بحر البيان الزاخر، وفخر الأوائل والأواخر، وواحد الأندلس الذي فاز بها بحظ الظهور، وحاز قصب السبق بين ذلك الجمهور، وامترى اخلاف أسعادها، وسقى صوب عهادها، واستقر في مراتب رؤسائها، استقرار الفلك عند أرسائها، إلا انه حصل في لهوات الأسد، وصار إلى موضع النفاق فكسد، وافي المعتضد بالله في طالع استوبله، ونحس استقبله، فكانت أيامه لديه حسرات، ولم تومض له فيها بروق مسرات، إلى إن لاذ بالفرار، وتخلص من يديه البدر من السرار، وأبوه أبو عمر هو كان سبب نجاته، وخروجه من لهواته، ولولاه لورد مشرع الحمام، وكرع في ماء الحسام، فقليلًا ما هم عباد فاقصر، ولا توهم إلا وكأنه أبصر، ولكن إمامة أبيه الشهيرة دفعت في صدر احتدامه، وشفعت له عند أقدامه، وقد أثبت له ما يتبين أنه سحر، ويتزين به للسناء نحر، فمن ذلك ما قاله في رجل مات مجذوما. رمل
مات من كنّا نراه أبدًا سالم العقل سقيم الجسدِ
بحر سقم ماج في أعضائه فرمى في جلده بالزبدِ
كان نمثل السيف إلاّ أنّه حسد الدهر عليه فصدي
وله: كامل مجزوء
لا تكثرنّ تامّلا واحبس عليك عنان طرفك
فلربّما أرسلته فرماك في ميدان حتفك
وكتب إلى أحد أخوانه، وقد نال الدهر من أخماله وامتهانه، من صحب الدهر أعزك الله وقع في أحكامه، وتصرف بين أقسامه، من صحة وسقم، وغنا وعدم، وبعاد واقتراب، وانتزاح واغتراب، وانفق لي ما قد علمت من الانزعاج والاضطراب، والتغرب والإياب، لا والله ما جرى من حركاتي شيء على مرادي، واعتقادي، وإنما هياتها الأقدار، والأثار، وعند ورودي أعلمت بما أصابتك به صروف الأيام، من الامتهان والإيلام، فيعلم الله لقد ألمت نفسي وساء به أثر الزمان عندي، وقلت هذا عدل ما تهيأ من جلدي وبعدي، فقد جمعتنا حوادث الأيام وصروفها، وأن اختلفت انواعها وصنوفها، على أن الذي أصابك أثقل عبا، واعظم رزاء، والله يعظم أجرك ويجعل هذه الحادثة أخر
[ ١٨٠ ]
حوادثك، واعظم كوارثك، حتى تستديم عزك في سراء سابغة تنعم بالك وخاطرك، وتقر عينك وناظرك، وتلحظ خطوب الدهر وأنت عنها في حماية من الكفاية مكينة، ودرع من الحماية حصينة، أن شاء الله وكتب عن الموفق أبي الجيش مهنئًا للمعتضد بأخذ شلب، كتابي أعزك الله تعالى عن حال قد طال جناحها، وآمال قد أسفر صباحها، ويد قد اشتد زندها، ونفس قد أنتجز بنجح كل مامول وعدها، بما وردني به كتاباك الكريمان أعز بهما من جميل صنع الله لك بحصول قاعدة شلب وذواتها في قبضتك، واستذراء ذلك الأفق بظل طاعتك، وخروج صاحبها عنها من غير عقد عاصم، ولا عهد لازم، قد كذبه ظنه في التماسك، وأخلفه أمله في التهالك، ورغم به أنف من بعد عنه وخدع به من لم يوضع الميسم عليه فأي نعمة يا سيدي، وأعلى عددي ما أجلها وأجزلها، وأي جنة ما أتمها وأكملها، على حين تضاعف حسن موقعها، وبان لطف محلها موضعها، ولاحت عنونًا في صحيفة مساعينا، وبرهانا بحول الله على تأتي راجينا، فالحمد الله ثم الحمد لله على ما من به