الحمدُ لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، رسولنا محمّدٍ وعلى آله وصحبه ومن تبِعَهُ بإحسان إلى يوم الدين أمّا بعد،
فيمتلِكُ الفكرُ الإسلاميُّ تاريخًا غنيًّا في مختلف مجالات العلم والمعرفة والحكمة. وإنَّ العديدَ من الآثار القيّمةِ المكتوبةِ فى أحدِ هذه المجالات، موجودٌ اليوم في عددٍ من مكتبات العالم على شكل مخطوطات تنتظر اهتمام الباحثين. ولكن هنالك العديد من المشكلات والعقبات التي يواجهها الباحثون من حين إلى آخر في عملية البحث؛ كالمشاكل التصنيفية، أو القيود التقنية والبيروقراطية، فضلًا عن أنّ صعوبةَ الذَّهابِ أو الوصول إلى المكتبات جعلت الاستفادة محدودة من هذه الآثار. لذلك فإنّ الطريق الوحيد لتجاوز هذه العقبات هو النشر العلمي لهذه المخطوطات. وهنا تَجدر الإشارة إلى أنه في السنوات الأخيرة اتُّخِذَتْ خطوات واعدة في هذا الاتجاه.
ويُعدُّ "كتائبُ أَعلام الأَخيار" الذي ألّفهُ العالِمُ العثمانيُّ مَحْمُود الكَفَوِيُّ، من أغنى كتبِ التراجم الحنفيّة. ونظرًا لما يتميّز به هذا الكتاب فسيكون من المصادر التي يلجأ إليه الباحثون بِكثرةٍ، ومن مزاياه أن المؤلف عاش في فترة متأخرة، ورجع
[ ١ / ٥ ]
إلى مصادر متنوعة سابقة، وتناول حياة العلماء حتى عصره؛ وهذا منحَ الكتابَ زيادةً في المحتوى، وغنًى في المصادر السابقة.
وعندما يتناول المؤلف سيرة العالِم في كتابه فإنه لا يسرد السيرة بشكل مَحْضٍ، بل يزوّدها بأحداث تاريخية مهمة. وفي هذا السياق، فإن المؤلف لا يكتفي بكتب الطبقات فقط، وإنما يستفيد من مصادر فقهية أخرى. فعلى سبيل المثال، عند ذكره آراء لعالمٍ أسهم في الفكر الحنفي فإنه يرجع في نفس الوقت الى مصادر الفروع التي كتبها هذا العالِم؛ لإثراء كتابه.
بالإضافة إلى أن هذا الكتاب يُزوّد الباحثين - في مجالات الحياة الرسمية والاجتماعية - بمعلوماتٍ مُهمّةٍ عن رواتب العلماء في الدولة العثمانية، وعلاقاتهم بالمؤسسات السياسية. وجديرٌ بالذِّكر أنَّ هذا الكتاب يتميز عن كتب الطبقات التقليدية الأخرى بخصائص عِدّة؛ فقد تناول بعض القضايا الفقهية، ونَقَلَ معلوماتٍ عن الثّقافة الصوفية، وركّزَ على القيم الأخلاقية وأَظْهَرَ اِمْتِعَاضَهُ من الابتعاد عنها.
ومن أهداف كتابة هذا الكتاب أيضًا أنه يتناول حياة العالِم، والعلاقة بين الأستاذ والتلميذ من خلال العودة إلى الوراء بتسلْسُل زمنيٍّ مُتّصلٍ وبلا انقطاع، وصولًا إلى إمام المذهب أبي حنيفة النعمان. لذلك فإنَّ "الكتائب" هو عمل مرجعيٌّ مهمٌّ في تاريخ الكتابة الفقهية من جهة، ومن جهة أخرى كنز ثمين من حيث إظهار مدى قوة البنية التي يستند عليها التُّراث العلميٌّ الإسلاميٌّ.
لقد تمكّنت الحياة العلميّة عند المسلمين من المحافظة على كيانها بشكل مستمرٍّ ومتجدِّدٍ في جميع البلاد الإسلامية، وبطريقة منضبطة دون أن تتأثر بالتّهديدات الخارجية كالغزو أو الضغط السياسي وغير ذلك.
[ ١ / ٦ ]
وبِنَاءً على ما سبقَ فقد تابعت لجنة التحقيق دراساتها من أجل تقديم "كتائب أَعلام الأَخيار" لمَحْمُود الكَفَوِيِّ، للباحثين في ميدان العلم، وأكملتْ نشره من خلال الاطّلاع على خمس عشرة نسخة من مخطوطاته.
نرجو من الله تعالى الرحمة الواسعة للمؤلف، ونتمنّى أن يكون هذا العمل مفيدًا في ميدان العلم.
المحققون
* * *
[ ١ / ٧ ]