﷽
تيمنًا (باسمه سبحانه) (^١)
الحمدُ لله الَّذي أرسل رسولَه بالهدى ودين الحقِّ، وأنزل عليه الكتاب فبلَّغ ما أُنزِلَ إليه وحقَّق، وجعل علماء أمَّته كأنبياء بني إسرائيل في شرح كلِّ مُشْكِلٍ وفتح كُلِّ مُغْلَق، وكلٌّ منهم بعون الله في أمور الشَّرع خير مدبِّر وجدُّ (^٢) موفَّق، فصار بأنَّهم بخصلَتَي العلم والعمل ملاذًا يُجمَعُ فيه كلُّ حزبٍ مفرَّق.
(وفي المغني قال هذ البيت) (^٣):
يطوفُ ذوو (^٤) الحاجاتِ حولَ بيوتِهم … كما طافَ تِجرُّ باليمين المنفَّقِ
سبحانَ مَنْ أعزَّ العلمَ والمتحلِّيَ به بقوَّة سلطانه، وأذلَّ الجهلَ والمنتميَ إليه بسَطْوَة خذْلانه، والصَّلاة على مدينةِ العِلم محمَّد الَّذي (^٥) بعثه اللهُ ربُّ العالمين لتعليم معالم الدِّين، وترسيم مراسم الشَّرع المبين، وتهديم (^٦) قواعد
_________________
(١) ع: (هو المعين).
(٢) ض، ع: جل.
(٣) ساقطة من: ض، أ.
(٤) ع: ذو.
(٥) ساقطة من: ض، أ.
(٦) ع: تهديد.
[ ١ / ٣١ ]
الجَلَّة الجاهليَّة، وتمهيد عقائد الملَّة الحنيفيَّة، وعلى آله وصحبه وتابعيهم من العلماء الأجلَّة، الَّذين هم سواعد أهل الشَّرع وأعضاد خير الملَّة، (وسلَّم تسليمًا دائمًا أبدًا إلى يوم الدِّين) (^١).
(أَمَّا بعدُ) (^٢)؛ فإنَّ سنَّةَ اللهِ الجليلة الجارية في بريَّته، ونعمتَه اللَّطيفة الوافية على خليقته، أنْ يُحْدِثَ في كلِّ عصرٍ من الأعصار طائفةً من العلماء في المدائن والأمصار، يتجاوَلُون تجاولَ فرسان الطِّرادِ في مضمار النُّظَّار، ويتصاولون تصاولَ آسادَ الجِلاد في معترك التِّنظار.
لله درّهم لا زال كرّهم وفرّهم (^٣)، فجعلَ توفيقَه رفيقَهم، وسهَّل إلى اقتباس العلم طريقَهم، بحيث يُجمَع (^٤) في كلٍّ منهم حليةُ العلم والعمل، ويُشاهَدُ فيهم حلاوةُ الفهم والأمل، فيفوَّضُ إليهم خدمةُ القضاء والفتوى، ويفاضُ عليهم نعمه في الدُّنيا والعُقبى، إذ يتمُّ بحكمهم وعلمهم أمر الدِّين ومهامّ الأمَّة، وينتظم برأيهم وقلمهم مصلحة الخاصَّة والعامَّة.
فإنَّ الله تعالى في قضائه السَّابق (^٥) وقدره اللَّاحق وقائعَ عجيبةً تَرِدُ في أوقاتها، وقضايا غريبةً تجري إلى غاياتها، ولولا وجود تلك الطَّائفة العليَّة المتحلية بالفضائل الجليَّة مَنْ يقوم بكشف قناع هذه الوقائع، ومَنْ يلتزم بحلِّ مشكلات هذه البدائع؟ وهذا هدايةٌ من اللهِ تعالى، والحمدُ لله الَّذي هدانا لهذا.
_________________
(١) ساقطة من: ض، أ.
(٢) أ: وبعد.
(٣) ض: فكرهم.
(٤) ع: تجتمع.
(٥) أ: السائق.
[ ١ / ٣٢ ]
ثمَّ الحمدُ على ما أسبغ من نعمائه المتوافرة، وآلائه المتكاثرة، على هذا العبد الذَّليل الفقير، إلى رحمة الله الغنيِّ الجليل القدير، خادم ديوان الشَّرع المصطفوي، محمود بن سليمان الشَّهير بالكَفَويِّ، بصَّره الله تعالى بعيوب نفسه، وختم له بالخير آخر نَفَسه، وجعل يومه خيرًا من أمسِه، حيث وفَّقه (^١) في العقائد حقِّها وأتقنها، ويسَّره من المذاهب أصوبها وأوزنها، وأعطاه من العلوم أشرفها، وأولاه من الفنون ألطفها.
