قال الله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨١]؛ أي: بعض مَنْ خلقْنا، أو بعض ممَّنْ خلقْنا طائفة يهدون النَّاس ملتبِّسين بالحقِّ، أو يهدونهم بكلمة الحقِّ، ويدلُّونهم على الاستقامة، وبالحقِّ يعدلون، يحكمون في الحكومات الجارية فيما بينهم، ولا يجورون فيها.
عن النَّبي ﷺ: "إِنَّ مِنْ أمَّتي قومًا على الحقِّ حتَّى ينزلَ عيسى" (^٥)، وروي: "لا
_________________
(١) ع: العدل.
(٢) أ: مهمازهم.
(٣) ع: (وقد قربه الله المولى العزيز بإرشاده).
(٤) ع: يستقصي.
(٥) رواه البُخاري في "التاريخ الكبير" (١٤٦٨)، وأبو يعلى (٢٠٧٨) من حديث جابر ﵁؛ قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ٥٦٤): رواه أبو يعلى، وفيه موسى بن عبيدة، وهو متروك. ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٦٢٣)، والثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٣١١) من حديث الربيع بن أنس يرفعه. ورواه الإمام أحمد في "مسنده" (٤/ ٤٢٩) من حديث عمران بن حصين ﵁، =
[ ١ / ٤٦ ]
تزالُ من أمَّتي طائفةٌ على الحقِّ إلى أن يأتيَ أمرُ الله"، وروي: "لا تزالُ من أمَّتي قائمةٌ بأمرِ اللهِ لا يضرُّهم من خذلَهم ولا مَنْ خالَفهم حتَّى يأتيَ أمرُ اللهِ وهم ظاهرون" (^١).
وفيه من الدِّلالة على صحَّة الإجماع ما لا يخفى، والاقتصار على نعتهم بهداية النَّاس (^٢) للإيذان بأنَّ اهتداءَهم في أنفسهم أمرٌ محقَّقٌ، غنيٌ عن التَّصريح به، كذا قاله شيخ الإسلام العمادي في "إرشاده".
قال البيضاوي: ذكر هذه الآية بعد ما بيَّن أنَّه خلق للنَّار طائفة ضالِّين ملحدين عن الحقِّ للدِّلالة على أنَّه خلق أيضًا للجنَّة أمَّة هادين بالحقِّ عادلين في الأمر.
واعلم أنَّ الهداية بكلمة الحقِّ والدِّلالة على الاستقامة والعدالة بالحقِّ في الحكومات الجارية بين الخلق وعدم الجور فيها لا يتيسَّر إلَّا بتكلُّف الفقاهة في الدِّين وتجشي مشاقَّ تحصيلها، وهو من فروض الكفاية، بدلالة قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢].
عن الكَلْبي رحمه الله تعالى: لما أنزل الله عيوب المنافقين وبيَّن نفاقهم في غزوة تبوك قال المؤمنون: والله لا نتخلَّف عن غزوة يغزوها رسول الله ولا سريَّة (^٣) أبدًا. فلمَّا قدم الرَّسول ﷺ المدينة وأمر بالسرايا نَفَرَ المسلمون جميعًا وتركوا رسول الله
_________________
(١) = وهو عند أبي داود (٢٤٨٤) لكن بلفظ: "حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال". وانظر: "تخريج أحاديث الكشَّاف" للزيلعي (١/ ٤٧٤).
(٢) رواه البُخاري (٧٣١١)، ومسلم (١٩٢١).
(٣) ع: الله.
(٤) ض، ع: سريته.
[ ١ / ٤٧ ]
ﷺ وحدَه بالمدينة، فنزلَت الآية؛ يعني: ما صحَّ وما استقام للمؤمنين أن ينفروا جميعًا لنحو غزوٍ أو طلب علمٍ، فإنَّ ذلك مخلٌّ بأمر المعاش.
