هضبة علاء، لا تفرعها الأوهام، وجملة ذكاء، لا تشرحها الأفهام، هزم الكتائب بمضائه، ونظم الرياسة في سلك قضائه، إذا عقد حباه أطرق الدهر توقيرا، وخلته من تهيبه عفيرا يملأ بهوه بهاء، ولا تغب مداه حزا وأمها، يبرم أمره نهارا وليلا، ويشن من آرائه كل آونه خيلا، لم يستنر إلا بشمسه، ولم يستشر في رأيه غير نفسه، المهابة تخدم لحظته، والإصابة تقدم لفظته، كان الحميا تثني بشاشته وتحفيه، وكان الخلق قد جمعوا فيه، وله نثر تحلت الأيام بسناه، ونظم استحلت الأفهام جناه، وقد أثبت منهما سطورا، غدا حسنها في صفحة البدر، مسطورا، فمن ذلك فضل من رقعة كتب بها إلى الرئيس الأجل أبي عبد الله بن الحاج ﵀ في جانبي، ووصل فلان فشكر ما أليته، ونشر مما قصدته في جانبه وأتيته، ما آمال الأهواء وأطال الثناء والدعاء، وحبب عندك الآمال، وجنب إليك الآمال، وهو ممن قد علمت أيدك الله ارتفاع شان، وإبداع بيان، وقد نهض بعزمة لا يرى أن يخدم غيرك، وهمة لا ترتضي أن تلتزم إلا أمرك، ومثلك رحب مقدمه، وأسبل عليه ديمه، وعزف قدره، وشرح بخلقه صدره، أن شاء الله، وكتب إليه الوزير أبو الحسن بن الحاج. كامل
ما زلت في علاك بمقولي دابا واورد في رضاك وأصدرُ
واليوم اعذر من يطيل ملامة وأقول زد شكوى فأنت مقصّرُ
فراجعه أبو أمية. كامل
الفخر يابي والسيادة تحجر أن يستبيح حمى الوفاء مزوّرُ
وعليك أن ترضى بسمع ملامة عني السناء وعهده لا يختر
[ ٢٠٢ ]
ولدّي أن نفث الصديق لراحة صبر الوفيّ وشيمة لا تغدرُ
وكتب إليه الغرباقي: بسيط مجزوء
أما ترى اليومَ يا ملاذي يحكيك في البشر والطلاقة
والبحر يرتحّ مثل قلب راقب من الفه فراقه
والجوّ صافي الأديم زهر مدّ على أرضه رواقه
فامنن بمشي إليه أنّي ما لي على الصبر عنه طاقة
فأجابه أبو أمية: بسيط مجزوء
عندي لما تشتهي بدار يشهد أنّي على علاقة
فأخبر بما شئت صدق عهدي تجد دليلا على الصداقة
وارفق فلي مفراق قلب قطعّ أن زرته استباقه
يطلع برّ الصديق بدرا أمّنه عمره محاقه
وأسكن إلي رأي ذي احتفاء يعجز من رامه لحاقه
وأبلغ سرّي الخلال أنّي جيت بما قد رأى وفاقه
وكتب إلى أبي العباس المذكور: طويل
كتب وعندي للنزاع عزيمة تسهّل تجشيم اللقاء على بعدِ
ومعهد انس ما عهدت تحفّيا فهل مقرض شكري ومستقرض حمدي
وان عاق عن عهد لبرّك عائق تلظّفت في العذر الجميل إلى ودّي
وكتب إليه كاتبه أبو الحسن باقي وهو بالعدوة بهذه الأبيات. وافر
قصيّ الدار في أسر الغرام اليم القلب من وقع الملامِ
يضاهي دمعه دمع الغوادي ويحكي شجوه شجو الحمامِ
وتذكره البدور سنا وجوه زهاها الحسن عن حمل اللئامِ
ترق له الرياح فتقتضيه إذا هبّت تحية مستهامِ
لضنوّا بالمنام غداة ظنوا بانّ الطيف يطرق في المنامِ
ولولا طاعة ملكت قيادي لأبلج في الذوابة من عصامِ
لما أثرت بعدا عن حبيب يجرّع بعده غصص الحمامِ
فأجابه أبو أمية: وافر
ذخرنا البرّ من لطف النظام ومال برأينا سحر الكلامِ
[ ٢٠٣ ]
وعندي للمطيع مطاع أمر يجرّد للقاء ظبي اعتزامِ