ومن لطائف تلك النِّعَم (^٢) الجليلة، وجلائل هاتيك الآلاء الجزيلة، ساقه إلى جميع أخبار فقهاء الأعصار، من ذوي الفُتيا وقضاة الأمصار من لدن نبيِّنا ﷺ إلى مشايخنا في تلك الأوان، حسبما قضوا وأفتوا وأفادوا واستفادوا في دورهم من أدوار الزَّمان.
ولقد كنَّا في أثناء بعض اللَّيالي، من أوقاتنا في بعض الزَّمان الخالي، نَسامُ بأهالي البلاد والأقاصي، الَّتي كنَّا نكون بها القاضي، ونجوِّد ما جنيناه في طيب أيامنا المواضي، من ثمرات أفانين العلوم على أهل النَّادي، فكلَّما انساق عَنان الكلام في بِيْدِ بيان الفقهاء وشيوخ الإسلام إلى مرويَّات الأئمَّة الحنفيَّة ومحكيَّات المشايخ الحنيفيَّة، وجدنا أكثرهم غافلين عن أصحابنا القائلين بما كانوا به عاملين، لا يفرِّقون التِّلميذ عن الأستاذ، ولا يميِّزون ذوي التَّقليد عن أهل الاجتهاد، فحثُّوني على كَتْب "كتائب أعلام الأخيار وطبقات ذوي الفُتيا وقضاة الأعصار".
فجمعْتُ مشايخ المتقدِّمين والمتأخِّرين وعلماءَنا المقلِّدين والمجتهدين من فقهاء الأعصار (وقضاة الأمصار) (^٣) والأقطار، بأسانيدهم وعنعناتهم، على حسب
_________________
(١) في هامش ض (التوفيق: تهيئة أسباب الخير، وتنحية أسباب الشَّر منه).
(٢) أ: العلوم.
(٣) ساقطة من: أ.
[ ١ / ٣٣ ]
أعصارهم وطبقاتهم، مع إرداف المسائل الغريبة المنقولة عنهم في مشاهير كُتب الفتاوى، وتذييل الحكايات العجيبة المسموعة في حقِّهم عن جماهير العلماء ومشايخ زماننا، إلى أبي حنيفة إمام أئمة مذهبنا، ثم إلى رسولنا ﷺ صاحب شريعتنا.
ولقد دوَّن المؤرِّخون كتبًا في الطَّبقات، ولم أرَ أحدًا اعتنى ببيان الأسانيد والعَنْعَنات مع إردافِ المسائل وتذييلِ الحكايات.
وكتابنا هذا مسمَّى بـ "كتائب أعلام الأخيار من فقهاء مذهب النُّعمان المختار"، ومرتَّب على: العنوان، والبرهان، والسُّلطان، والأركان، والكتائب، على ترتيب المراتب.
اعلم أنَّ نبيَّنا ﷺ بلَّغ ما أُنزِل إليه إلينا، وعلَّم الدِّين، وأقام الحدود (^١)، وقضى وحَكَم، وبيَّن الشَّرع، وشرع بيان الحكم، وجاهد حقَّ الجهاد في إقامة الدِّين، وأعضَّ وألزم.
ثمَّ الخلفاء الرَّاشدون ووجوه الصَّحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - بذلوا جهدهم في إقامةِ الدِّين، وإجراءِ الشَّرع المبين (^٢)، وتعيينِ قوانين الموحِّدين، وتوهينِ كيد أعداء الله المبتدعين، فأقاموا الإسلام عن أَوْدِه، وأسندوا الأمرَ إلى مستَنده، معتصمين بنصر الله، صادعين بأمر الله، وكانوا بشرف صحبته ﷺ سالمين عن الطَّعْن، وببركة خدمته خالصين عن شَوْب الشَّيْن، فكانَتْ آثارُهم لمن بعدهم شِرعةً ومنهاجًا، ولرفع غَيْهَب الضَّلال سراجًا وهَّاجًا.
وكذا أعلامُ التّابعين الَّذين يزاحمونهم في الفتوى، إلى أن اختلفَتِ الآراء،
_________________
(١) ع: (وأقام الدِّين وعلم الحدود).
(٢) ساقطة من: ع.
[ ١ / ٣٤ ]
وظهرَتْ أهل البِدع والأهواء (^١)، وافقوهم بغير خلاف، ونقلوا أحكام الدِّين منهم إلى الأخلاف (^٢)، مُحْيِين سنَّة الأسلاف، حاوين مآثر الأشراف.
