ثم بعثَ الله تعالى بعد ستِّمئة وعشرين سنةً نبيَّنا ورسولَنا، أفضل الكائنات، وأشرف المخلوقات، محمَّدًا رسول الله عليه أفضل الصَّلوات، وأكمل التحيَّات من الله ﷿ خالقِ المخلوقات، عليه أنزل الكتاب والبيِّنات، ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨) مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٨، ٢٩]؛ ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [سورة المائدة: ٤٨].
_________________
(١) ع: وبعث.
[ ١ / ٨٤ ]
وعن ابن عباس ﵄ قال: أوَّل المرسلين آدم، وآخرهم محمَّد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين (^١).
وكانت الأنبياء (^٢) مئة ألف وأربعة وعشرين ألفَ نبيٍّ، الرُّسل منهم ثلاثمئة وخمسة عشر نبيًا، خمسة عبرانيُّون، وهم: آدم وشِيْث وإدريس ونُوح وإبراهيم، وخمسة من العرب: هُود وصَالح وشُعَيب وإسماعيل ومحمَّد ﷺ، وأوَّل أنبياء بني إسرائيل مُوسَى، وآخرهم عِيْسى.
والكُتب التي أُنزلت على الأنبياء مئة وأربعة، منها على شِيْث خمسون صحيفة، وعلى إدْرِيس ثلاثون صحيفة، وعلى إبراهيم عشرون صحيفة، وعلى موسى التَّوراة، وعلى داود الزَّبور، وعلى عيسى الإنجيل، وعلى محمَّد ﷺ الفرقان.
وفي تاريخ "الكامل" الَّذي ألَّفه ابن الأثير: عاشَ آدم ألف سنة. وأمَّا في التَّوراة أنَّه ألف سنة إلا سبعين (^٣) سنة، لعلَّ التَّوراة لم يعدُّوا من سنِّه ما وهبه لداود ﵇.
وكان بين موتِ آدم والطُّوفان ألفا سنة ومئتا سنة وأربعون سنة، وبين الطُّوفان وبين موت نوح ثلاثمئة وخمسون سنة، وبين نوح وإبراهيم ألفا (^٤) سنة ومئتا سنة وأربعون سنة، وبين إبراهيم وموسى سبعمئة عام، وبين موسى وداود خمسمئة عام، وبين داود وعيسى ألف ومئتا عام، وبين عيسى ومحمَّد صلوات الله عليه وسائر الأنبياء والمرسلين ستمئة وعشرون سنة.
_________________
(١) انظر: "المعارف" لابن قتيبة (ص: ٥٦).
(٢) ساقطة من: ض، أ.
(٣) ع: ستين.
(٤) ع: ألف.
[ ١ / ٨٥ ]
وكان بين نوحٍ وآدم عشرة آباء، وبين إبراهيم ونوح عشرة آباء، قال (عِكْرِمة: كان) (^١) بين آدم ونُوح عشرة قرون، كلُّهم على الإسلام. وقرأْتُ في الإنجيل أنَّ عدد القبائل من إبراهيم إلى داود أربعة عشر قرنًا، ومن داود إلى جَالِية بابل أربعة عشر قرنًا، وبين جَالِية بابل إلى المسيح أربعة عشر قرنًا، نقله ابن قُتيبة في "المعارف".
قال الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣]؛ متَّفِقين على الحقِّ فيما بين آدم وإدْرِيس. وعن عطاء والحسن: كان النَّاس بعد وفاة آدم إلى مبعث نوح أُمَّة واحدة على ملَّة واحدة، كانوا كُفارًا مثال (^٢) البهائم في فترة إدريس، فبعث الله نوحًا وإبراهيم وغيرهما (^٣)، فاختلفوا: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣].
عن كعب: الذي علمته من عدد الأنبياء مئة وأربعة وعشرون ألفًا، والمرسل منهم ثلاثمئة وثلاثة عشر، والمذكور في القرآن ثمانية وعشرون (^٤) (باسم العَلم) (^٥): ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا﴾ [آل عمران: ٣٣]، ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ﴾ [مريم: ٥٦]، ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [الأعراف: ٦٥؛ هود، ١١/ ٥٠]، ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [الأعراف: ٧٣؛ هود: ٦١]، ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ
_________________
(١) ساقطة من: أ.
(٢) ع: أمثال.
