لا خفاءَ على من مارس شيئًا من العلم أو خُصَّ بأدنى لمحةٍ من الفهم (^٢) أنَّ تعظيم اللهِ تعالى قدرَ نبيِّنا ﷺ، وخصوصه إياه بفضائل ومحاسن ومناقب مما لا تضبطه الأفهام، وتفويهه من عظيم قدره مما تكلِّ عنه الألسنة والأقلام، منها ما صرَّح به تعالى في كتابه، ونبَّه على جليل نصابه، وأثنى به عليه من أخلاقه وآدابه، وألطف به في خطابه في محلِّ عتابه، وخاطب لجميع الأنبياء ﵈ بأسمائهم، وبه بغير أسمائه، وأقسم به بعيشه وحياته وبقائه، وصلى عليه وأمر العباد (^٣) على التزامه (^٤)، ورمز عليه بالإيماء (^٥) والكنايات الدَّالة على تعظيمه وإكرامه.
قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤]، ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، ﴿اللَّهُ
_________________
(١) ع: الأعظم.
(٢) ض، أ: فهم
(٣) ع: عباده.
(٤) ساقطة من: ع.
(٥) ع: بالإيمان.
[ ١ / ١٠٠ ]
نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ﴾ [النور: ٣٥]، وعن كعب وابن جبير، المراد بالنور الثاني هنا: محمَّد ﷺ (^١).
﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥]، ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٦٧]، ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ﴾ [التوبة: ٧٣]، ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: ١ - ٢]، ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣]، ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢]، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]، ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [سورة البلد: ١ - ٢].
﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠]. قال القاضي عياض في "الشِّفا" قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم: ١]، اختلف المفسرون في ﴿وَالنَّجْمِ﴾ بأقاويل معروفة، منها: النَّجم على ظاهره، ومنها: القرآن، وعن جعفر: أنَّه محمَّد ﷺ، وقال: هو قلب محمَّد (^٢).
وقد قيل في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ [الطارق: ١ - ٣]: إن النَّجم هنا محمَّد ﷺ، حكاه السُّلمي.
تضمَّنت هذه الآيات] (^٣) (إلى قوله) (^٤) تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٨] [من فضل الرَّسول وشرفه ﷺ ما يقف دونه العدُّ والإحصاء، وأقسم جلَّ اسمُه على هداية المصطفى ﷺ وتنزيهه عن الهوى، وصِدْقه فيما تلا، وأنه وحيٌ
_________________
(١) رواهما الطبري في "تفسيره" (١٩/ ١٧٩).
(٢) رواه السلمي في "تفسيره" (٢/ ٢٨٣).
(٣) ساقطة من: ع.
(٤) ع: وقال.
[ ١ / ١٠١ ]
يوحى، أوصله إليه عن الله جبريل، وهو الشَّديد القوى، ثم أخبر تعالى عن فضيلته بقصَّة الإسراء، وانتهائه إلى سِدْرة المنتهى، وتصديق بصره فيما رأى، وأنّه رأى من آيات ربه الكبرى.
وقد نبَّه على مثل هذا في أول سورة الإسراء، ولما كان ما كاشفه (^١) ﷺ من ذلك الجبروت، وشاهده من عجائب الملكوت، لا تحيط به العبارات، ولا يستقلُّ بحمل سماع أدناه العقولُ رمز تعالى بالإيماء، والكناية الدَّالة على التَّعظيم فقال: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠]، وهذا النوع من الكلام يسميه أهل النَّقد والبلاغة بالوحي والإشارة، وهو عندهم أبلغ أبواب الإيجاز.
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٨] (^٢) انحسرَتِ الأفهام عن تفصيل (^٣) ما أوحى، وتاهَتِ الأحلام في تعيين تلك الآيات الكبرى، ومنها أبرزه الله تعالى للعَيان (^٤) من خلقه، على أتمِّ وجوه الكمال والجلال، وتخصيصه بالمحاسن الجميلة، والأخلاق الحميدة، (والمذاهب السَّديدة، والفضائل العديدة) (^٥)، وتأييده بالمعجزات الباهرة، (والبراهين الواضحة) (^٦)، والكرامات البيِّنة الَّتي شاهدَها من عاصره، ورآها من أدركه، وعلمها علم يقين من جاء بعده، حتى انتهى علمُ حقيقة ذلك إلينا، وفاضت أنواره (^٧) علينا، ﷺ تسليمًا كثيرًا.
_________________
(١) أ: مكاشفته.
(٢) ساقطة من: ع.
(٣) ع: تفسير.
(٤) ع: لأعيان.
(٥) ساقطة من: ع.
(٦) ساقطة من: ع.
(٧) ع: الأنوار.
[ ١ / ١٠٢ ]
وبالجملة إنَّ نبيَّنا محمَّدًا ﷺ أفضلُ الخلق، بعثه الله تعالى رحمةً للعالمين، وأمَّته خير الأمم، وأصحابه أفضل النَّاس بعد الأنبياء (^١) وفي ذلك (^٢):
لم يخلقِ الرَّحمن مثلَ محمَّد … أبدًا وعلمي أنَّه لمْ يخلُق
بلَّغ ما أنزل إليه، وجاهد في الله حقَّ جهاده، وقام بأمر الدِّين، وأقام الحدود، وشرع بيان الحكم، وعلم الشَّرع، (وعيَّن وأحكم) (^٣)، وقضى وحكم، ونصَّ (^٤) وألزم) (^٥).
ثمَّ إِنَّ الرَّسول ﷺ أمَّر الأمراء والولاة، واستعمل العمَّال، ووجَّه القضاة، فمِنْ جُمْلة من أمَّره على السَّرايا واستعمله عمُّ الرَّسول ﷺ حمزة بن عبد المطَّلب، وهو أوَّل ولاة الرَّسول ﷺ، أمَّره بعد نزول قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [التوبة: ٧٣]، وقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، على سريَّة، وأرسله على قافلة الشَّام.
ثمَّ عُبَيْدة بن الحارِث أمَّره الرَّسول ﷺ على سَريَّة بعد حمزة ﵄ على هذه القافلة، حين سمعَ أنَّ أبا جهلٍ كان رئيس هذه القافلة، ثمَّ سعد بن أبي وقَّاص، ثم عبد الله بن جَحْش أرسلَه إلى بطن النَّخل (^٦)، ثم غيرهم من المهاجرين والأنصار.
_________________
(١) ساقطة من: ع.