ولمَّا كانت حوادث الأيَّام خارجة عن التِّعداد، ومعرفة أحكامها لازمة إلى يوم التَّناد، وكانت ظواهر النُّصوص غير موفِيَةٍ ببيانها، بل لا بدَّ لها من طريق وافٍ (^٣) بشأنها، اضطَّروا إلى الاجتهاد بالرَّأي فاجتهدوا، وأسَّسوا قواعدَ الأصول وشيَّدوا، فعزموا على تعيين المذهب ومهدَّوا، مستفيضين بما رُوي عن رسول الله ﷺ أنَّه لمَّا بعثَ معاذًا ﵁ قاضيًا إلى اليمن قال له: "بِمَ تقضي يا معاذ؟ " قال: بكتاب الله تعالى. قال: "فإنْ لمْ تجدْ"؟ قال: بسنَّة رسوله. قال: "فإنْ لمْ تجدْ"؟ قال: أجتهدُ فيه برأيي (^٤)، فقال رسولُ الله ﷺ: "الحمد لله الَّذي وفَّق رسولَ رسولِه لِمَا يُرْضِي به رسولَه" (^٥).
ثمَّ إِنَّ علماءَ الدِّين والأئمَّة المجتهدين بذلوا جهدهم في تحقيق المسائل الشَّرعية، وتدقيق النّظائر الفرعيَّة، واستنبطوا أحكام الفروع من الأدلَّة الأربعة، فاتِّفاقُهم حجَّةٌ قاطعةٌ، واختلافُهم رحمةٌ واسعةٌ، قُوَام الدِّين بهم، وثَباتُ الشَّرع بفقْهِهم.
_________________
(١) ساقطة من: ع.
(٢) ضع: الخلاف.
(٣) أ: موف.
(٤) ع: رأيي.
(٥) رواه أبو داود (٣٥٩٢) و(٣٥٩٣)، والتِّرمذي (١٣٢٧) و(١٣٢٨) وقال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وليس إسناده عندي بمتَّصل. وقد اختُلف في تصحيح هذا الحديث كثيرًا. انظر: "التلخيص الحبير" لابن حجر (٤/ ٤٤٥).
[ ١ / ٣٥ ]
فمنهم أصحابُ الطَّبقة العالية في الاجتهاد، وهم الَّذين صادف الدِّين منهم أقوى عِماد، وضعوا المسائل على حسب قواعد قولهم (^١) وأصولهم، وهذَّبوا مسائلَ الاجتهاد مع تنقيح طرق النَّظر على مذاهبهم، يستبدُّون في استنباط (^٢) الأحكام من الكتاب والسنَّة والإجماع والقياس، من غير تقليدٍ لا في الفروع ولا في الأصول لأحدٍ من النَّاس، وحالهم متفاوتة في اشتهار مذاهبهم، واعتبار مشاربهم، فممَّن شاعَ مذهبهم في الأعصار، واشتهرت آثار عِلْمهم في الأقطار والأمصار:
إمامُنا الأعظم أبو حنيفة نعمان الكُّوفي، ومالكُ بن أنس، وسفيان الثَّوري، وابن أبي ليلى محمَّد بن عبد الرَّحمن، وعبد الرَّحمن الأوزاعي، ومحمَّد بن إدريس الشَّافعي، وأحمد بن حنبل، وداود بن علي الأصفهاني.
ولكنَّ اللهَ تعالى خصَّ من بينهم الأئمَّة الأربعة؛ أبو حنيفةَ ومالكٌ والشَّافعي وابنُ حنبلَ بهدايتِه، بحيث منع العلماءُ تقليدَ غيرِهم، ولم يُدْرَ مثلهم في غيرهم من المجتهدين إلى الآن؛ لانضباط مذاهبِهم، أو لانقراضِ أصحابِ غيرهم، وتعذُّر نقلِ مذهبهم.
والحاصل أنَّ هؤلاء الأربعة انخرقَتْ بهم العادة على معنى الكرامة؛ عنايةً من الله تعالى بهم، إذا قِيْسَتْ أحوالهم بأحوال أضْرابِهم، فاشتهار مذهبهم في ظهور الآفاق، واعتبار أصولهم وفروعهم في بطون الأوراق، واجتماع القلوب على الأخذ بها على ممرِّ الدُّهور دون ما سواها، بما يشهد بصلاح نيَّتهم، وحُسْن طويَّتِهم، وجَلِيل سيرتِهم، وجميلِ سريرتِهم، لاسيَّما الإمام الأعظم، والقَوْم الهُمَام الأقدم، سراج الأمَّة، وتاج الملَّة، وقِمَّة الأئمَّة، أبو حنيفة نُعمان بن ثابت، ثبَّته اللهُ في أُخْراه بالقول الثَّابت.
