عامر أندية النشوة، وطلاع ثنايا الصبوة، كلف بالحميا كلف حارثة بن بدر، وهام بفتى سماط وفتاة خدر، فجعل للمجون موسما، واثبتها في جبين أوانه ميسما، وكان قبل أن ترقيه الرياسه أعوادها، وتحله فؤادها، لا يجد عمادا، ولا يرد إلا ثمادا، فلما أصح عاقد كتائب، وقائد جنائب، وصاحب الوية، ومنفذ بديهة في الأمور وروية، جرى إلى لذاته ملء العنان، وعدا بها مجنون الجنان، وترك الملك مهملا، ومشى في طرق الاستهتار خببا ورملا، فائتمر به الملأ من أهل مرسية أي ائتمار، وراوا قتله أو كد حجة واعتمار، فنصبوا له الحرب، وعصبوا به الطعن والضرب، حتى أعطى الدنية، ونزل لهم عن تلك الثنية، فقنعوا بارتفاع وباله، وامتنعوا من حربه وقتاله، وخلعوه عن تدمير وسقوه الرنق بعد النمير، وله شعر رقيق المعاني، أنيق المغاني، يشهد له بالشطارة، ويعيد كهولته إلى الغرارة، وقد أثبت منه فنونًا يكحل بها الاستحسان حفونا، فمن ذلك قوله يخاطب أبا بكر بن اللبانة وكانا على طريقين فلم يلقيا. طويل
تشرق عامالي وسعدي يغرّبُ وتطلع أوجالي وأنسي يغرب
سريت أبا بكر إليك وإنمّا أنا الكوكب الساري تخطاه كوكبُ
فبالله إلا ما منحت تحية تكريها السبع الدراري وتذهبُ
وبعد قعندي كلّ علق تصونه قلائق لا تبلى ولا تنقلبُ
[ ١٦٦ ]
كتبت على حالين بعد وعجمة فياليت شعري كيف يدنو فيعرب
ولما مات أبن ليون صاحب لورقة ووصل أمرها إليه، وحصل تدبيرها في يديه، طلب ملكا يعطيه صفقتها، ويمطيه صهوتها، إذا لم يصح له توليها، والعدو بلبطيط يراوحها باغارته ويغاديها، فوصل إلى المعتمد رحمة الله مقليا إليه تلك المقاليد، ومجنيا له أفنانها الأماليد، فتلقى بالبر وفادته وصلته، وأنزل عليه أعيانه وجلته، أخبرني الوزير أبو الحسين أبن سراج والوزير أبو بكر ابن القبطرنة أن المعتمد أمرهما بالمشي إليه، والنزول عليه، تنويها لمقدمه، وتنبيها على حظوته لديه وتقدمه فسارا إلى بابه، فوجداه مقفرا من حجاجه، فاستغربا خلوه من خول، وظن كل واحد منهما وتاول، ثم أجمعا على قرع الباب، ورفع ذاك الارتياب، فخرج وهو دهش، وأشار إليهما بالتحية، ويده ترتعش، وأنزلهما خجلا، ومشى بين أيديهما عجلا، وأشار إلى شخص فتوارى بالحجاب، وبارى الريح سرعة في الاحتجاب، قفعدا ومقلة الخشف ترمق من خلل السجف، فانصرفا عنه، وعزما أن يكتبا إليه بما فهما منه، فكتبا إليه: وافر مجزوء
سمعنا خشفة الخشفِ وشمنا طرفة الطرفِ
وصدّقنا ولم نقطع وكذّبنا ولم ننفِ
وأغضينا لجلالك عن أكرومة الظرفِ
ولم تنصف وقد جئنا ما ننهض من ضعفِ
وكان الحكم أن تحمل أو تردف في الردفِ
فراجعهما في الحين بقطعة منها: وافر مجزوء
أياسفنا على حال سلبت بها من الظرفِ
ويالهفي على جهلي بضيف كان من صنفي
وأخبرني الوزير أبو الحسن بن سراج أنه ركب معه في عشية الشك من شعبان ومعه لمة من أعيان قرطبة وقد غلبوه على المسير معهم، والزموة مجتمعهم، فخرج وهو مكره، ولا يتطلع إلى ذلك ولا يشره، ونفسه متعلقة بنشوة أطمعها بها، وسلوة اطلع لها كوكبها، فكان يروم التفلت، ويكثر التلفت، وكلهم قد حف به، ووقف دون مذهبه، حتى أخذ معهم في أمر جواده وعتقه، وبالغ في وصف مباراته وسبقه، ثم قام على متنه يريهم انه يجريه، ويعرض عليهم
[ ١٦٧ ]
تباريه، فطار بجناح، وصار إلى بغيته دون جناح، فانتظروه ليسفر عنه العجاج، وتطلعه تلك الفجاج، فلم يروا إلا منهجه، ولا اقتضوا عوضًا منه إلا رهجه، فعلم أبو الحسين ما حثه، وأشاعه فيهم وبثه، فما أنصرفوا إلا وهلال رمضام لائح، وهو على راحة رائح، فكتب إليه أبو الحسين ابن سراج: كامل
عمري أبا حسن لقد جئت التي عطفت عليك ملامة الأخوانِ
لمّا رأيت اليوم ولّي عمره واليل مقتبل الشبيبة دانٍ
والشمس تنفض زعفرانا في الربا وتفت مسكها على الغيضانِ
أطلعتها شمسًا وأنت عطارد وخففتها بكواكب الندمانِ
وأتيت بدعا في الأنام مخّلدا فيها قرنت ولات حين قرانِ
ولهوت عن خلَّي صفاء لم يكن يليها عنك أقتيال زمانِ
غنيا بذكرك عن رحيق سلسل وحدائقٍ خضر وعزف قيانِ
ورضيت في دفع الملامة أن ترى متعلقا بالعذر من حسّانِ
فكتب إليه مراجعًا قطعة منها: كامل
وأنا أسأت فأين عفوك مجملًا هبني عصيت الله في شعبان
لو زرتني والآن تحمد زورة كنت الاهلال أتى بلا رمضانِ
وكتب في حينه ذلك إلى أبي بكر بن القبطرنة: طويل
فديتك لا عرف لديّ ولا نكرُ ولا حّجة لي قد أبى ذلك السكرُ
إذا قلت جىَّ ماذا يقول ممجّد وليس له في أن يجيب بلا عذر
وأخبرني الوزير أبو بكر بن القبطرنة انه كان قاعادًا ببابه ببطليوس في غدوة الجمعة وقد اجتمعت العساكر، وروعت تلك الكنائس والدساكر، ولا أحد إلا راغب في الشهادة، مؤمل موته هناك واستشهاده، إذا برجل قد وضع بيده رقعة لا عنوان لها، فلما تأملها وجد فيها. طويل
عطشت أبا بكر وكفاك ديمة وذبت اشتياقًا والمزار قريبُ
فخفف ولو بعض الذي أنا واجد فليس بحق أن يضاعغريبُ
ووفر لنا من خطا نرى بها نشاوى وبعد الغزو سوف نتوبُ
فقال له ابن اليسع صاحب هذه الرقعة، أوقد حلّ في هذه البقعة، فقال له نعم فاستغرب ما قصد إليه، وذهب ووجه إليه، من التضييف ما وجب وقرن به خمرا وكتب معه. طويل
[ ١٦٨ ]
أبا حسن مثلي يمثلك عالم ومثلك بعد الغزو ليس يتوبّ
فخذها على محض الصفاء كأنها سنا ما لها بعد الحساب توبُ