فهلَّا نفرَ مِنْ كلَّ طائفةٍ كثيرة لأهل (^١) بلدة أو قبيلة عظيمة جماعةٌ قليلةٌ (ليتكلَّفوا الفقاهة) (^٢) في الدِّين ويتجشَّموا مشاقَّ تحصيلها، وليجعلوا غاية تحصيلهم ومَرمَى غرضهم من ذلك إنذار قومهم وإرشادهم إذا رجعوا إليهم.
وتخصيصُه بالذِّكْرِ لأَنَّه أهمُّ، وفيه دليل على أنَّ التَّفقُةَ في الدِّين من فروض الكفاية، وأن يكون غرض المتفقِّه الاستقامة والإقامة، لا التَّرفُّع على العباد، والتَّبسُّط في البلاد، والتَّرؤُّس والتَّصدُّر.
(وفي "التيسير": التَّفقُّه: التَّفعُّل من الفقه، وهو طلبه وتحصيله) (^٣)، والفقه: فهم موجبات المعاني المضمَّنة فيها من غير تصريح بالدِّلالة عليها.
وذكرَ فخرُ الإسلام علي (^٤) البَزْدَوي في "أصوله": الفِقْه على ثلاثة أقسامٍ: علمِ المشروع بنفسه، والثَّاني إتقان المعرفة به، وهو معرفة النُّصوص بمعانيها وضبط الأصول بفروعها، والقسم الثَّالث وهو العمل به حتى لا يصير نفسُ العلم مقصودًا، فإذا تمَّتْ هذه الأوجه كان فقيهًا.
وقد دلَّ على هذا المعنى أنَّ الله تعالى سمَّى علم الشَّريعة حكمة، فقال: ﴿يُؤْتِي
الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]. فقد فسَّر
_________________
(١) أ: كأهل.
(٢) ع: ليتفقهوا.
(٣) ساقطة من: ع.
(٤) ساقطة من: ع.
[ ١ / ٤٨ ]
ابن عباس ﵁ الحكمة في القرآن بعلم الحلَّال والحرام. وقال ﷾: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥]؛ أي: بالفقه والشَّريعة.
والحكمة في اللُّغة: عبارة عن العلم والعمل. وكذلك موضع اشتقاق هذا الاسم - وهو الفقه - دليلٌ عليه، وهو العلم بصفة الإتقان مع اتِّصال العمل به، فمن حَوَى هذه الجملة كان فقيهًا مطلقًا، وإلَّا فهو فقيهٌ من وَجْهٍ دون وجهٍ.
وقد نَدَبَ الله تعالى إليه بقوله: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] وصفهم بالإنذار وهو الدَّعوة إلى العلم والعمل. وقال النَّبيُّ ﷺ: "خيارُكم في الجاهليةِ خيارُكم في الإسلام إذا فَقُهوا" (^١)، وقال: "إذا أرادَ اللهُ بعبدٍ خيرًا يفقِّهْه في الدِّين" (^٢)، إلى هنا كلام البَزْدَوي.
والدِّين، والملَّة، والشَّريعة، والمنهاج، والإسلام، والحنِيفيَّة (^٣)، والسُّنة، والجماعة؛ فإنَّها عبارات وَرَدَت في التَّنزيل الجليل، ولكلِّ واحد منها معنًى يخصُّها، وحقيقةُ توافقها لغةً واصطلاحًا.
قال المولى التَّفْتَازَانِي في "حاشية الكشَّاف" (^٤) في آخر سورة الأنعام، في تفسير قوله تعالى: ﴿دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [الأنعام: ١٦١]: الدِّين هو الطَّريقة المخصوصة الثَّابتة من النَّبيِّ ﷺ، من حيث الانقيادُ له دينًا، ومن حيث يملي ويبيِّن للنَّاس ملَّةً،
_________________
(١) رواه البُخاري (٣٣٧٤)، ومسلم (٢٣٧٨) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) رواه البُخاري (٧١)، ومسلم (١٠٣٧) من حديث معاوية بن أبي سفيان ﵄.