_________________
(١) ساقطة من: ض، أ.
(٢) ض، أ: الاستنباط.
[ ١ / ٣٦ ]
قدْ خصَّه اللهُ تعالى بعنايتِه، وجمع من الفضائل في ذاتِه ما لم يَجمع نُبَذًا منها في غيره، مع كونه من التَّابعين دون غيره، وجعله مقتدى شريعته إلى آخر الدَّهر ونهايته، حتَّى شاع علمُه، واشتهر مذهبُه بكثرة المجتهدين في ذاهبي ما يذهبُه، وأظهر علوم الشَّرع بين المسلمين، ونشر أحكام الفروع بين المؤمنين، فإِنَّه أَوَّلُ مَنْ فرَّع في الفقه وألَّف، ودون كُتُبَ الفُروع وصنَّف، باتِّفاق أصحابه الملازمين إلى درسه، من مشاهير علماء المجتهدين واجتماع أضرابه المختلفين إلى مجلسه، من جماهير الفضلاء المتقدِّمين كأبي يوسف المقدَّم في الأخبار واللِّسان، ومحمَّد المقدَّم في الفقه والإعراب والبيان، وزُفَر بن هُذيل الفقيه النَّبيه في القياس، وحسن بن زياد المسلَّم في السؤال والتَّفريع بين النَّاس، وعبد الله بن المبارك الصَّائب في رأيه أيَّة سالك (^١)، ووكيع بن الجرَّاح المفسِّر الزَّاهد النَّصَّاح، وحفص بن (غياث بن طَلْق) (^٢) الفطن الزَّكي في القضاء (^٣) بين الخلق، ويحيى بن زكريَّا بن أبي زائدة في جمع الحديث وضبط الفروع له فوائده (^٤)، وأسد بن عَمْرو القاضي، ونوح بن مريم الجامع، وأبو مطيع البَلْخِي، ويوسف بن خالد السَّمْتي، وغيرهم جميعًا، وسنذكرُهم إن شاء الله مُشْبِعًا.
ثمَّ أقرَّ بفضله الخصوم، وسلَّموا له في كلِّ العلوم، حتى قال الإمام مالكٌ حين سُئِل عنه - عن أبي حنيفة: رأيتُه رجلًا لو كلَّمك في هذه السَّارية ليرى أنْ يجعلها ذهبًا لَقام بحجَّته.
_________________
(١) ض، أ: سلك.
(٢) ع (طلق بن غياث).
(٣) ساقطة من: أ. ع: القضايا.
(٤) ض: قوائده.
[ ١ / ٣٧ ]
وقال مالكٌ: إنَّ أبا حنيفةَ لأهل الفقه خيرُ مؤنِس.
وقال الشَّافعي: النَّاس كلُّهم عيالٌ على أبي حنيفة في الفقه.
وأنشدَ الشَّافعي (^١) في حقِّه:
لقدْ زانَ البلادَ ومَنْ عليها … إمامُ المسلمينَ أبو حنيفَةْ
فما بالمشْرِقَيْنِ له نظيرٌ … ولا بالمَغْرِبَيْنِ ولا بِكُوفَةْ
إمامٌ كانَ للإسلامِ بحرًا … أمينًا للنَّبيِّ وللخليفَةْ
وكانَ الإمامُ أحمدُ بن حنبل كثيرًا ما يذكر فضلَه، ويترحَّم عليه ويبكي في زمن محنته.
وكلُّ واحدٍ من هؤلاء الأئمَّة وإن كان إمامًا متَّفقًا عليه، لكنَّهم لم يصلوا إلى معشار ما وصل إليه أبو حنيفة، وفي ذلك المعنى:
وما (^٢) على اللهِ بمُسْتَنْكَرٍ … أنْ يجمعَ العالَمَ في واحدٍ
(وأيضًا قال:) (^٣)
وإنِّي لا أحصي ثناءَ خِصالِهِ … ولو أنَّ أعضائي جميعًا تَكلَّمُ
فأصحابُنا الحنفيَّة - عامَلَهم اللهُ بألطافه الخفيَّة - هم السَّابقون في الفقه والاجتهاد، ولهم الرُّتبة العُليا في الرَّأي والحديث والإرشاد، وهم الرَّبانيُّون في علم الكتاب والسُّنَّة، وملازمة القُدْوة، ومجانبة الهوى والبِدعة، ولزوم طريق السنَّة
_________________
(١) ساقطة من: ض، أ.
