عن أبي زُرْعَة: قُبِضَ النبيُّ ﷺ عن مئة ألف وأربعة عشر ألفًا من الصَّحابة ممَّن روى عنه وسمع منه.
_________________
(١) أ: أسير.
[ ١ / ١٢٢ ]
وعن السَّمْعانِي قال: كان بالشَّام عشرة آلاف عَينٍ رأَتْ النبيَّ ﷺ.
وعن ابن الأثير نقلًا عن زيد بن ثابت، وعن الحاكم نقلًا عن معاذ بن جبل، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى غزوة تبوك زيادة على ثلاثين ألفًا (^١).
وعن أبي زُرْعَة كانوا بتبوك سبعون ألفًا، كذا في "الجواهر المضيَّة" نقلًا عن "الإكليل" للحاكم. وقال فيه: ذكر ابن الأمين فيما استدركه علي بن عبد البَرِّ عن أبي زُرْعَة، وسئل عن عدة من روى عن النبي ﷺ، قال: ومن يَضْبط هذا، شهد معه حجة الوداع تسعون ألفًا، وشهد معه بتبوك أربعون ألفًا، والله أعلم] (^٢).
واختلف (^٣) في حَدِّ الصَّحابة؛ فالمعروف عند المحدثين: أنه كلُّ مسلم رأى النبيَّ ﷺ (قال ابن حجر في "المختصر": الصَّحابي كلُّ مسلم رأى النبي ﷺ (^٤)، وقيل: من صحب النبيَّ ﷺ سنة أو سنتين، وغزا معه غزوة أو غزوَتَيْن، [ويؤيِّد هذا قول أنس ﵁، وقد سئل عنه: هل بقي أحد من أصحاب رسول الله ﷺ غيرك؟ فقال: بقي ناس من الأعراب قد رأوه، وأما من صحبه فلا (^٥). محمول على إرادته مَنْ صَحب الصُّحبة الوفيَّة، وإلَّا لزم أن لا (^٦) يُعدَّ جرير بن عبد الله من الصَّحابة، وكذا كل من شاركه في فقْدِ هذا الشَّرط ممَّن لا خلاف أنَّه من الصَّحابة.
_________________
(١) رواه عن زيد: الواقدي في "المغازي" كما في "تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي (٢/ ١٠٩). ورواه عن معاذ ﵁: ابن عدي في "الكامل" (٧/ ٢٧٠).
(٢) ساقطة من: ع.
(٣) ع: (وعلى هذا واختلف).
(٤) ساقطة من: ع.
(٥) ذكره ابن الصلاح في "مقدمته" (ص: ٢٩٤)، وقال: إسناده جيد، حدث به مسلم بحضرة أبي زرعة.
(٦) ساقطة من: ض.
[ ١ / ١٢٣ ]
والصَّحابي لغة: من صحب ولو ساعة.
وعرفًا: من كثرَتْ صحبتُه، ولا حدَّ لتلك الكثرة. وقيل: من طالَتْ صحبتُه على سبيل الأخذ والاتباع. إلى هنا كلام ابن حجر. وقال فيه: عدالة الصحابة مقطوع بها بإجماع من يعقد (^١) بإجماعه، من لابس منهم الفِتن ومَنْ لم يلابس، خلافًا للمعتزلة فيمن قاتل عليًّا ﵁] (^٢).
وأفضل الصَّحابة رضوان الله عليهم أجمعين على الإطلاق أبو بَكر، ثم عُمر، ثم عُثمان، ثم عَليّ، بإجماع الصَّحابة (^٣) وأهل السُّنَّة في الأوَّلَين، وجمهور أهل السنَّة في الآخرَيْن، وقدَّم طائفة من أهل السُّنَّة عليًّا على عُثمان، منهم الثَّوري أوَّلًا (^٤)، ثم رجع إلى تقديم عُثمان.
قال أبو منصور البغدادي: أصحابنا مجمعون على أنَّ أفضلهم على الإطلاق الخلفاء الأربعة، ثم تمام العشرة، ثم أهل بدر، ثم أهل أُحد، ثم أهل بيعة الرضوان، ومن له مزيَّة من أهل العقَبَتَيْن من الأنصار، والسَّابقون الأوَّلون وهم من أهل القِبْلَتين، في قول ابن المسيِّب وطائفة (^٥)، وفي قول الشَّعبي: أهل بيعة الرُّضوان (^٦)، وفي قول محمَّد بن كعب وعطاء: أهل بدر (^٧).
_________________
(١) أ: يعتدّ.
(٢) ساقطة من: ع.
(٣) ساقطة من: ض، أ.
(٤) ساقطة من: ع.
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٧)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٨٦٨).
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٦)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٨٦٨).
(٧) رواه ابن عبد البر في "الاستيعاب" (١/ ١٤).
[ ١ / ١٢٤ ]
وأوَّل الصَّحابة إسلامًا من الرجال الأحرار أبو بكر، ومن الصِّبيان عليٌّ، ومن النِّساء خديجة، ومن الموالي زيد، ومن العَبِيد بلال.
قال أبو طالب المكِّي في "قوت القلوب" في ذكر فضل علم المعرفة على سائر العلوم من الفصل الثلاثين: "قبض رسول الله ﷺ عن ألوف من صحابته، كلِّهم علماء باللَّه تعالى، فقهاء عن الله ﷿ أهل رضوان من الله تعالى، ولم يُنصِّب أحدٌ (^١) نفسه للفتيا، ولا حُملت عنه الأحكام والقضايا إلا بضعة عشر رجلًا.