(٣) أ: والحنفيَّة.
(٤) أ: (حاشيته على الكشَّاف).
[ ١ / ٤٩ ]
ومن حيث بيَّنها الله تعالى أو من حيث يَرِدُها الواردونَ المتعطِّشون إلى زُلال نيلِ الكمال شرعًا وشريعةً. والدِّين يضافُ إلى اللهِ وإلى النَّبي ﷺ وإلى آحاد الأمَّة، والمِلَّة إلى النَّبيِّ ﷺ وإلى آحاد الأمَّة وكذا الشَّريعة.
وقال السيِّد الشَّريف في "حاشية العضد": اعلم أنَّ الدِّين وضعٌ إلهيٌّ سائقٌ (^١) لأولي الألباب باختيارهم المحمود إلى الخير بالذَّات، ويتناول الفروع والأصول، وقد يُخَصُّ بالفروع، والإسلام هو هذا الدِّين المنسوب إلى محمَّد ﷺ، المشتمل على العقائد الصَّحيحة والأعمال الصَّالحة، فالإضافة في (دين الإسلام) بيانيَّة. إلى هنا كلام الشَّريف.
اعلم أنَّ الإنسان إذا اعتقد عقدًا أو قال قولًا؛ فإمَّا أنْ يكون مستفيدًا من غيره بأنْ يتفكَّرَ في حقِّه وباطله، وصوابِ القول فيه وخطئِه، ويكون فيه على بصيرةٍ ويقينٍ، أو مستبدًّا (^٢) برأيه، فالمستفيد من غيره مسلمٌ مطيعٌ، والدِّين هو الطَّاعة، والتَّسليم هو التَّديُّن، والمستبدُّ برأيه محدثٌ مبتدعٌ، وربَّما يكون المستبدُّ مستنبطًا مما استفاده، على شرط أن يعلم موضع الاستنباط وكيفيَّته، فحينئذ لا يكون مستبدًّا حقيقةً؛ لأنه حصَّل العلم بقوَّة تلك الفائدة.
فالمتديِّنُ هو المسلمُ المطيعُ المقرُّ بما جاء من عند الله إلى رسوله، وبما جاء من عند الرَّسول إليه. والإسلام هو التَّوحيد والتَّدريج بالشَّرع الَّذي جاء به محمَّد ﷺ.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]؛ أي: الدِّين الحقُّ
_________________
(١) ض: سابق.
(٢) أ: مستندًا.
[ ١ / ٥٠ ]
والمرضيُّ هو الإسلام. (وقال تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [سورة المائدة: ٣]، اختَرْتُه لكم من بين الأديان) (^١).
فالدِّين أعمُّ من الإسلام، والإسلام: الاستسلام، وهو الإخلاص أيضًا، وهو في الحقيقة جعل كلِّ الأشياء الله تعالى لا شريك له فيها. ولَمَّا كان نوع الإسلام محتاجًا إلى اجتماعٍ مع آخر من بني جنسه في إقامة معاشه والاستعداد لمِعاده، وذلك الاجتماع يجب أن يكون على شكلٍ يحصل به التَّمانع والتَّعاون حتى يحفظ بالتَّمانع ما هو له، ويحصل (^٢) بالتَّعاون ما ليس له، فصورة الاجتماع على هذه الهيئة هي الملَّة، والطَّريق الخاصُّ الَّذي يوصل إلى هذه الهيئة هو المنهاج، والشَّرع، والسُّنة، والإتقان على تلك السُّنَّة هو الجماعة، قال سبحانه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨].
ولن يُتَصوَّرَ وَضْعُ الملّة وشَرْع (^٣) الشِّرعة إلا بواضعٍ شارعٍ، يكون مخصوصًا من عند الله تعالى بآيات تدلُّ على صدقه، وربما تكون الآية متضمِّنة في نفس الدَّعوى، وربما تكون متأخِّرة، وربما تكون ملازمة.