(٢) أ: وليس.
(٣) ساقطة من: ض، أ.
[ ١ / ٣٨ ]
والجماعة، الَّذي كان عليه الصَّحابة والتَّابعون، ومضى عليه (^١) السَّلف الصَّالحون.
فالطَّريق المتناهي في أصول الشَّريعة وفروعها على الكمال هو طريقُ أصحابِنا، بحمد اللهِ المهيمن المتعال، انتهى إليهم الدِّين بكمال، وقام (^٢) الشَّرع بقولهم إلى آخر الدَّهر بخصال، وحالهم على خمس طبقات:
الأولى: طبقةُ المتقدِّمين من أصحابِنا، كتلاميذ أبي حنيفة، نحو أبي يوسف ومحمَّد وزفر وغيرهم، فإنَّهم (^٣) يجتهدون في المذهب، ويستخرجون الأحكام عن الأدلَّة الأربعة، على مُقْتضى القواعد الَّتي قرَّرها أستاذُهم أبو حنيفة، فإنَّهم وأنْ خالَفُوه في بعض أحكام الفروع، لكنَّهم يقلِّدون في قواعد الأصول، بخلاف مالكٍ والشَّافعي وابنِ حنبل، فإنَّهم يخالفونه في أحكام الفروع غير مقلِّدين له في الأصول، وهذه الطَّبَقة هي الطَّبَقة الثَّانية من الاجتهاد، وهي طبقة المجتهدين في الشَّرع كالأئمَّة الأربعة، وحالهم تأسيس قواعد الأصول وتمهيد الدَّلائل، وتنقيح طُرُق النَّظر، ووضع المسائل من غير تقليد لغيرهم من الأماثل.
والثَّانية: طبقة أكابر المتأخِّرين من أصحاب الحنفيَّة، كأبي بكر أحمد الخَصَّاف، والشَّيخ الإمام أبي جعفر أحمد الطَّحاويِّ، والشَّيخ الإمام أبي الحسن عُبيد الله الكَرْخيِّ، وشمس الأئمَّة عبد العزيز الحَلْوَاني، وشمس الأئمَّة أبي بكر محمَّد السَّرَخْسي، وفخر الإسلام علي بن محمَّد البَزْدَوي، والإمامِ الكبير فخر الدِّين حسن، المعروف بقاضي خان، والصَّدرُ الأجلُّ برهان الدِّين محمود، صاحب "الذَّخيرة
_________________
(١) ساقطة: من ض، ع.
(٢) ع: وأقام.
(٣) ساقطة من: ع.
[ ١ / ٣٩ ]
البرهانيَّة" و"المحيط البرهاني"، والشَّيخ الإمام طاهر بن أحمد صاحب "النصاب" و"الخلاصة"، وأمثالهم، فإنَّهم يقدرون الاجتهاد في المسائل الَّتي لا رواية فيها عن صاحب المذهب، ولا يقدرون على المخالفة له في الأصول ولا في الفروع، ولكنَّهم يستنبطونها على حسب أصول قررَّها ومقتضى قواعد بسطها صاحبُ المذهب أبو حنيفة ﵀.
الثَّالثة: طبقة أصحاب التَّخريج من المقلِّدين كالرَّازِي وأضْرَابه، فإنَّهم لا يقدرون على الاجتهاد أصلًا، لكنَّهم لإحاطتهم بالأصول وضبطهم للمآخذ يقدرون على تفصيل قولٍ مجمَلٍّ ذي وجهَيْن، وحُكْمٍ مُبْهَمٍ مُحْتَمِلٍ لأَمرَيْن، منقولٍ عن أبي حنيفة، وعن واحد من أصحابه (^١)، الذَّاهبين بنظرِهم ورأيِهم في الأصول والمقايسة على أمثاله ونظائره من الفروع، ما وقع في بعض المواضع من "الهداية"، كذا تخريج الرَّازِي مِنْ هذا القَبِيل.
الرَّابعة: طبقة أصحاب التَّرجيح من المقلِّدين، كأبي حسين الفقيه أحمد القُدُوري، وشيخ الإسلام برهان الدِّين عليِّ الفَرْغَاني صاحب "الهداية"، وأمثالهما، وشأنهم تفضيل بعض الرُّوايات على بعضٍ بقول آخر، بقولهم "هذا أولى"، و"هذا أصحُّ دراية"، و"هذا أوضحُ رواية"، و"هذا أوفق للقياس"، و"هذا أرفق للنَّاس".