(٢) ساقطة من: ض، أ.
(٣) ساقطة من: ع.
(٤) ض: أنصّ.
(٥) ساقطة من: ع.
(٦) ض، أ: النحل.
[ ١ / ١٠٣ ]
ومن جُملة ما كان استعملَه واستخلَفه سعدُ بن عبادة ﵁، استخلفه ﷺ في غزوة أبواء على المدينة، (ومحمَّد بن مسلَمة استخلفه النَّبي ﷺ في غزوة الكُدْر (^١) على المدينة) (^٢)، وعتَّاب بن أُسَيد ﵁ استعمله حين خرج رسول الله ﷺ إلى حُنَين على مكَّة، ولم يزل عليها حتى قُبض النَّبيُّ ﷺ، ثم أبقاه أبو بكر ولم يزل إلى أن مات، ومات هو وأبو بكر رضي الله تعالى عنهما في وقت واحد.
ومن جملَة ما ولَّاه النبي ﷺ علي بن أبي طالِب كرَّم الله تعالى وجهه ورضي عنه، وجَّه به ﷺ قضاءَ اليمن في حياته، وقال فيه: "أقضاكم عليّ" (^٣)،
_________________
(١) أ: الكندر.
(٢) ساقطة من: ع.
(٣) قال العجلوني في "كشف الخفاء" (١: ١٦٢): ورواه البغوي في شرح السنة والمصابيح عن أنس، ورواه البُخاري وابن الإمام أحمد عن ابن عباس بلفظ قال، قال عمر بن الخطاب: "عليّ أقضانا وأبيّ أقرؤنا"، والحاكم وصححَّه عن ابن مسعود بلفظ: "كنا نتحدث أنّ أقضى أهل المدينة عليّ"، ورواه الملَّا في سيرته عن ابن عباس في حديث مرفوع أوله: "أرحم أمَّتي بأمَّتي أبو بكر"؛ ورواه عبد الرَّزاق عن قتادة رفعه مرسلًا بلفظ: "أرحم أمَّتي بأمَّتي أبو بكر، وأشدّهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأقضاهم عليّ". . . الحديث، وهو موصول في فوائد ابن أبي نجيح عن أبي سعيد الخدري، وروى البغوي في المرفوع عن أنس أيضًا "أقضى أمتي عليّ" وعزاه الطبري في الرياض النضرة للحاكم بسند واهٍ عن معاذ بن جبل مرفوعًا في حديث أوله "يا عليّ، تخصم الناس بسبع"، وذكر منها "وأبصرهم بالقضيَّة"، لكن أوردها ابن الجوزي في الموضوعات، ونحوه عند أبي نعيم عن أبي سعيد "يا عليّ لك سبع خصال لا يحاجّك فيها أحد"، وأثبت منها كلها ما رواه الحاكم وابن ماجه والترمذي والبزار من طرق عن عليّ أحسنها رواية البزار عنه بسند واهٍ أنّه ﷺ لما بعثه إلى اليمن قاضيًا قال: يا رسول الله بعثتني أقضي بينهم وأنا شاب لا أدري ما القضاء، فضرب رسول الله ﷺ في صدره وقال: "اللهم اهده وثبِّت لسانَه"، قال: فوالَّذي فلق الحبَّة ما شككْتُ في قضاءٍ بين اثنين، وقد رواه ابن حبان عن ابن عباس عنه، وهذه الطُّرق يقوِّي =
[ ١ / ١٠٤ ]
ذكره أبو القاسم علي السِّمْناني في باب من ولي القضاء من "كتاب روضة القضاة".
[ووجّه رسول الله ﷺ أبا موسى الأشعري ﵁ إلى عدن وزبيد واستغفر له، ذكره الذَّهبي.
وذكر ابن خَلِّكان في ترجمة يحيى بن أكثم: أنَّه لما وُلِّيَ قضاء البصرة كانت سنُّه عشرين سنةً، فاستصغره أهل البصرة، وقالوا: كم سنّ القاضي؟ فعلم أنهم استصغروه فقال: أنا أكبر من عتَّاب بن أَسِيْد ﵁ الَّذي وجَّهه النبي ﷺ قاضيًا إلى اليمن، ومن كعب بن سُورٍ الذي وجَّه به النَّبي ﷺ قاضيًا إلى البصرة] (^١)، ومن (^٢) مُعاذ بن جبل الذي وجَّه به النبي ﷺ قاضيًا على مكة يوم الفتح (^٣).
وفي "كتاب أدب القضاء" للخصَّاف، ذكر عن الزُّهري أنه قال: رزق رسول الله ﷺ عتَّاب بن أَسِيْد حين استعمله على مكَّة أربعين أوقيَّة في السَّنة، قال إسحاق: لا
_________________
(١) = بعضها بعضًا، نعم روى البُخاري في التَّفسير وأبو نعيم عن ابن عباس قال، قال عمر: "أقضانا عليٌّ وأقرؤنا أبيّ"، ونحوه عن أبيٍّ وآخرين، وللحاكم عن ابن مسعود قال: "كنّا نتحدَّث أنّ أقضى أهل المدينة عليّ"، وقال: صحيح، ومثل هذه الصيغة حكمها الرفع على الصَّحيح، وكذا قاله في الأصل، ونظر فيه القاري في الموضوعات؛ أي لأنه مما يمكن أن يكون للرَّأي فيه مجال، فليتأمَّل.
(٢) ساقطة من: ع.
(٣) زائدة في ع: (جملة ما استعمله).
(٤) والذي ورد في "وفيات الأعيان" المحققة ما نصَّه (٦/ ١٤٤): أنا أكبر من عتّاب بن أسيد الذي وجّه به النبي ﷺ قاضيًا على مكة يوم الفتح، وأنا أكبر من معاذ بن جبل الذي وجّه به النبيّ ﷺ قاضيًا على أهل اليمن، وأنا أكبر من كعب بن سور الذي وجّه به عمر بن الخطاب ﵁ قاضيًا على أهل البصرة، فجعل جوابه احتجاجًا.
[ ١ / ١٠٥ ]
أدري أكانت (^١) ذهبًا أو فضَّة، فإن كان ذهبًا فمال عظيم؛ لأن الأوقيّة أربعون مثقالًا، (فأربعون مرة أربعون) (^٢) يكون مالًا عظيمًا، وإنما رزقه لأنه ولَّاه على مكة واستقضاه بها، فكان قاضيًا وواليًا.