[وكان ابن عُمَر إذا سُئل عن الفتيا، قال: اذهب إلى الأمير الذي تقلَّد أمور النَّاس فضَعْها في عنقه. وروِّينا ذلك عن أنس بن مالك، ثم جماعة من الصَّحابة والتَّابعين بإحسان. وكان ابن مسعود ﵁ يقول: إن الذي يفتي الناس في كل مسألة يستفتونه لَمجنون. وكان ابن عمر ﵁ يُسئل عن عشر مسائل فيجيب عن مسألة، ويسكت عن تسعة. وكان ابن عباس ﵁ على ضد ذلك، كان يُسئل عن عشرة فيجيب عن تسعة، ويسكت عن واحدة، وكان من الفقهاء من يقول: لا أدري أكثر من أن يقول: أدري"، إلى هنا من "قوت القلوب" (^٢).
واعلم أنَّ الصَّحابة ﵃ على ثلاث طبقات، منهم المكثرون فيما يروي عنهم من الفتيا، ومنهم المتوسِّطون في الفتيا، ومنهم المقلُّون فيها.
قال عبد القادر في "فوائد الجواهر المضية": والمكثرون من الصَّحابة ﵃ فيما يروي عنهم من الفُتيا: أم سَلَمة أم المؤمنين، أنس بن مالك، أبو سعيد الخُدْري، أبو هريرة، عُثمان بن عفَّان، عبد الله بن عَمْرو بن العاص،
_________________
(١) ساقطة من: ض، ع.
(٢) انظر: "قوت القلوب" للمكي (١/ ٢٢٨).
[ ١ / ١٢٥ ]
عبد الله بن الزُّبير، أبو موسى الأشعري، سَعد بن أبي وقاص، سَلمان الفارسيِّ، جابر بن عبد الله، معاذ بن جبَل، أبو بكر الصِّديق، فهؤلاء ثلاث عشرة يمكن أن يُجمَع من فتيا كلِّ واحد منهم جزءٌ صغير جدًّا.
ويضاف إليهم طَلحة بن الزبير، عبد الرَّحمن بن عوف، عِمران بن الحُصين، أبو بَكْرَة، عُبادة بن الصَّامت، معاوية بن أبي سفيان، فهؤلاء سبعة.
والباقون منهم ﵃ مقلُّون في الفتيا جدًّا، لا يُروَى عن الواحد منهم إلا المسألة والمسألتان، والزِّيادة اليسيرة على ذلك فقط، يمكن أن يجمع من فتيا جميعهم جزء صغير فقط بعد البحث، وهم: أبو الدَّرداء، وأبو عُبيدة بن الجراح، وسَعيد بن زَيد، وأُبَيُّ بن كَعب، والحَسَن والحُسَين ابنا عليٍّ، وأُسامَة بن زَيد، وأبو ذرٍّ، وعتَّاب بن أَسِيْد، إلى عدة في الجواهر مئة وأربعة وعشرين صحابيًّا رضي الله تعالى عنهم، فكلٌّ مِنْ هؤلاء المقلِّين في الفتيا لا شكَّ أنَّه أفتى أهله وجيرانه وقومه] (^١).
ووظيفة كتابنا هذا ذكر أعلام الأخيار من فقهاء الأعصار من الصَّحابة، والتَّابعين، والسَّلف الصَّالحين، والأئمة المجتهدين، والفقهاء المتقدمين والمتأخرين، أبقاهم الله وأمثالهم إلى يوم الدِّين، فبذكر (^٢) المكثرين والمتوسطين من الصَّحابة في هذا الكتاب -رضوان الله تعالى عليهم أجمعين- يكمل الغرض والفائدة، وتحصل الجدوى والعائدة.
واعلم أنَّ أصحاب رسول الله ﷺ لما كانوا بشرف صحبته سالمين عن الطَّعن، وببركة خدمته خالصين عن شَوْب الشَّيْن، تقلَّدوا القضاء واختاروه (^٣)،
_________________
(١) ساقطة من: ع.
(٢) أ: فنذكر.
(٣) ساقطة من: ع.
[ ١ / ١٢٦ ]
وكذا سادات التَّابعين تقَّلدوا لقرب عهدهم إلى النبيِّ ﷺ، وتشرفهم (^١) بصحبة الأصحاب ﵃، فأمَّا أئمتنا ومشايخنا وأسلافنا لما شاهدوا الاضطراب في بني العبَّاس، وعاينوا الاختلال في أحوال النَّاس، خافوا من أن لا يُوفَى حق القضاء، فاختلفوا في أمره وترددَّوا؛ فمنهم من دُعي إليه فقبله (^٢)، (وأوفى حقَّه) (^٣)، ومنهم من ضُرِبَ عليه فلم يقبل حتى قضى نحبه (^٤)، ولقي ربه؛ ومنهم من اختفى وهرب، ومنهم من حُبس واضطرَّ فرغب.
والآن بحمد الله المنَّان (^٥)، سيق كُمَيْت الكلام، وعنان الأقلام، إلى كَتْب كتيبة أعلام الأخيار من خيار أصحاب النبيِّ المختار عليهم رضوان الله الملك الغفَّار.
* * *
_________________
(١) أ: ولشرفهم.
(٢) ض: فأقبله.
(٣) ساقطة من: ع.
(٤) أ: عليه.
(٥) ساقطة من: ع.
[ ١ / ١٢٧ ]