والخامسة: طبقة المقلِّدين القادرين على التَّمييز بين الأقوى والقويِّ والضَّعيف، وظاهر المذهب وظاهر الرِّوايات والرِّوايات النادرة، كشمس الأئمَّة محمَّد الكَرْدَري، وجمال الدِّين الحَصِيْري، وحافظ الدِّين النَّسَفي، وغيرهم، مثل أصحابِ المتون المعتبرة من المتأخِّرين كصاحب "المختار"، وصاحب "الوقاية"،
_________________
(١) زائدة في ع: التابعين.
[ ١ / ٤٠ ]
وصاحب "المجمع"، وشأنهم أن لا ينقل في كتبهم (^١) الأقوال المردودة والرِّوايات الضَّعيفة، وهذه الطَّبقة أدنى طبقات المتفقِّهين.
وأمَّا الَّذين هم دون (^٢) ذلك فإنَّهم كانوا ناقصين عامِّين، يلزمهم تقليد علماء عصرهم وفقهاء دهرهم، ولا يحلُّ لهم أن يُفتوا (^٣) إلا بطريق الحكاية، فيحكي ما يضبطُه من أفواه العلماء، ويحفظُه من أقوال الفقهاء (^٤).
ثمَّ إنَّ أصحابنا كثّرهم الله تعالى إلى يوم التَّناد، تفرَّقوا في القرى والبلاد، فمنهم أصحابنا المتقدِّمون في العراق كبغداد، وهو دار الخلافة ودار العلم والإرشاد، ومنهم مشايخ بَلْخ، ومشايخ خُرَاسان، ومشايخ سَمَرْقَنْد، ومشايخ بُخارى، ومنهم مشايخ وخلائق من بلاد (^٥) أخرى، كالرَّيِّ وشِيْراز وأصْبَهان وسَاوه وطُوس وزِنْجان وهمذان واسترآباد وبسطام ومَرْغينان وفرغانة ودامغان، وغير ذلك من المدن الدَّاخلة في أقاليم ما وراء النَّهر وخراسان وأَذْرَبِيجان ومازندران وخُوَارْزم وغَزْنة وكَرْمان، إلى بلاد الهند وجميع ما وراء النَّهر، والله أعلم، وغير ذلك من مدائن عراق العرب وبلاد عراق العجم.
ونشرُوا عِلم أبي حنيفة إملاءً وتذكيرًا وتصنيفًا، واستفاد النَّاس منهم على اختلاف طبقاتهم، فبلغ كثرةُ الفقهاء إلى حدٍّ لا يُحصى، وأماليهم وتصانيفهم غير قابلة للعدِّ والإحصاء، وكانوا يتفقَّهون ويجتهدون، ويَستفيدون ويُفيدون، ويجيبون
_________________
(١) ض، أ: كتابهم.
(٢) ع: (أدنى من).
(٣) ض، أ: يفتي.
(٤) ع: العلماء.
(٥) ساقطة من: ع.
[ ١ / ٤١ ]
الوقائع ويؤلِّفون البدائع، ويفتون في النَّوازل ويجمعون المسائل، فبقي نظام العلم وانتظام أهاليه على أحسن النِّظام، ورقى رواجَه على كرور اللَّيالي ومرور الأيَّام، إلى حين قدَّر الله المهيمن المنَّان على ما قضاه من خروج جِنْكز خان، فوضَعَ السَّيفَ وقتلَ العباد، وخرَّب العامر وأهلك البلاد، ومشى عليهم مشي الموسى على الشَّعر، وسعى عليهم سعي الدَّبَى على الزَّرع الأخضر، وقَدِمَ خُوَارِزْم وأعارها، وقتل سلطانها محمَّد بن خُوَارِزْم شاه وأبادها، وهدم أركانها، وخرَّب بنيانها، والشَّيخ أبو الجَنَّاب نجم الدِّين الكُبْرَى، رُزِق بالشَّهادة في هذه الوقعة (^١) العُظمى، بِيَدِ هذه الفئة الكافرة الفاجرة الطاغية، في سنة ستِّ عشرة وستِّمئة، يشير إليه العارف الرَّبانيُّ والعالم الصَّمدانيُّ المولى جلال الدِّين الرُّومي في ذكر انتسابه به (حيث قال هذه الأبيات منشدًا) (^٢):
ما ازآن محتشمانيم كه ساغر كيرند … نه ازآن مفلسكان كه بزلاغر كيرند
به يكي دست مي خالص ايمان نوشند … بيكي دست دكر برجم كافر كيرند
فكانَ ما كان في القُرى والأمصار من قضاء الله العزيز القهَّار، فإنَّ الله تصريفًا في عباده، لا بدَّ أنْ ينفدَ (^٣) فيهم سهمُ مرادِه، ولا مفرَّ من القضاء ولا محيد عمَّا قدَّره اللهُ وقضى:
تبدَّلَتِ الأطوارُ وانحلَّ عقدُها … وزالَ عن أطوارِ الزَّمانِ نِظامُ
وزالَ عن الأيَّام نورٌ ورونقٌ … وطبَّقَ أكنافَ البلادِ ظلامُ
_________________
(١) ع: الواقعة.
