهم زنا مع الدهر لا يبلى ويبلينا
إن الزمان الذي ما زال يضحكنا أنسا بقربكم قد عاد يبكينا
غيظ العدى من تساقينا الهوى فدعوا بأن نغص فقال الدهر آمينا
فانحل ماكان معقودًا بأنفسنا انبث ما كان موصولا بأيدينا
وقد نكون وما يخشى تفرقنا فاليوم نحن وما يرجى تلاقينا
لم نعتقد بعدكم لا الوفاء لكم=رأيا ولم نتقلد غيره دينا
لا تحسبوا نأيكم عنا يغيرنا إن طال ما غير النأي المحبينا
والله ما طلبت أهواءنا بدا منكم ولا انصرفت عنكم أمانينا
ولا استفدنا خليلا عنك يشغلنا لا اتخذنا بديلًا منك يسلينا
يا ساري البرق غاد القصر فاسق به من كان صرف الهوى والود يسقينا
ويا نسيم لصبا بلغ تحيتنا من لو علي البعد حيي كان يحيينا
يا روضة طال ما أجنت لواحظنا ورد أجلاه الصبا غصنا ونسرينا
ويا حيوة تملينا بزهرتها منى ضروبا ولذات أمانينا
ويا نعيمًا حضرنا من غضارته في وشي نعمى سحبنا ذيله حينا
لسنا مسك إجلالا وتكرمة وقدرك المعتلي عن ذاك يغنينا
إذا انفردت وما شوركت في صفة فحسنا الوصف إيضاحا وتبينا
يا جنة الخلد أبدلنا بسلسلها والكوثر العذب زقوما وغسلينا
كأنا لم نبت والوصل ثالثنا ولسعد قد غض من أجفان واشينا
سران في خاطر الظلماء يكتمنا حتى يكاد لسان الصبح يفشينا
لا غرو في أن ذكرنا الحزن حين نهت نه النهى وتركنا الصبر ناسينا
إنا قرأنا الأسى يوم النوى سورا كتوبة وأخذنا الصبر تلقينا
[ ٨٢ ]
أما هواك فلم نعدل بمنهله شربا وإن كان يروينا فيظمينا
لم يخف أفق جمال أنت كوكبه سالين عنه ولم نهجره قالينا
ولا اختيار تجنبناك عن كثب لكن عدتنا على كره عودينا
ناسى عليك إذا حثت مشعشعة فينا الشمول وغنانا مغنينا
لا أكواس الراح تبدي من شمائلنا سيما ارتياح ولا أوتار تلهنا
دومي على العهد ما منا محافظة فالحر من دان إنصافا كما دينا
فما ابتغينا خليلا منك يحسبنا ولا استفدنا حبيبا عنك يغنينا
ولو صبا نحونا من علو مطلعه بدر الدجا لم يكن حاشاك يصبينا
ولى وفاء إن لم تبذلي صلة فالذكر يقنعنا ولطيف يكفينا
وفي الجواب ناع لو شفعت به بيض الأيادي التي ما زلت تولينا
عليك مني سلام الله ما بقيت صبابة منك تخفيها فتخفينا