(٣) انظر: "تفسير البغوي" (١/ ١٨٦).
(٤) انظر: "تفسير البيضاوي" (١/ ٤٩٦).
(٥) ع: وهم.
[ ١ / ٨٦ ]
عَلِيمٌ (٨٣) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٨٣ - ٨٦]، ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٧٦ - ١٧٨]، ﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ﴾ [ص: ٤٨]، ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠].
ذكر أبو اللَّيث في "بستانه": اختلفوا في ذي القَرْنَين ولُقْمان، قال عِكْرِمة: كانَا نبيَّين، وأكثر أهل العلم (^١) قالوا: إنَّ لُقْمان كان حكيمًا ولم يكن نبيًّا، وذا القَرْنَين ملِكًا صالحًا ولم يكن نبيًّا (^٢).
وقد فضَّل اللهُ تعالى نبيَّنا محمدًا ﷺ بأن أعطاه مثلَ ما أعطى كلَّ (واحد من النبيِّين) (^٣) والمرسلِين صلوات الله عليهم، وأكملَ الشَّرائع به، وختمَ به، وجعله خاتم النبيِّين. قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤) رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٣ - ١٦٥]؛ فيقولوا: لولا أرسلْتَ إلينا رسولًا فينبِّهنا ويعلِّمنا ما لم نعلم.
_________________
(١) ساقطة من: أ.
(٢) انظر: "تفسير السَّمَرْقندي" (٢/ ٣٥٩).
(٣) ع: (نبي من الأنبياء).
[ ١ / ٨٧ ]
وفيه دلالة على أن بعثة الأنبياء على النَّاس ضرورةٌ لقصور الكلِّ عن إدراك جزئيات المصالح، والأكثر عن إدراك كليَّاتها.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ [النساء: ١٦٥] غالبًا على أمره لا يُغلَب فيما يريده، ﴿حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٦٥] فيما دبَّر من أمر النبوَّة. وخصَّ كلَّ نبيٍّ بنوع من الوحي والإعجاز، ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٦٦].
[لما وقع الجواب لأهل الكتاب عن سؤالهم رسولَ الله ﷺ أن ينزل عليهم كتابًا من السماء، والاحتجاج عليهم بأنه ليس بدعًا من الرُّسل، وإنما شأنه في حقيقة الإرسال وأصل الوحي كشأن سائر مشاهير الأنبياء الَّذين لا ريبَ لأحدٍ في نبوَّتهم.
وتعدُّد الرُّسل والكتب واختلافها في كيفية النُّزول، وتغايرها في بعض الشرائع والأحكام إنما هو لتفاوت طبقات الأمم في الأحوال الَّتي عليها يدور ذلك التَّكليف، ولاقتضاء (^١) أحوالهم المتخالفة، واستعداداتهم المتغايرة من الشرائع والأحكام، حَسْبَما تقتضيه الحكمة التَّكوينية وتستدعيه الحكمة التَّشريعية، فسؤال تنزيل الكتاب جُمْلة اقتراحٌ فاسدٌ، كأنهم تعنَّتوا بما سبق من السؤال، وقالوا: ما نشهد لك بهذا فنزل: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٦] من القرآن المعجِز الدَّال على نُبوَّتك، أنزله متلبِّسًا بعلمه الخاص به، وهو العلم بتأليفه على نَظْم يعجَز عنه كلُّ بليغ، أو بحال من يستعدَّ للنبوَّة ويستأهل نزول الكتاب عليه، أو بعلمه الذي يحتاج إليه الناس في معاشهم ومعادهم، ويشهد الملائكة بنبوَّتك أيضًا.
_________________
(١) ض: والاقتضاء.
[ ١ / ٨٨ ]
إذا تقرَّر هذا وتمهَّد ظهر أنَّ الأنبياء والرُّسل ﵈ كلُّهم كانوا يقرُّون الحنيفيَّة، وأنَّ الفِطْرة هي الحنيفيَّة، وأنَّ الطَّهارة فيها، وأنَّ الشَّهادة بالتَّوحيد مقصورة عليها، وأنَّ النَّجاة والخلاصَ متعلِّقة بها، وأنَّ الشَّرائع والأحكام مَشارع ومناهج إليها، وأنَّ الأنبياء والرُّسل ﵈ مبعوثةٌ بتقريرها وتقديرها، وأنَّ الفاتحة والخاتمة، والمبدأ والكمال، مَنُوطةٌ بتحلِّيها (^١) وتحريرها، ذلك الدِّين القيِّم، والصِّراط المستقيم، والمنهج الواضح، والمسلك اللائح، وبالخصوص صاحب شريعتنا ﷺ كان في تقريرِها قد بلغ النِّهاية القُصْوى، وأصاب المرمى] (^٢)، قال الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [سورة الروم: ٣٠].