قال صدر الشَّهيد في "شرحه": في الحديث دليلٌ على أنَّه ينبغي أن يرزق القاضي من بيت المال ما يكفيه وأهله ومن يمونه ومن يكون من أعوانه.
وتكلَّموا أنَّ رسول الله ﷺ من أيِّ مالٍ رزقه، ولم تكن يومئذ الدَّواوين ولا بيت المال، فإنَّ الدَّواوين وبيت المال إنما ظهرت في زمن عمر رضي الله تعالى عنه؟
قيل: إنَّما رزقه من الفيء ممَّا أفاء الله تعالى، وقيل: إنَّما رزقه من المال الَّذي أخذه من نصارى نجران، أو من الجزية التي أخذها من مجوس هجر، ويهود هوازن، فإن القاضي يرزق له من الجِزْيِ والأَخْرِجَة.
واعلم أنَّ القضاء رتبةً شريفةً ومنزلةً رفيعةً، (لا رتبةَ أوفى منها) (^٣)، ولا منزلةَ فوقها، [ولقد كان يقال: من قام بأمرها (كان له) (^٤) عند الله أجرًا جزيلًا] (^٥)، (وعند العبادِ ذكرًا جميلًا، إذا استجمعت شرائطها، وارتفعت موانعها، بعد ما حسنت سيرته، وصفت سريرته) (^٦)؛ لأنَّها الَّتي تولَّاها اللهُ تعالى بنفسه، وبعث بها رسله، (وشدَّد
_________________
(١) ساقطة من ض، أ.
(٢) ساقطة من: ع.
(٣) ساقطة من: ع.
(٤) ساقطة من: ض.
(٥) ع: (ولمن قام بها عند الله أجرًا عظيمًا وفضلًا جثيما).
(٦) ساقطة من: ع.
[ ١ / ١٠٦ ]
عليهم الأمرَ بها، وبالغَ بهم في الموعظة) (^١)، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦].
ثم تولَّاها نبيُّنا، ثم كلُّ إمام وخليفة (بعد النبيِّ) (^٢) ﷺ من الخلفاء الرَّاشدين (كان يقضي بين المسلمين) (^٣)، ثم وجوه الصَّحابة، وأعلام التَّابعين، (والسَّلف الصَّالحين، والأئمة المجتهدين، والفقهاء المتقدِّمين، والعلماء المتأخرين، والفضلاء العاملين المتورّعين) (^٤)، ثمَّ وثمَّ الأمثلُ فالأمثلُ، أبقاهم الله إلى يوم الديِّن.
(ذكرَ الصَّدر الشَّهيد في "شرح الخَصَّاف"): (^٥) روي أنَّ داود ﵇ لَمَّا أُمِرَ بفضْلِ القضاء نزلَتْ السِّلسلة من السَّماء، فإذا تقدَّم إليه الخصمان فالمحقُّ منهما (نزلَتِ السِّلسلة له فنالَها وللمبطل منهما تقلَّصت السِّلسلة فما نالها، وكان يفصل بها، فرُفِعَتِ السِّلسلة.
وكان سبب الرَّفع أنَّه احتال بعضُ الناس) (^٦)، وذاكَ أنَّ رجلًا أودعَ رجلًا (^٧) دنانير عند آخر، ثم جحد المودَع له الدَّنانير، وكان شيخًا معه عصًا، (فوضع
_________________
(١) ساقطة من: ع.
(٢) ساقطة من: ع.
(٣) ساقطة من: ع.
(٤) ساقطة من: ع.
(٥) ساقطة من: ع.
(٦) ع: (ينال السلسلة والمبطل لا ينالها وكان يفصل الحكم بذلك حتى رفعت السلسلة. وسبب رفعها أن بعض الناس احتال حيلة).
(٧) ساقطة من: ع.
[ ١ / ١٠٧ ]
الدَّنانير في داخل العصا) (^١)، فاختصما إلى داود ﵇، (فاحتالَ المودَع ونقر عصاه، وجعل الدَّنانير في العصا، فلمَّا اختصما) (^٢)، وقام المدعي إلى السِّلسلة فنالها، ثمَّ قام المُدَّعي عليه، (ودفع العصا للآخر، وطلب السِّلسلة فنالها) (^٣)، (فقال للمدَّعي: خذ عصاي حتى أنال السِّلسلة، فأخذها، فكان محقًّا في الإنكار بعد ذلك، فنالها) (^٤).
فتحيَّر داود ﵇، فنزلَ جبريلُ ﵇ (وأخبره بالقضيَّة) (^٥)، فرُفِعَت السِّلسلة، فقطع داود ﵇ عن القضاء، (يعني عجز) (^٦)، فأمرَه الله تعالى ببيِّنة المدَّعي ويمين المدَّعى عليه، وأمره أن يحلِّفهم باسمه تعالى، انتهى.
وهذا حكم الله تعالى إلى يوم القيامة، لم يُرَ حكمٌ آخر ناسخ له، وصاحب شريعتنا ﷺ أبقى هذا الحكم بقوله المشهور، (البالغ إلى حدِّ التَّواتر) (^٧): "البيِّنة للمدَّعي (^٨)، واليمين على مَنْ أنكر" (^٩).
[وروى ابن عبَّاس وعبد الله بن عَمْرو بن العاص ﵃ أنَّ النبيَّ ﷺ
_________________
(١) ساقطة من: ض، أ.
(٢) ساقطة من: ع.
(٣) ساقطة من ض، أ.
(٤) ساقطة من: ع.
(٥) ع: (وأخبر داود بالقصة).
(٦) ساقطة من: ع.
(٧) ساقطة من: ع.
(٨) ع: (على المدعي).
(٩) رواه البيهقي في "السنن الكبرى" (٢١٢٠١)، وحسنه النووي في "الأربعين النووية" (٣٣).
[ ١ / ١٠٨ ]
طلب البيِّنة من المدّعي فلم يجد، فقضى باليمين على المدَّعى عليه (^١)، في الحادثة المعروفة (^٢) التي اختصم فيها الحضرَمِيُّ والكِنْديُّ.