والشَّريعة ابتدأَتْ من نوحٍ ﵇، قال الله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣]، والحدود والأحكام ابتدأَتْ من آدم، وشيث (^٤)، وإدريس ﵈، وخُتِمَتِ الشَّرائع والملِّل والمناهج والسُّنن بأكملِها
_________________
(١) ساقطة من: ع.
(٢) ع: ويحفظ.
(٣) ع: ووضع.
(٤) أ، ع: شيت.
[ ١ / ٥١ ]
وأتمِّها حُسْنًا وجمالًا بشريعة (^١) نبيِّنا محمَّد ﷺ، قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]؛ أي: أكملْتُ بالنَّصر والإظهار على الأديان كلِّها، أو بالتَّنصيص على قواعد العقائد، والتَّوفيق على أصول الشَّرائع وقوانين الاجتهاد، وأتممتُها (^٢) بفتح مكَّة ودخولها آمنين ظاهرين، وهدم منار الجاهلية ومناسكها، والنَّهي عن حجِّ المشرك وطواف الزِّيارة، أو بإكمال الدِّين والشَّرائع، أو بالهداية والتَّوفيق، واخترتُه لكم من بين الأديان، وهو الدِّين عندَ الله تعالى لا غير.
وقد قيلَ: خُصَّ آدم ﵇ بالأسماء، وخُصَّ نوحٌ ﵇ بمعاني تلك الأسماء، وخُصَّ إبراهيم ﵇ بالجمع بينهما، ثم خُصَّ موسى ﵇ بالتَّنزيل، وخُصَّ عيسى ﵇ بالتَّأويل، وخُصَّ نبيُّنا محمَّد ﷺ بالجمع بينهما، على ملَّة أبيه إبراهيم ﵇، وهي الملَّة الكبرى والحنيفيَّة السَّمحاء، فإنَّ دعوة الأنبياء ﵈ بعد إبراهيم الخليل لم تكن في العموم كالدَّعوة الخليليَّة، ولم يثبتْ لهم من القوَّة والشَّوكة والمَلْك والسَّيف مثل الملَّة الحنيفيَّة؛ إذ (^٣) كانت ملوك العجم كلُّها على ملَّة إبراهيم، وجميع من كان في زمان كلِّ واحد منهم من الرَّعايا في البلاد على أديان ملوكهم، وكأنَّ ملوكُهم مرجع مؤيَّد، إنَّ أعلمَ العلماء، وأقدمَ الحكماء لا يصدُّرون [إِلَّا] عن أمرِه، ولا يرجعون إلَّا إلى رأيه، وكان دعوة بني إسرائيل أكثرها في بلاد الشَّام وما وراءها من المغرب، وقلَّما سرى إلى بلاد العجم.
_________________
(١) أ: شريعة.
(٢) أ: وأتممها.
(٣) ع: إذا.
[ ١ / ٥٢ ]
وكانت الفِرَقُ في زمن الخليل راجعةً إلى صنفَيْن؛ أحدهما الصَّابئيَّة، والثَّاني الحنفاء، فالصَّابئيَّة كانت تقول: إنما نحتاج في معرفة الله تعالى ومعرفة طاعته وأوامره وأحكامه إلى متوسِط، لكنَّ ذلك المتوسِط يجب أن يكون روحانيًّا لا جسمانيًّا، وذلك ينبغي أن يكون أزكى الرُّوحانيَّات وأطهرها وأقربها من ربِّ الأرباب، والجسمانيُّ بشرٌ مثلُنا يأكل ما نأكل، ويشربُ ما نشرب، يماثلنا في المادَّة والصُّورة، قالوا: ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٤].