قال الشَّيخ الإمام يحيى بن علي الزَّنْدَوْيَسْتِيُّ في الباب الثاني والتسعين من "روضته": إنّ الأمَّة اجتمعَتْ على أنَّ الأنبياء ﵈ أفضل الخليقة، ونبيُّنا محمَّد ﷺ أفضلهم، واتفقوا أن أفضل الخلق بعد الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين: جِبْرائيل، وإسْرافِيل ومِيكائِيل، وعِزْرائيل، وحمَلَة العرش، والكَرُوبِيُّون، والرُّوحانيُّون، ورِضْوان، ومالِك، صلوات الله عليهم أجمعين، وأنَّ الصَّحابة والتَّابعين، والشُّهداء والصَّالحين أفضلُ من سائر الملائكة.
قال أبو حنيفة ﵀: سائر النَّاس من المسلمين أفضلُ من سائر الملائكة، قال أبو يوسف ومحمَّد - رحمهما الله -: سائر الملائكة أفضل، له قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٣، ٢٤]، أخبر الله
_________________
(١) ض: بتحلها.
(٢) ساقطة من: ع.
[ ١ / ٨٩ ]
تعالى أنَّ الملائكة زوَّار أهل الجنَّة من المسلمين والمسلمات، والمَزُور أفضلُ من الزوَّار، فلذلك قال أبو حنيفة: إنَّهم أفضل من سائر الملائكة.
وقال أبو منصور البغدادي في "كتاب التواريخ": قد اختلفوا في التَّفضيل بين الملائكة وبين الأنبياء والمؤمنين؛ قال جمهور أصحابنا بتفضيل كلِّ واحد من الأنبياء على الملائكة، وأجازوا بأن يكون في المؤمنين مَنْ هو أفضلُ مِنَ الملائكة، ولم يشيروا إلى واحد منهم بهذا الحكم فيه (^١) بعينه، ولم يقلْ أحدٌ من أهل الحديث بتفضيل الملائكة على الأنبياء إلَّا الحُسَيْن بن الفَضْل البَجَلِي.
واختلف المعتزلةُ في ذلك؛ فمذهب جمهورهم أنَّ الملائكة أفضلُ من الأنبياء (^٢) على التَّفصيل، وهؤلاء يلزمُهم تفضيل زبانية النَّار (^٣) على الأنبياء وأتباعهم، وزعم آخرون منهم أنَّ الملائكة الذين ليس لهم معصية أفضل من الأنبياء، فأمَّا من عصى منهم بأدنى معصية، كهاروت وماروت فإنَّ الأنبياء أفضل منهم، وهذا قول (^٤) الأصم منهم. وزعمت الإمامية أنّ الأئمة أفضل من الملائكة. وزعمت الغلاة منهم أنّ فيهم من هو أفضل من الملائكة، ويعنون أنفسهم.
وقد روى أصحابُنا عن ابن عباس وأعلام الصَّحابة تفضيلَ قوم من المؤمنين على الملائكة، ولا اعتبار بخلاف المعتزلة، [قال جار الله العلَّامة الزَّمَخْشَرِي في "الكشَّاف" في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ﴾
_________________
(١) ساقطة من: ع.
(٢) في ع زيادة: وأتباعهم.
(٣) ع: جهنم.
(٤) في أ، ع، ض: زيادة: أهل.
[ ١ / ٩٠ ]
[الأعراف: ٢٠]: فيه دليل على أن الملائكة بالمنظر الأعلى، وأنَّ البشريَّة تلمح مرتبتها، كَلَا، ولَا. أي: لمحًا كَلَا لمحٍ، أو نظرًا كَلَا نظرٍ.
قال صاحب "الكشَّاف": إذا أرادوا تقليل مدَّة فعل، أو ظهور شيء خفي، قالوا: كان فعله كَلَا، وربَّما كَّرروا فقالوا: كَلَا ولَا.