ذكر الخَصَّاف عن كُرْدُوس الثَّعلبيِّ عن أَشْعَث بن قَيْسٍ، قال اختصم رجل من حضرموت، ورجل من كِنْدة إلى النبي ﷺ، فقال الحضرمي: يا رسول الله، أرضي في يد هذا أغصبها أبوه. فقال الكندي: أرضي في يدي ورثتها من أبي. فقال النبيُّ ﷺ: ألك بيِّنة يا أخا حضرموت؟ قال: لا يا رسول الله، خذ لي يمينه ما يعلم أنَّها اغتصبها أبوه. فتهيَّأ الكِنْدي ليحلف. فقال النبيُّ ﷺ: "من اقتطع مالًا بيمينه لقيَ الله تعالى أجذم" (^٣)، فلمَّا سمع الكِنْدي كفَّ عن اليمين وأعطاه الأرض.
في الحديث دليل على أنَّ القاضي إذا حلَّف إنسانًا ينبغي أن يَذْكر الوعيد لكي يمتنع عن اليمين.
وتكلَّموا في قوله ﷺ: "أجذم": قال بعضهم: مقطوع اليدين؛ لأن الأجذم مقطوع اليد. وقال بعضُهم: مقطوع الحجّة. قال الصَّدر الشَّهيد: وهذا أصحّ؛ يعني: لا حجَّة له عند الله تعالى في الإقدام على اليمين الكاذبة. وهذا كما روي عن النبيِّ ﷺ: "من تعلَّم القرآنَ ثم نسيه لقي الله تعالى وهو أجذم" (^٤). قيل:
_________________
(١) قال الترمذي بعد روايته حديث الحضرمي والكندي من طريق وائل بن حجر: وفي الباب عن عمر، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو، والأشعث بن قيس. انظر: "جامع الترمذي (١٣٤٠).
(٢) أ: المؤذية. وفي ع، ض: المودية.
(٣) رواه أبو داود (٣٢٤٤).
(٤) رواه أبو داود (١٤٧٤) من حديث سعد بن عبادة ﵁، قال ابن حجر في "تهذيب التهذيب" (٨/ ٢٢٧): قال ابن عبد البر: هذا إسناد رديء في هذا المعنى، وعيسى بن فائد لم يسمع من سعد بن عبادة ولا أدركه.
[ ١ / ١٠٩ ]
مقطوع اليد، والأصحّ: مقطوع الحجّة؛ يعني: لا حجّة له عند الله تعالى في تعلِّم القرآن، ثم ترك القراءة حتى نسيه.
وذكر فيه عن طلحة بن عبد الله بن عوف، قال: أمر النبيُّ ﷺ مُناديًا يُنادي حتى بلغ الثَّنيَّة: "لا تجوز شهادة خَصْم ولا ظَنِيْن، وأنّ اليمين على المدَّعى عليه" (^١)، والثَّنية: اسم موضع بعيد من أبنية المدينة، فرفع المنادي صوته حتى بلغ هذا الموضع. والظِّنين: المتَّهم في القرابة، كما في الوالدين والمولودين.
واختلفَ العلماء في أنَّ النبيَّ ﷺ فيما لم يُوحَ إليه، هل كان يجتهد ويُفصل به الحكم؟
منهم من قال: لا، بل ينتظر الحكم. ومنهم من قال: يرجع فيه إلى شريعة من قبله؛ لأنَّ شريعة من قَبله شريعة لنا ما لم يُعرَف نسخه. ومنهم من قال: كان لا يعجل بالاجتهاد إلى أن ينقطع طمعُه من الوحي، فإذا انقطع حينئذ يجتهد، وإذا اجتهد كان شريعة لنا، فإذا نزل عليه الوحي بخلافه يصير ناسخًا له، ونسخ السُّنَّة بالكتاب جائز عندنا، ولا ينقض ما أمضى بالاجتهاد، ويستأنف القضاء في المستقبل.
قال أبو القاسم عليّ السِّمْناني في "روضة القضاة" في باب المدعي: اعلم أنَّ النبي ﷺ قال: "البيَّنة للمدعي، واليمين على المدعى عليه" (^٢)، وهذا كلام يجب أن يُعرَف مَنِ المُدَّعي ليعمل (^٣) ببيِّنته، والمُدَّعى عليه ليعمل (^٤) على يمينه. والذي قال
_________________
(١) رواه أبو داود في "المراسيل" (٣٩٦)، ووصله عبد الرزاق في "مصنفه" (١٥٣٦٥) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) تقدم تخريجه قريبًا.
(٣) ض: لتعجيل. أ: ليعجل. ولعل الصواب ما أثبتناه.
(٤) ض، أ: ليعجل. ولعل الصواب ما أثبتناه كما في المطبوع لروضة القضاة (١/ ١٦٣).
[ ١ / ١١٠ ]
شيخنا قاضي القضاة أبو عبد الله الدَّامَغاني في "شرح كتاب الدعوى من مختص الحاكم" مما علقناه عنه، ودرسناه عليه، فذكر الدَّعوى، وذكر بعدها المدَّعِي، وهذا صحيح؛ لأن المدَّعي مَنْ له دعوى، فقال: الدَّعوى عبارةٌ عن قولٍ يُقصَد به إثبات شيء عارٍ عن برهان، ومتى كان معها حجَّة أو برهان لم تكن دعوى، ولهذا لا يقال للنبي ﷺ: إنَّه مدّعٍ بعد قيام المعجِز على ما قاله، ولا لمن استدل بدليل على قوله: إنه مدعٍ، ويقال لمن ليس له حجَّة: مدعٍ. هذا حدُّه في اللغة.
واختلف أصحابنا فيه: هل يُغيَّر بالشرع أم لا؟ فكان أبو سعيد البَرْدَعي يقول: هو على ما كان لم يتغيَّر. وقال (غيره: قد تغيَّر) (^١)، وينقل إلى شيء دون شيء. وقد كانت في شرع مَنْ تقدَّم كذلك.
روي عن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٠]، قال: البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر (^٢). وقال الحسن البصري: فصل الخطاب: العلم بالقضاء (^٣). وقال شريح القاضي: فصل الخطاب: الشهود والأيمان (^٤)] (^٥).
واعلم أن اسم القاضي واسم الحاكم (^٦) اسمان مشتركان في المدح، ويتساويان في الشرف والفضل، أضافهما الله تعالى إلى نفسه، (فإن القضاء فعل اُشْتُق منه لفاعله
_________________
(١) ض، أ: (هل يغير). ولعل الصواب ما أثبتنا عما كان في المطبوع لروضة القضاة، ١/ ١٦٤.
(٢) رواه الطبري في "التفسير" (٢١/ ١٧٣)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٢١٢٠٨).