(٢) ساقطة من: ض، أ.
(٣) ع: ينفذ.
[ ١ / ٤٢ ]
وكانَ سريرُ العلمِ صرحًا ممرَّدًا … يُناغي القِبابَ السَّبْع وهي عِظامُ
مَتينًا رَفيعًا لا يُطار غُرابُه … عَزيزًا مَنيعًا لا يَكادُ يُرامُ
مَهيبًا ومحميَّ الزِّمامِ وأهلُه … أعزَّةَ أهلِّ العالَمِين فخَامُ
محطَّ رحالٍ للأجلَّة قبلةً … لكلِّ إمامٍ يقتديه أنامُ
فجرَّتْ عليه الرَّاسياتُ ذيولَها … فخرَّت عروشٌ فيه ثمَّ دِعَامُ
وسِيْقَ إلى دارِ المهانةِ أهلُها … مساقَ أسيرٍ لا يزالُ يُضامُ
ثم تلاهُ بنوه، وزوَّدوه والدُّوا فعله وأيَّدوه، حتى قصد هُلاكو الكافر ابن جنكز الفاجر، ببغداد بجيشٍ عَرَمْرَمٍ، في زمانِ الخليفةِ المستعصم، آخر الخلفاء العبَّاسيَّة في سنة ستٍّ وخمسين وستِّمئة، ونزل على بغداد وقتل الخليفة، وهجم عسكر التَّاتار الفجرة دارَ الخلافة، وقتلوا مَنْ كان ببغداد من الفقهاء وسائر المسلمين، وبقي بلاد الإسلام بلا خليفة ثلاث سنين، وكان ذلك بفتنة وزيره ابن العلقميِّ نور الدِّين الخبيث الرَّافضي، فانقرضَتْ الدَّولة العباسيَّة من العراق، وسقى الدَّهرُ أهلَها كأسَ الفِراق، بالسَّيف والدَّم المهراق، وانعكس حال العلمِ في هذه الأيَّام، وارتحل بقيَّة السُّيوف من أهاليه إلى أرض مصر وبلاد الشَّام.
تعطَّل الدَّرسُ (^١) أيامًا بها وخَلَتْ … مجامِعُ النَّحوِ مِن جاءٍ ومُنْطَلقِ
فما يُرَى قلَّ مَنْ فيها أخو أدبٍ … ولم يخُطْ ولو سَطْرًا على ورقِ
وكانَ فقهاءُ الحنفيَّة في تلكَ الدِّيار قليلًا، وللواردِيْن ما يُشْفي لقاؤهم عَليلًا، فساروا بأهاليهم إلى دمشق وحلب المحروسة، مقتبسين بـ ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ
_________________
(١) ع: الدهر.
[ ١ / ٤٣ ]
الْمُقَدَّسَةَ﴾ [المائدة: ٢١]، وكانت هذه الدِّيار في هذا العصر على أحسن (^١) النِّظام، ببركة معدلة سلاطين الغرب (^٢) في هذه الأيَّام، وكانت تَقْدم الفقهاء إليها من البلدان، وترحل الطَّلبة إليها للتَّفقه من كلِّ مكان، إلى أن حدث فيها تعدِّي سلاطين الجراكسة، وصار أطوارُ (النِّظام متنكِّسةً، وأحوالُ الزَّمان) (^٣) منعكسة (^٤)، فارتحل العلم وأهاليهم إلى بلاد الرُّوم، واجتمع فيها ذووا الفضائل وأرباب العلوم، ببركة سلطنة الخواقين العثمانيَّة، ويسرة معدلة القوانين الخاقانيَّة، وحسن همَّتهم العلماء، ولطف تربيتهم الفضلاء، وكمال رعايتهم الفقهاء، فبلغوا إلى حدٍّ لا يكاد يُحصر، ولا يُضبط بديوان ولا دفتر، سيِّما دار السَّلطنة العليَّة، قسطنطينية المحميَّة.