والحنفاء تقول: إنما نحتاجُ في معرفة الله تعالى وطاعته إلى متوسِطٍ من جنس البشر، تكون درجتُه في الطَّاعة والعصمة فوق الرُّوحانيَّات، يماثلُنا من حيث البشريَّة (^١)، ويمايزُنا من حيث الرُّوحانيَّة، فيُلْقى إليه الوحيُّ بطرف الرُّوحانيَّة، ويُلْقَى الوحيُّ إلى نوع الإنسان بطرف البشريَّة، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الكهف: ١١٠، فصلت: ٦]، وقال تعالى: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٣].
ثمَّ لَمَّا لمْ يتطرَّق للصَّابئيَّة الاقتصار على الرُّوحانيات التَّحتيَّة، والتَّقرب إليه بأعيانها، والتَّلقي منها بذواتها؛ استغاثَتْ وفزعَتْ جماعةٌ إلى هياكِلها، واتخذوا وسائط إليها، وهي السَّيَّارات السَّبع وبعض الثَّوابت، فصابئة الرُّوم مفزعها السَّيَّارات، وصابئة الهند مفزعها الثَّوابت، وربَّما نزلوا عن الهياكل إلى الأشخاص الَّتي لا تَسْمعُ ولا تُبْصُر ولا تغني عن الإنسان شيئًا، والفرقة الأولى: هم عبدة الكواكب، والثَّانية: هم عبدة الأصنام.
وكانَ الخليلُ ﵇ مكلَّفًا (^٢) بكسر المذهبين على الفرقتين، وتكليف
_________________
(١) ع: البشريات.
(٢) أ: تكلف.
[ ١ / ٥٣ ]
الحنيفيَّة السَّهلة السَّمحة، فاحتج على عبدة الأصنام قولًا وفعلًا، وكسرًا من حيثُ القول، وكسرًا من حيثُ الفعل، فقال لأبيه كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً﴾ [الأنعام: ٧٤]، ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢]، وقال: ﴿… مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٢]، ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧) فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ إلى أن: ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ (٦٢) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥) قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [سورة الأنبياء: ٦٢ - ٦٧]. وذلك إلزامٌ من حيثُ القولُ والفعلُ، وإقحامٌ من حيثُ التَّكسُّر على عبدة الأصنام.
واحتجَّ الخليل ﵇ أيضًا على عبدة الكواكب، كما قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩) وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ﴾ … [الأنعام: ٧٥ - ٨٠]، وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ [الأنعام: ٨٣]؛ يعني: كما آتيناه الحُجَّة كذلك نُريه الحجَّة، فساق الإلزام على أصحاب الهياكل مساقَ الموافقة في المبدأ والمخالفة في النِّهاية؛ ليكون الإلزامُ أبلغَ، والإقحامُ أقوى، وإلَّا فإبراهيم ﵇ في قوله: ﴿هَذَا
[ ١ / ٥٤ ]
رَبِّي﴾ لم يكن شاكًّا، كما لم يكن في قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ كاذبًا، وسَوْقُ الكلام على جهة الإلزام غيرٌ، وسَوْقُه على جهة الالتزام غيرٌ، فإنَّ منْ دأبِ المجادل المستدلِّ على فساد قولِ خصمه أن يحكيَ قولَه كما هو غير متعصِّبٍ لمذهبه، ثمَّ يكرَّ عليه بالإبطال، ولعلَّ ذلك أدعى إلى الحقِّ، وأنجى من الشَّغبِ.
قال شيخ الإسلام العمادي (^١) في "الإرشاد": ولعلَّ سلوكَ هذه الطَّريقة في بيانِ استحالة ربوبيَّة الكواكبِ دونَ بيان استحالة آلهيَّة الأصنام لما أنَّ هذا أخفى بطلانًا واستحالةً من الأوَّل، فلو صَدَع بالحقِّ مِنْ أوَّلِ الأمر كما فعله في حقِّ عبادة الأصنام لتمادوا في المكابرة والعِناد، ولجُّوا في طغيانهم يَعمهون. انتهى.