(٣) رواه عبد بن حميد وابن المنذر، كما في "الدر المنثور" للسيوطي (٧/ ١٥٤).
(٤) رواه الطبري في "التفسير" (٢١/ ١٧٢)، والثعلبي في "تفسيره" (٨/ ١٨٥)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٢٠٧٢١).
(٥) ساقطة من: ع.
(٦) ساقطة من: أ.
[ ١ / ١١١ ]
اسم، وكذلك الحكم، وقد أضاف الله تعالى القضاء إليه) (^١) بقوله (^٢) تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]، (وقال تعالى) (^٣): ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ [غافر: ٢٠]، وكذلك أضاف الحكم إليه (فقال تعالى) (^٤): ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد: ٤١]، وأمر نبيه ﷺ بالحكم وحث عليه (فقال تعالى) (^٥) ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩].
[وقد اختلف في أنّ اسم القاضي أشرف من الحاكم أم هما سواء؟ فمنهم من قال: سواء، ولهذا أضافهما الله تعالى إليه على سواء، قال صاحب "روضة القضاة": رأيت كثيرًا من القضاة يكره أن يُخاطَب بالحاكم، وينافِس في القاضي. وكان شيخنا قاضي القضاة الدَّامَغاني أبو عبد الله يبدِّل هذا الاسم أبدًا -يعني الحاكم- ويفسخ (^٦) على الخطاب بالقاضي، وأما أبناء هذا الزمان فيكرهون أن يخاطَبوا بكلٍّ منهما، ويطمعون أن يخاطَبوا بالسُّلطان، ولا يستحيون من الله قويِّ السُّلطان جليِّ البرهان.
ولا بدَّ للقاضي والحاكم -بعد ما يكون بالغًا، عاقلًا، صالحًا، ورعًا، حرًّا، مسلمًا، عدلًا- من علم، وتمييز، ورأي؛ لأنَّ العلم للقاضي كالآلة لسائر الصنّاع] (^٧).
والعلم علمان؛ علم الأصول وعلم الفروع.
_________________
(١) ساقطة من: ع.
(٢) ساقطة من: ض، أ.
(٣) ساقطة من: ض، أ.
(٤) ساقطة من: ض، أ.
(٥) ساقطة من: ض، أ.
(٦) أ: وينسخ.
(٧) ساقطة من: ع.
[ ١ / ١١٢ ]
فعلم الأصول: هو علم التَّوحيد، وما يجوز على الله تعالى وما لا يجوز عليه (^١)، وعلم النبوَّات، ونسخ الشرائع، وإقامة الدلائل على ذلك، وإبطال أقوال مخالفي الملَّة الحنيفيَّة، [وأقوال القائلين بنفي الصَّانع، وأهل الطَّبائع، والفرق بين المعجزة والشعبَذة.
وطريق العلم المذكور، إنّما هو سلامة الحواس، وكمال العقل والفكر في الموجودات، ومتى اختلَّ طريق معرفتها لم يحصل لإنسان علمٌ بذلك، ولهذا اتَّفقت الشرائع كلها في ذلك العلم، ولم يختلف فيما ليس بتكليف، بل سوَّى فيها بين الرَّسول والمرسَل إليه، والحرّ والعبد، والذكر والأنثى، والعامَّة والعلماء] (^٢).
والعلم الثاني هو علم الشَّرع (^٣) والطاعة، وما تقرّر فيه من الأحكام، واختلف في ذلك العلم التكليفي بين المسافر والمقيم، والمريض والصحيح، والذكر والأنثى، والحائض والنفساء (^٤) والطاهر، والحرّ والعبد، والكبير والصغير، والعاقل والمجنون، والمُكْره والطائع، والذَّاكر والناسي، (والقاصد والهازل) (^٥).
وتختلف الأحكام فيه باختلاف أحوال الإنسان، ويجوز عنه النِّيابة في بعضها، وفي بعضها لا يجوز، (وفي بعضها يلزم الحكم لغير الفاعل ولا يلزم الفاعل، وفي بعضها يشتركان، وفي بعضها لا يجب شيءٌ أصلًا، وفي بعضها يستوفي المثل، وفي بعضها يستوفي القيمة) (^٦).
_________________
(١) ساقطة من: ع.
(٢) ساقطة من: ع.
(٣) ع: الشرائع.
(٤) ساقطة من: ض، أ.
(٥) ساقطة من: ع.
(٦) ساقطة من: ع.
[ ١ / ١١٣ ]
فالقاضي ينبغي أن يكون عارفًا بالأحكام من الشَّرعيات، حتى إذا ارتُفع إليه في قضية عمل في فصلها بما هو مشروع في ذلك، وتلك (^١) المعرفة لا تحصل إلا بتتبع النوادر (^٢) ظاهر الروايات، وحفظ المتون المرتبة من مسائل الأصول والزيادات، وضبط (^٣) الفتاوي والنَّوازل والواقعات، (بمراجعات كثيرة إلى مشايخنا من الثقات) (^٤)، فإنَّ العلوم (بلا جدال) (^٥) تُؤْخَذ من أفواه الرِّجال، لأنهم يحفظون أحسن ما يسمعون، [ويقولون أحسن ما يحفظون.
إذا عرفْتَ هذا تعرف أنّ القاضي إذا كان جاهلًا تكون البليَّة أشدَّ، لا سيَّما إذا ارتفعا إليه في المعاملات والمواريث، والمسائل المشكلة، فينبغي لمن يملك الولاية بل حَتْم عليه على موجب: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]، على ما قيل: هو أمرٌ للوُلاة بآداء الحقوق المتعلِّقة بذممهم من المناصب وغيرها إلى مستحقِّيها، كما أنَّ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨]، أمرٌ لهم بإيصال الحقوق المتعلِّقة بذمم الغير إلى أصحابها، وحيث كان المأمور به هاهنا مختصًّا بوقت المرافعة قُيِّدَ به، بخلاف المأمور به أوَّلًا، فإنه لما لم يتعلق بوقت دون وقت، أطلق إطلاقًا] (^٦).
وحتم على من نصَّبه مالك (^٧) الولاية لإقامة هذه المصلحة الجليلة أن لا
_________________
(١) ض، أ: وذلك.
(٢) ساقطة من: ع.
(٣) ساقطة من: ع.
(٤) ساقطة من: ع.
(٥) ساقطة من: ع.
(٦) ساقطة من: ع.
(٧) ع: حاكم.