في كلِّ يومٍ جيادُ الفضلِ جائلُها … وكلِّ حينٍ أسودُ العِلمِ تعتركُ
قد بلغَ فقهاؤها في العلم (^٥) الغاية (^٦)، وفي العمل والاجتهاد النِّهاية، كلٌّ منهم في الأصول مُغْنٍ، وفي الفقه مختارٌ، وفي مجمع العلوم مشكاةٌ، وفي إفاضة الأنوار (^٧) منارٌ، ولهم في كنز التَّحقيق كفايةٌ وهدايةٌ، وفي الخزانة عنايةٌ، ومنتهى الغير لهم بدايةٌ، ولأكثرهم (^٨) مشاركة في العلوم كلِّها، شرعِّيها ونقليِّها
_________________
(١) ض، أ: حسن.
(٢) أ: العرب.
(٣) ع: (الزمان منكسة، وأحوال الأيام).
(٤) ساقطة من: أ.
(٥) أ: الفضل.
(٦) ع: غاية.
(٧) ع: العلوم.
(٨) ع: ولغيرهم.
[ ١ / ٤٤ ]
وعقليِّها، وأيادٍ طويلةٍ في الشِّعر والأدب، والإنشاء والمحاضرات والخطب، في كلِّ (^١) وادٍ يهيمون، من بدائع العلوم وصنائع الفنون، والآن بحمد الله المنَّان على زيادة من ذلك، بيُمْنِ دولة مالك الممالك، سلطان العرب والعجم والروم، كاسر الأكاسرة، وقهرمان القروم، إمام الزَّمان بأمر الله، قوي السُّلطان في المشرِقَيْن، وخليفة الرَّحمن بنصر الله، جلي البرهان في الخافِقَيْن، خادم الأوامر الربَّانية، وناظم القوانين السُّلطانيَّة، عمدة الخلفاء المعتزِّين بالعزَّة السُّبْحانيَّة، وزبدة الأئمة الاثني عشر العثمانيَّة، السُّلطان بن السُّلطان، السُّلطان مراد خان بن السُّلطان سليم خان بن السُّلطان الغازي سليمان خان بن السُّلطان أبي الفتوح سليم خان بن السُّلطان السَّعيد بايزيد خان بن السُّلطان أبي الفتح محمَّد خان بن السُّلطان أبي النَّصر مراد خان بن السُّلطان محمَّد خان بن السُّلطان بايزيد خان بن السُّلطان الغازي مراد خان بن السُّلطان أورخان بن الغازي عثمان، لا زالَتْ سلسلة نظم دولته منتظمة إلى آخر الزَّمان ونهاية الدَّوران، وأرواح أسلافه العِظَام متنزهة في روضة الرَّضوان.
فأضْحَى بحمدِ اللهِ وَارثَ مَنْ مَضَى … مِنَ النَّمطِ الأعلى ووارثَ مَنْ بَقِيْ
عَطوفًا رَؤوفًا بالرَّعايا يَسُوسُهم … بصورةِ سلُطانٍ وسِيرةِ مُتَّقيْ (^٢)
يفتِّشُ أحوالَ الأنامِ بنفسِهِ يراعي رجالَ الفضلِ يَزْجُرُ بالشَّقِيْ
اجتباه الله تعالى للمُلْكِ وعيَّنه، وجلَّل منكبَه برداء السَّلْطَنة وزيَّنه، وملأ بهيبته قلوبَ الأداني والأقاصي، وذلَّلَ لحكمه رقابَ الأذياب والنَّواصي، وأنام بعدْلِه في
_________________
(١) ساقطة من: ع.
(٢) ع: تتقى.
[ ١ / ٤٥ ]
كنف الأمن (^١) العزيز أنامه، وخصَّ على إصلاح مهمَّاتهم (^٢) قعوده وقيامه، وكيف لا، وقد (قرنه الله الحميد) (^٣) بإرشاد المولى المعلِّم السَّعد السَّعيد، لا زال في منصبٍ عالٍ وعيشٍ رغيدٍ.
مَعاليَهُ تأبى أن تُعدَّ وأن تُحْصَى … وإنْ جدَّ في إحصائِها المرءُ واسْتَقْصَى (^٤)
لقدْ خصَّهُ الرَّحمن بالفضلِ والعُلَىَ … مِنَ النَّاسِ فِي الدُّنيا فحمْدًا لَمَنْ خَصَّا