فلمَّا أظهر (^٢) الحجَّة وبيَّن المحجَّة قرَّر الحنيفيَّة الَّتي هي الملَّة الكُبْرى والشَّريعة العُظمى، وأبطلَ مذهب الصَّابئة الَّذي هو زيغٌ في القُلوب واتِّباع الهوى، يُقال: صَبا الرَّجل: إذا زاغَ، فيحكم بميل هؤلاء عن سَنَنِ الحقِّ، وزَيغهم عن نهج الأنبياء = قيل لهم: الصَّابئيَّة.
وقد يقال: صَبا الرَّجل: إذا عشقَ وهَوِيَ، وبيَّن أنَّ الفطرةَ هي الحنيفيَّة، وأنَّ الطَّهارة فيها، وأنَّ الشَّهادة بالتَّوحيد مقصورة عليها، وأنَّ النَّجاة والخَلاصَ متعلِّقة بها، وأنَّ الشَّرائع والأحكام مَشارعُ ومناهج عليها، وأنَّ الأنبياء والرُّسل ﵈ مبعوثون بتقريرها وتقديرها، وأنَّ الفاتحة والخاتمة مَنوطةٌ بتحصيلها وتخليصها وتحريرها، ذلك الدِّين القيِّم، والصِّراط المستقيم، والمَنْهج الواضِح،
_________________
(١) هو المشهور بأبي السعود، و(الإرشاد) تفسيره المعروف بتفسير أبي السعود، واسمه كاملًا: "إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم".
(٢) ض: ظهر. ع: ظهرت.
[ ١ / ٥٥ ]
والمَسْلَك اللائح، قال الله تعالى لرسوله المصطفى ونبيِّه المجتبى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [سورة الروم: ٣٠ - ٣٢].
الفطرةُ الخِلْقة؛ أي: عليكم فطرة الله، أو الزموا فطرة الله، فالخطابُ للكلِّ كما يُفْصِحُ عنه قولُه تعالى: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾، والإفراد في ﴿فَأَقِمْ﴾ لما أنَّ الرَّسولَ ﷺ إمامُ الأمَّة، فأمرُه ﷺ مستتبع لأمرِهم، وقوله تعالى: ﴿الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ صفةٌ لفطرة الله، مؤكدةٌ لوجوب الامتثال بالأمر، فإِنَّ خَلْقَ اللهِ تعالى النَّاس على فطرته، الَّتي هي عبارة عن قبولهم للحقِّ، وتمكُّنِهم من إدراكِه (^١)، أو على ملَّة الإسلام = من موجِبات لزُومها والتَّمسُّك بها قطعًا، فإنَّهم لو خُلُّوا وما خُلِقوا عليه أدَّى بهم إليها، وما اختاروا عليها (^٢) دينًا آخر، ومَنْ غَوى منهم فبإغواءِ شياطينِ الإنسِ والجنِّ.
ومنه قوله ﷺ حكاية عن ربِّ العزَّة: "كلُّ عبادي خلقْتُ حنفاءَ، فاجتالَتْهم الشَّياطين، وأمروهم أنْ يُشركوا بي غيري" (^٣)، وقوله ﷺ: "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى
_________________
(١) أ: إدراكهم.
(٢) أ: عليه.
(٣) رواه مسلم، (٢٨٦٥) بلفظٍ مقارب من حديث عياض بن حمار ﵁. قال النَّووي في "المنهاج": قوله: "وإنّهم أتتهم الشَّياطين فاجتالتهم عن دينهم" هَكذا هو في نسخ بلادنا (فاجْتَالَتْهُمْ) بالجيمِ، وكذا نقله القاضي عن رواية الأكثرين، وعن رواية الْحافظ أَبي عليّ الغسَّاني (فَاخْتَالَتْهُمْ) بالخاء المعجمة. قال: والأوَّل أصحّ وأوضح، أي: استخفُّوهم فذهبوا بهم وأزالوهم عمَّا كانوا عليه، وجالوا معهم في الباطل. شرح النووي على صحيح مسلم، ١٧: ١٩٧.