[ ١ / ١١٤ ]
يختار لهذا الأمر الجليل إلَّا من هو أصلح النَّاس، وأعلمهم، وأورعهم، وأكملهم، كما اختار الله تعالى لرسالته، صفوة كل عالم، (ورئيس كل جيل) (^١)، وأفضل أهل كل زمان، كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥]، ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ [ص: ٤٧]، ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢]، ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (^٢) [الأنعام: ١٢٤]، وقد كانت الصحابة ﵃ لا يولُّون الأحكام جاهلًا ولا فاسقًا، [ولا ماجنًا، ولا مَنْ يُطعَن في دينه ودنياه.
ثم اختلفوا في جواز دخول القضاء؛ منهم من قال: يجوز الدُّخول فيه مختارًا؛ لأنَّ الأنبياء والرُّسل ﵈ اشتغلوا به، وقد دخل فيه وجوه الصحابة والتَّابعين، ودخل فيه رجال صالحون من الأئمة المجتهدين، ومشايخنا المتقدمين. ومنهم من قال: لا يجوز الدُّخول فيه إلا مُكرَهًا؛ ألا ترى أنَّ أبا حنيفة ﵀ دُعي إلى القضاء ثلاث مرات فأبى، حتى ضُرِبَ في كلِّ مرة ثلاثين سوطًا، فلما كان بالمرة الثالثة قال: حتى أستشير أصحابي، فاستشار أبا يوسف، فقال: لو تقلَّدْتَ القضاء نفعْتَ الناس، فنظر إليه نظر المغضب (^٣)، وقال: أرأيْتَ لو أُمرْتُ أن أعبر البحر سباحة أكنْتُ أقدر عليه؟! كأني بك قاضيًا، وكذا دُعِيَ محمَّد إلى القضاء حتى قُيِّدَ وحُبِسَ، فاضطر إليه فتقلَّد.
والصحيح أنّ الدخول في القضاء مختارًا رخصة، والامتناع عزيمة؛ فلوَجْهَين: أحدهما: أنّ القاضي مأمورٌ بالقضاء بالحقِّ، وعسى يظنُّ في الابتداء أنه يقضي بحقٍّ، ثم لا يقضي في الانتهاء.
_________________
(١) ساقطة من: ع.
(٢) ساقطة من: ع.
(٣) أ: الغضب.
[ ١ / ١١٥ ]
والثاني: أنه لا يمكنه القضاء إلا بمعاونة غيره، وعسى يُعينه غيره، وضع لا يعينه.
هذا ما ذكره الصَّدر الشَّهيد في "شرح الخَصَّاف"، وذكر الخَصَّاف عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "من سأل القضاء وُكِلَ إلى نفسه، ومن أُجبِرَ عليه نزلَ عليه مَلك يسدِّدُه" (^١).
ثم ذكر في معنى الحديث عن أنس: لأن من سأل القضاء اعتمد فقهه وورعه وذكاه، فصار مُعجَبًا فلا يُلهم الرُّشد، ويُحرم التوفيق. وأما مَنْ أُكْرِه على القضاء فقد اعتصم بحبل الله: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٠١].
وذكر الخَصَّاف عن مسروق أنه قال: لَأن أقضي يومًا واحدًا بحقٍّ وعدلٍ أحبُّ إليَّ من سنة أغزوها في سبيل الله (^٢). وذكر الحسن أنه قال: لأجر حكم عدْل يومًا واحدًا أفضل من أجر رجل يصلِّي في بيته سبعين سنة (^٣).
قال الصَّدر الشَّهيد: إن المسروق والحسن ابتُليا بالقضاء، ومن ابتُلي بشيء يروي في ذلك الباب ما يرجع إلى محاسن ذلك الشيء، كان مسروق والحسن من كبار التابعين.
ذكر الصَّدر الشَّهيد عزوًا إلى "النوادر" عن أبي حنيفة قال: من كان من أئمة التَّابعين وأفتى في زمن الصَّحابة، وزاحم في الفتوى، وسوَّغوا لهم الاجتهاد فأنا أقِّلده، مثل شريح، والحسن، ومَسروق بن الأجْدَع، وعَلْقمة. وهذا لأنهم لمَّا بلغوا
_________________
(١) رواه أبو داود (٣٥٧٨)، والترمذي (١٣٢٣) وقال: حسن غريب، وابن ماجه (٢٣٠٩).
(٢) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٢٢٩٦٠).
(٣) رواه ابن زنجويه في "الأموال" (١٥)، والدِّيْنَوَري في "المجالسة وجواهر العلم" (١٥٩٨).
[ ١ / ١١٦ ]
درجة الفتوى في زمن الصَّحابة وسوَّغوا لهم الاجتهاد صار قولهم كقول الصحابة رضي الله تعالى عنهم.
وفي واقعات الصَّدر الشَّهيد في باب أدب القضاء بعلامة العين: ولا ينبغي للقاضي أن يطلب القضاء، فإن فعل فهو مسيء؛ لما روي أنه ﷺ قال: "من جُعل على القضاء، فكأنما ذُبح بغير سكين" (^١)، وهذا لأنَّ السِّكين تعمل في الظاهر والباطن، والذَّبح بغير سكين ذبحٌ بطريق الخنق، فإنه يؤثِّر في الباطن دون الظاهر، وكذلك القضاء لا يؤثر في الظاهر؛ لأنه جاهٌ وحِشمة، بل يؤثِّر في الباطن؛ فإنه سبب الهلاك.
وعن شمس الأئمة الحَلْوَاني أنه كان يقول: لا ينبغي لأحد أن يزدري هذا اللفظ كيلا يصيبه ما أصاب ذلك القاضي. فقد حُكِيَ أنَّ قاضيًا روي له هذا الحديث فازدراه وقال: كيف يكون هذا؟ ثم دعي في مجلسه بمن يسوِّي شعره، فجعل الحلَّاق يحلق بعض الشَّعر تحت ذقنه، إذ عطس، فأصابه الموسى، فألقي رأسه بين يديه.