واحسن فيه، حمدا يؤدي الحق ويقضيه، ويحتوي المزيد ويقضيه، وهو المسؤل عز اسمه أن يتبع ذلك بأشكاله، ويشفعه بأمثاله، ويهنئ ذلك النجح سلما وحربا، وشرقا وغربا، والظهور بعدا وقربا، فظهوري منوط بظهورك، وروري موصول بسرورك واتصال حالي بأحوالك، وحبلي بحبالك، هناك الله وأياي ما خولك، وقرن بالزيادة الأه قبلك، بمنه وكتب في عناية، أتم اله أيها الجليل محتده، الجميل معتقده المشهور فضله وسودده، عليك نعمه ظاهرة وباطنة، واجزل إليك قسمه متوافيه وراهنه، وأتاك من كل حظ أجزله، ومن كل صنع أجمله، ومن كل خير أتمه وأكمله، أن الأيام قد وصلت بيننا إلى التراسل سببا، وجعلت في التواصل أربا، فإذا أمكن سبب قدمته، وإذا تهيأ رسول أغتنمتة، توكيدا للحال معك، وتجديدًا للعهد بيني وبينك، فمثل الحظ منك لا يهمل، وشبه الحق الذي لك لا يغفل، ومكاتبة لصديق عوض من لقائه إذا امتنع اللقاء، واستدعاء للأنبائه، إذا انقطعت الأنباء، وفيها انس، تلذ به النفس، وارتياح تنتعش به الأرواح، وارتباط يتصل به الاغتباط، وافتقاد يتبين به الاعتقاد والوداد، ومثل خلتك الكريمة عمرت معاهدها، ومثل عشرتك الجميلة شدت معاقدها، ومثل مكارمتك البرة
[ ١٨١ ]
حمدت مصادرها وموارها، وإذ قد تسببت لي أسبابها، فلا أقطعها، وغذ قد انفتحت بيننا أبوابها، فلا ادعها، وأنا أستدعيك مثل هذا إذا أسفر لك وطر، وعن لك أمر، فأني متطلع إلى أخبارك أراعيها، وحريص على أوطاك، أقضيها، ومستمطر لكتبك الكريمة اجتليها، وأشاهد نعم الله منها وفيها، فمذ صدر عني فلان لم أتلق لك خبرا، ولم الحظ من تلقائك أثرًا، وذلك لا محالة لامتناع البحر وارتجاجه، وتعذر المسلك وارتتاجه، وإذ قد ذل صعبه لراكب، وهان خطبه على هائب فإنا اعتقد أن كتابك بأزاء كتابي، وخطابك سيلقى خطابي، ولما تهيا سفر فلان ضيفنا سلمه الله إلى الأفق الذي أنت عماده، والقطر الذي بيدك زمامه وقياده، وقد تقدمه فيك أمل قد استشعره وشكر لك قد بثه ونشره، أصحبته كتابي هذا مجددًا عهدا، ومهديا عنه حمدا، فإنه ما دخل تارة إلينا، ولا تكرر ثانية علينا، إلا وذكرك الجميل في فمه يديه ويعيده وأثرك الحسن عليه يلهج به ويشيده، يتلو بذلك كله معاقدته المحمودة، ومحافله المشهودة، في شكر الأمير الأجل أخيك أطال الله بقاءه والإشادة بتعظيم أمره، وتفخيم قدره، فإنه لا يغدو عندنا غلا باسمه، ولا يناضل إلا بسهمه، ولا يجاهد إلا عنه، ولا يحتسب إلا فيه، ومن جرى على البعد هذا المجرى، وشكر شكره النعمى، فحقيق بالأنعام، خليق
بالإكرام، وقد استضاف إلى هذه الحقوق التي مثلها رعي، وشبهها قضي انه ضيف لي، وأثر ما عندي، اختصه بأتم العناية، واعتمده بإحمد الرعاية، وأشفع له الشفاعة الحسنة، واستظهر له المعونة التامة والمشاركة البينة، وأنت بفضلك تلقى أمله بالتحقيق، ورجاءه بالتصديق، وتصل فضلك عليه حتى يكون قليبا يروي وسقاء يشفي ووردا ينهل، وسببًا يتصل، أن شاء الله ﷿.