[ ١ / ٥٦ ]
الْفِطْرَةِ، حتَّى يكون أبواه هما اللَّذين يهوِّدانه أو ينصِّرانه" (^١).
ولا تكونوا مِنَ الَّذين تركوا دينَهم الَّذي أُمروا به، وكانوا فِرَقًا، فتابَعَ كلٌّ منها إمامَها الَّذي أضلَّها، كلُّ حزبٍ بما لديهم فرحون (^٢)، مِنَ الدِّين المعوَجِّ المؤَسَّسِ على الرَّأي الزَّائغ والزَّعم الباطل، مسرورون ظنًّا منهم أنَّه حقٌّ وأنَّى له ذلك.
وذكرَ في "الفتاوى الصُّوفية" في الفصل السَّادس من الباب الأوَّل، نقلًا عن "التَّمهيد" في باب السُنَّة والجماعة، والرَّدِّ على أهل البدعة: أنَّ الجماعة من جمع على السَّواد الأعظم؛ لما روي عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "خطَّ رسول الله ﷺ خطًّا مستقيمًا، فقال: هذا دينُ الله، ثم خطَّ عن يمينه (وعن شماله) (^٣) خطوطًا، فقال: هذه سُبُلٌ، وعلى رأس كلِّ سبيل منها شيطانٌ يدعو إليه، ثم تلا قولَه تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] " (^٤).
ثمَّ أهلُ السَّوادُ الأعظم كانَ أصحابَ رسولِ الله ﷺ ورضي الله عنهم ومن تابعهم من التَّابعين وتَبع التَّابعين، مثل أبي سعيد الحسن البَصْريِّ، وسفيان الثَّوريِّ، والأوزاعيِّ، وعلقمةَ الأسود، وإبراهيم النَّخَعي، والشَّعبيِّ، ومالك، وحمَّاد، وابن أبي ليلى، وأبي حنيفة، وأمثالهم.
_________________
(١) رواه البُخاري (١٣٥٩)، ومسلم (٢٦٥٨) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) ساقطة من: ض، ع.
(٣) ض، أ: وشماله.
(٤) رواه النسائي في "السنن الكبرى" (١١١٠٩)، وابن حبان في "صحيحه" (٦) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁، ورواه ابن ماجه (١١) من حديث جابر بن عبد الله ﵁. قال البوصيري في "مصباح الزجاجة" (١/ ٦): هذا إسناد فيه مقال من أجل مجالد بن سعد.
[ ١ / ٥٧ ]
ومن المتأخرين من تلامِذتهم مثل أبي يوسف القاضي، ومحمَّد بن الحسن الشَّيباني، وزُفر، والحسن بن زياد، وداود الطَّائي، ومحمَّد بن إدريس الشَّافعي، وأبي عبد الله المُزَني ﵏.
ومن فقهاء خراسان مثل أبي مطيع البَلْخِي، وأبي سليمان الجُوْزَجاني، وأبي حفص الكبير البُخاري، وشقيق بن إبراهيم، وإبراهيم بن أدهم، كانوا تلامذة أبي جعفر الصَّادق، وأبي حنيفة ﵏، ثم تابعهم فقهاء الدِّين.
وقال نقلًا عن "الشِّرعة" (^١): ويلازم السَّواد الأعظم في الخير، ولا يفارقُه شِبرًا منهم، ويرى الحقَّ معهم أينما كانوا، والسَّواد الأعظم هم الطَّائفة القائمة بأمرِ الله تعالى وسنَّة رسوله ﷺ، ومنهم الخلفاء الرَّاشدون والأئمَّة المهديُّون بعدَهم، ولا يخلو كلُّ قطرٍ منهم أبدًا، وفي الحديث: "لا يزال من أمتي طائفة على الحق ظاهرين حتى يأتي أمر الله" (^٢)، إلى هنا، انتهى.