وذكر الشَّيخ الإمام علاء الدِّين السَّمَرْقندي في "تحفة الفقهاء": لقضاء فريضة محكمة على من وجد في نفسه شرائط القضاء من الولاية على المقضي عليه، لتسليم المقضيِّ به إلى المقضيِّ له، وهو السُّلطان أو من يقوم مقَامه؛ لأن هذا من باب الإنصاف للمظلوم من الظَّالم، وهذا مفروض على الخلفاء والسَّلاطين غير أنهم إذا عجزوا بأنفسهم؛ إمَّا لعدم العلم، أو لاشتغالهم بأمور أُخَر، وجبَ عليهم أن يقلِّدوه مَنِ كان يصلح وهو أفقه النَّاس بحضرتهم، وأورعهم، وإن وجدوا اثنين أحدهما أفقه، والآخر أورع، فالأورع أولى؛ لأنه يمكنه أن يقضي بعلم غيره، فلا بدَّ من الورع
_________________
(١) رواه أبو داود (٣٥٧١)، والترمذي (١٣٢٥) وقال: حسن غريب من هذا الوجه، وابن ماجه (٢٣٠٨).
[ ١ / ١١٧ ]
حتى لا يتجاوز عن حِّد الشرع، فلا يتصوَّر الباطل بصورة الحقِّ طمعًا في الرشوة.
ويجب على من اُستجمِع فيه شرائط القضاء إذا قلَّدوه، حتى إذا امتنع يأثم، إلا إذا كان بحضرتهم من العلماء مَنْ يصلح للقضاء، فلا بأس بأن لا يقبل، وُيعذَر فيدفع عن نفسه إلى غيره؛ لأنه ليس متعيِّن لذلك، والذي تعيَّن لا يحلُّ له الامتناع إذا قُلِّدَ، ولكن لا ينبغي أن يَطلب؛ لأنه ربَّما لا يقلِّدوه، فيذهب ماء وجهه، وحرمة علمه، إلى هنا من "تحفة علاء الدِّين السَّمَرْقندي".
وفي "فتاوى قاضي خان": فإن كان جاهلًا عدلًا أو عالمًا غير عدل، لا ينبغي أن يُقلَّده، ولا يُقلَّد لقوله ﷺ: "القضاة ثلاثة: واحد في الجنَّة واثنان في النَّار" (^١)، وأراد بالاثنين: الجاهل وغير العادل.
والجاهل التَّقيُّ أولى بالقضاء من العالِم الفاسق، ولو تقلَّد القضاء بالرَّشوة لا يصير قاضيًا، وتكون الرَّشوة حرامًا على القاضي وعلى الآخذ، قال الصَّدر السَّعيد في "جواهر الفتاوي"، في كتاب القضاء في باب فتاوي الشَّيخ الإمام جمال الدِّين اليَزْدِي: اختلفت الروايات في القاضي إذا ارتشى، أو فسق ينعزل، أو يستحق العزل، اختار البُخاريون أنه لا ينعزل، وبعضهم قالوا: ينعزل، قال شيخنا وإمامنا جمال الدِّين اليَزْدِي: أنا متحيِّر في هذه المسألة، لا أقدر أن أقول: لا تنفذ أحكامهم؛ لما أرى من التخليط والارتشاء والجرأة فيهم، ولا أقدر أقول: لا تنفذ أحكامهم، لأن كل (^٢) أهل زماننا كذلك، فلو أفتيْتُ بالبطلان أدَّى ذلك إلى إبطال الأحكام، فحكم الله بيننا وبين
_________________
(١) رواه أبو داود (٣٥٧٣)، والترمذي (٢٣٢٢)، والنسائي في "السنن الكبرى" (٥٨٩١)، وابن ماجه (٢٣١٥) من حديث بريدة ﵁.
(٢) ساقطة من: أ.
[ ١ / ١١٨ ]
قضاة زماننا، أفسدوا علينا ديننا، وشريعة نبينا ﷺ، لا بقي منهم لا اسم ولا رَسْم. إلى هنا كلام الصَّدر السَّعيد ركن الدِّين أبي المفاخر محمَّد بن عبد الرَّشيد الكَرْماني.
يقول الفقير: رحم الله الشَّيخ الإمام قاضي القضاة جمال الدِّين أبا سعيد المُطهَّر اليَزْدِي، وفي عصره تمام انتظام العلم والدِّين، وكمال نظم أحوال الفقهاء ومشايخهم العاملين المتورِّعين، وتاريخ زمانه أثناء الثَّلاثين (^١) والسِّتين وخمسمئة، فرغ من شرح "الجامع الصغير" على ترتيب الزَّعْفَراني، المسمَّى بـ "التهذيب" سنة سبع وخمسين وخمسمئة، وذلك قبل فترة جنكيز، ولو أدرك المولى الإمام جمال الدِّين أبناء زماننا هذا لاقتصر المقال على قول من قال:
أما الخيام فإنَّها كخيامِهم … وأرى نساءَ الحيِّ غيرَ نسائِها (^٢)
وبقيْتُ في خَلْفٍ كَجِلْدِ الأَجْرَبِ (^٣)
سيَّما الذين كانوا يصرفون شرائف أوقاتهم إلى الملازمة في مسألة القضاء، متردِّدين أبواب الأكابر في الصُّبح والمساء، ومختلفين إلى الوسائط في الضُّحى والعشاء، ملحِّين للدُّخول، ملتجئين (^٤) الوصول، فلا يساعدهم البوَّاب (^٥)، ولا يفتح لهم الأبواب، ثم يتخذون شفعاء من حواشيهم، وحملة غواشيهم، تبًّا لهم ومواشيهم، يهتكون عرضهم، ويذيبون ماء وجههم، ولم يصونوا حُرمة علمهم،
_________________
(١) أ: الثلاثة.
(٢) بغير نسبة. انظر: "تاج العروس" للزبيدي (١/ ٩٧).
(٣) عجز بيت للبيد كما في "ديوانه" (ص: ١٥٧)، وصدره: ذهب الذين يُعاشُ في أكنافِهم
(٤) ض، أ: ملجين.
(٥) أ: النبوات.
[ ١ / ١١٩ ]
كأنهم ما ذاقوا لذَّة العلم والحكمة، ولم يلتذُّوا بحلاوة المعرفة والفضيلة، ولا سيَّما الذين كان جمع الحطام همَّتهم، فيُلقي الشيطان أمنيتهم، بملازمة بيوت اليهود والنَّصارى، واتخاذهم الوسائط والشُّفعاء، فنعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، ونقول: لا إله إلا الله محمَّد رسول الله.
