يوضح الكَفَويُّ سببَ تأليفه للكتائِبِ قائلًا: ولقد كنَّا في أثناء بعض اللَّيالي من أوقاتنا في بعض الزَّمان الخالي، نسامُ بأهالي البلاد والأقاصي، الَّتي كنَّا نكون بها القاضي، ونجوِّد ما جنيناه في طيب أيامنا المواضي، من ثمراتِ أفانين العلوم على أهل النَّادي، فكلَّما انساق عَنان الكلام في بِيْدِ بيان الفقهاء وشيوخ الإسلام إلى مرويَّات الأئمَّة الحنفيَّة ومحكيَّات المشايخ الحنيفيَّة، وجدنا أكثرهم غافلين عن أصحابنا القائلين بما كانوا به، عاملين، لا يفرِّقون التِّلميذ عن الأستاذ، ولا يميِّزون ذوي التَّقليد عن أهل الاجتهاد، فحثُّوني على كَتْبِ "كتائب أعلام الأخيار وطبقات ذوي الفُتيا وقضاة الأعصار".
قسَّمَ الكَفَوِيُّ مَدْخل كتابه الَّذي أهداه للسُّلطان مراد الثَّالث إلى أربعة عناوين: العنوان، والبرهان، والأركان، والسُّلطان.
[ ١ / ١٣ ]
وقام الكَفَويُّ ضمن العنوان الأول بإعطاء المعلومات المتعلِّقة بالاجتهاد، والأئمَّة المجتهدين، وتصنيف علماء الحنفيَّة من حيث كفاءتِهم الاجتهادَّية.
وضِمْنَ العنوانِ الثَّاني يقومُ بشرح بعض المفرداتِ، مثل: الدِّين، والهداية، والفقه، والحكمة، والملَّة، والشَّريعة، والفطرة.
وضِمْنَ العنوان الثَّالث يتناول موضوع الرَّسول والأنبياء، ابتداءً من آدم ﵇، حتَّى نبيِّنا محمَّد ﷺ.
وأمَّا العنوان الأخير فيتناوُل الإدارةَ والتَّشريع في زمن النَّبي ﷺ، وتقييم تصرُّفات الرَّسول ﷺ من النَّاحية التَّشريعيَّة، كما يتناولُ معلوماتٍ عن علم الأصول والفروع، وعن علماء الصَّحابة ﵃.
ثمَّ يذكر أئمَّة الأصحاب، والتَّابعين، والمجتهدين ضمن أقسام مستقلَّة، ومن ثمَّ يقوم بتقسيم فقهاء الحنفيَّة إلى اثنين وعشرين قسمًا، ونَقْلِ سيرةِ كلِّ واحدٍ منهم ضمن طبقته، وكما يذكرُ أيضًا بعدَ كلِّ قسم الأولياءَ والصَّالحين المشهورين الَّذين عاشوا في ذلك الوقت.
يقول اللَّكنويُّ عن "الكتائب" في مقدمة كتابه "الفوائد البهيَّة في تراجم الحنفيَّة": "ثم ظَفِرْتُ بطبقاتِ الكَفَويِّ المسمَّاة بكتاب "أعلام الأخيار" لمحمود بن سليمان الكَفَويِّ، فوجدْتُه أحسنَ كتابٍ صُنِّف في هذا الباب؛ فيه فوائدُ كثيرةٌ نافعةٌ لأولي الألباب، قد ذكرَ فيه مشاهير الحنفيَّة من عصر الإمام إلى عصره، مع ذكر سلاسل تلامذتهم ووفيَّاتهم ومواليدهم وتصنيفاتهم وآثارهم وحكاياتهم، وأورد في ترجمة كلِّ فقيه فوائدَ من تصانيفهم، وفرائدَ من تآليفهم، ورتَّبه على كتائبَ عديدةٍ، وأورد في كلِّ كتيبةٍ تراجمَ جماعةٍ غفيرة، وختم كلَّ كتيبةٍ بذكْرِ جماعةٍ من الأولياء
[ ١ / ١٤ ]
والصُّلحاء الَّذين بذكرهم تنزل الرَّحمة، وتندفع النِّقْمة، فلخَّصْتُ من كتابه تراجم الفقهاء، من دون حذف ما يتعلَّق بها، حاذفًا الفوائدَ الَّتي لا تتعلق بها، وتركْتُ ذكر الأولياء والصُّلحاء؛ لما أنَّ التَّصانيف في أحوالهم قد كثرت، والدَّفاتر في أخبارهم قد اشتُهرَتْ … الخ".
كما تناول الكَفَويُّ حياة أئمةِ المذاهبِ الأربعة، ونادرًا ما تناول الكتَّاب سِيَرَ علماءَ كبارٍ ينتسبون إلى مذاهب أخرى، مثل: أبي الحسن الأشعريِّ (ت. ٣٢٤/ ٩٣٥ - ٦)، والغزاليِّ (ت. ٥٠٥/ ١١١١)، وفخر الدِّين الرَّازيِّ (ت. ٦٠٦/ ١٢١٠).