وعن عبد الله الطَّبَراني أنه قال: لا إله إلا الله محمَّد رسول الله أربعة وعشرون حرفًا، واللَّيل والنَّهار أربعة وعشرون ساعة، فإذا قال العبد من قلبه بالصِّدق: لا إله إلا الله محمَّد رسول الله، يقول الرَّحمن ﷻ: أتيت هذه الأربعة والعشرين، وقد خلقت ساعات ليلك ونهارك أربعة وعشرين، وكل ذنب أذنبته في هذه السَّاعات؛ صغيرها وكبيرها، سرِّها، وعلانيتها، خطأها وعمدها، قولها وفعلها، غفرت لك بقولك مرة واحدة: لا إله إلا الله محمَّد رسول الله.
قال أبو منصور: إنّ الله جعل العذابَ عذابَيْن؛ عذابًا في الدُّنيا، وعذابًا في الآخرة، فعذاب الدُّنيا هو السَّيف بيد الرَّسول وأصحابه، وعذاب الآخرة وهي النَّار بيد مالك وأعوانه، فالسَّيف في غِلاف يُرى، والنَّار في غلاف لا يرى، ثمّ إنّ الله تعالى أعطاك اللِّسان والقلب، فاللِّسان في غلاف يرى، والقلب في غلاف لا يُرى، فاللَّه تعالى قال لنبيِّه ﷺ: من أخرج لسانه بذكري وهو في غلاف يُرى أُدخل السِّيف في غلاف يُرى، وهو الغِمْد، ومن اشتغل قلبه بذكري وهو في غلاف لا يُرى، أُغلق عليه باب النَّار، وهو في غلاف يُرى، ومن اشتغل بذكري باللِّسان والقلب صان نفسه من سيف الدُّنيا ونار الآخرة.
وعن أحمد بن سهيل الزَّاهد قال: رأيت يحيى بن أَكْثَم في المنام، فقلْتُ له: ما فعل الله بك؟ قال: قدَّموني إلى ربي ﷻ، فقال الله تعالى يا شيخ السُّوء
[ ١ / ١٢٠ ]
جئتني بتخليط كثير، فقلْتُ: يا رب حدثني عبد الرَّزاق، عن معمر، عن الزُّهري، عن عُرْوَة، عن عائشة ﵂، عن النبيِّ ﷺ، عن جبريل، عنك جلَّ جلالك أنَّك قلْتَ: "إني لأستحي من عبدي وأمَتي أنْ أعذِّبهما بالنَّار وقد شابا في الإسلام" (^١)، وهما يشهدان عليَّ ويصدِّقان ما أمرت، وأنا شيخ ضعيف، فقال الربّ: صدق عبد الرَّزاق ومعمر، وصدق الزُّهري وعروة وعائشة، وصدق النبيُّ، وصدق جبرائيل، أنا قلت ذلك، أحملوا به إلى دار اليمين، يعني الجنَّة، ذكرها الزَّنْدَوِيْستي كلها في الباب السادس من "روضته".
وذكر في أول هذا الباب: ولو أنَّ رجلًا تزوَّج امرأة مسلمة، فينبغي له إذا خلا بها أن يسألها عن الإسلام أوَّلًا، فإنْ وصفَتْ حلَّ له المقام معها، لأنَّها مسلمة مثله، وإن لم تصفْ لم يجزْ له نكاحها كالمرتدَّة، ولو قال لها الزوج قولي معي: لا إله إلا الله محمَّد رسول الله، أمنت باللَّه وملائكته وكتبه ورسله، وأنَّ الجنَّة والنَّار حقٌّ، وأنَّ السَّاعة آتية لا ريب فيها، وأنّ الله يبعث من في القبور، فيكون هذا أدخل في الأدب؛ لأنَّه لو يقول: لها صِفي لي الإسلام، فلعلَّ أنَّها تستحي ويشقُّ عليها، فالمرأة لا تحلُّ إلا بهذه الكلمات.
نقل شيخ الإسلام محمَّد، الشهير بالمولى خُسْرَو في "دور الحكام" عن "الذَّخيرة": أن تعليم صفة الإيمان للنَّاس وبيان خصائص أهل السُّنَّة والجماعة من أهم الأمور، وللسلف ﵏ في ذلك تصانيف، والمختصر أن يقول:
_________________
(١) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، ٥/ ٢٨٥، وقال: رواه أبو يعلى وفيه نوح بن ذكوان وغيره من الضعفاء؛ وذكر ابن الجوزي في الموضوعات، ١/ ١٧٨؛ وابن عراق في تنزيه الشَّريعة، ١/ ٢٣٢.
[ ١ / ١٢١ ]
ما أمرني الله تعالى به قَبلْتُه، وما نهاني عنه انتهيْتُ عنه، فإذا اعتقد ذلك بقلبه وأقرَّ بلسانه كان إيمانه صحيحًا، وكان مؤمنًا بالكلِّ.
وفيه إذا قال الرَّجل: لا أدري أصحيح إيماني أم لا؟ فهذا خطأ، إلَّا إذا أراد بإيمانه نفي الشكِّ. كمن يقول بشيء نفيس: لا أدري أيرغَبُ فيه أحد أم لا؟ ومن شكَّ في إيمانه، أو قال: أنا مؤمن إن شاء الله فهو كافر، إلَّا أن يؤَوّلها، فقال: لا أدري أخرج من الدنيا مؤمنًا، فحينئذ لا يكون كفرًا.
ونقل فيه عن "المحيط": من أتى بلفظة الكفر مع علمه أنَّه كفر، إن كان عن اعتقاد لا شكَّ أنه يكفر، وإن لم يعتقد أو لم يعلم أنها لفظة الكفر، ولكن أتى بها عن اختيار فقد كفر عند عامة العلماء، ولا يُعذر بالجهل، وإن لم يكن قاصدًا في ذلك؛ بأن أراد أن يتلفَّظ آخر فجري على لسانه لفظة الكفر، نحو إن أراد أن يقول: (بحق أنكه تؤخدائى وما بند كَان تو)، فجري على لسانه عكسه لا يكفر.
وفي "الأجناس" عن محمَّد نصَّ أن من أراد أن يقول: أكلْتُ، فقال: كفرْتُ؛ أنه لا يكفر. قالوا: هذا محمول على ما بينه وبين الله تعالى، فأمَّا القاضي لا يصدِّقه.
وفي "سير (^١) الأجناس": من عزم على أن يأمر غيره بالكُفْر، كان بعزمه كافرًا، ومن تكلم بكلمة الكفر وضحك غيره، يكفر الضَّاحك، إلَّا أن يكون الضَّحك ضروريًّا، بأن يكون الكلام مُضحِكًا. إلى هنا من "الدرر".
* * *