ولَعَمري أنَّ الاستدلالَ بقول الملعون (^١) غيرُ ناهض، كيف ومَنْ له أدنى مُسْكَة، يستقلُّ بدراية فساد مُدَّعاه، فلو سُلِّم أنَّ البشر جاز أن يصير ملكًا، إلا أنَّ تسبب الأكل لذلك - وهم معصومون عنه - غيرُ معقول، وكذلك التَّسبب في نفسه، فإِنَّ آدم ﵇ كان من أعرف النَّاس بالله تعالى وبصفاته، وأنّه فاعل مختار. كيف وقد رتَّب الله إليه بالإقسام على النُّصح، لا على تصديق آدم ﵇.
ومن العجبِ أنَّ البَيْضاويَّ مع كونه من أشراف (^٢) أهل السنَّة والجماعة فسَّر قوله تعالى: ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (٣٧) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ [النبأ: ٣٧، ٣٨] على قاعدة أهل الاعتزال، وقال فيها: فإنَّ هؤلاء الذين أفضل الخلائق وأقربهم من الله إذا لم يقدروا أن يتكلَّموا بما يكون صوابًا، كالشَّفاعة لمن ارتضى إلا بإذنه فكيف يملكه غيرهم؟
والمعنى: أنَّ ﴿لَا يَتَكَلَّمُونَ﴾: تفصيل بالأول؛ أي: ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾، فلا يتكلَّمون بالشفاعة إلا من أذن له الرَّحمن منهم بالشفاعة. كذا فسَّره النَّسَفِي في "التَّيسير".
والتَّوجيهُ بأنَّ المراد بالأفضليَّة أكثريَّة المناسبة مع الله في قلَّة الوسائط، بدلالة
_________________
(١) أي: إبليس.
(٢) أ: أشرف.
[ ١ / ٩١ ]
عطف أقربهم، كما هو بحسب العادة، فإنَّ الأقربين من الملوك من خدمهم يكون تبسُّطهم أكثر (^١) من البعداء عنهم، وإن كانت وظائف البعداء أكثر، وعوائدهم أوفر = توجيهٌ بعيدٌ.
ونبيُّنا ﷺ مخصوصٌ بالشَّفاعة العُظمى في الموقف يوم الجزاء الأوفى، وأصل الشفاعة ثابتٌ بالنصِّ والإجماع، وليست حقيقةً لطلب المنافع، بل لإسقاط المضارِّ، وتفصيل ردِّ تمسُّكات المعتزلة موضعُه في المطولات، وعليك بـ "المواقف" فإنها كفاية لك.
وفي "جواهر الفتاوى" تصنيف الصَّدر السَّعيد أبي المفاخر، محمَّد بن عبد الرَّشِيد الكَرْماني في الباب السادس من كتاب أصول الفقه: قالوا: الحقُّ عند الله واحدٌ، فإذا كان الحقُّ واحدًا يكون الباقي باطلًا، أم لا؟ قال فخر الدِّين محمَّد بن محمود في باب أصول الدين: كلُّ ما يكون على خلاف مذهب أهل السنَّة والجماعة فهو كُفْرٌ وضلال، أما في باب الشَّرائع فأئمَّة المسلمين في طلب الاجتهاد كانوا مُصيبين، أما الحق يكون عند الله واحدًا، لكنَّ العباد مأمورون بالنَّظر في الدَّليل مع أن الحقَّ عند الله واحد.
قيل له: إذا كان عند الله واحدًا، وأبو حنيفة يقول في مسألة بالحِلِّ، والشَّافعي بالحرمة، كيف يكون؟ قال: الحقُّ واحد، والاجتهاد فيه مسوغ، فإنَّ الاجتهاد طلبُ الحقِّ في الدَّلائل المحتملة بالنَّظر والاستدلال، وفي باب أصول الدين: الدلائل قطعية فلا شبهة فيه، فالحقُّ فيه عند الله وعندنا واحد، وماذا بعد الحق إلا الضلال؟!
أما قولنا: كلُّ مجتهد مُصيب في باب الشَّرائع، كما قال أبو حنيفة بالحِلِّ والشَّافعي
_________________
(١) زائدة في أ: وعوائدهم.
[ ١ / ٩٢ ]
بالحرمة، أو على العكس، فالاجتهاد طلبُ الحقِّ، وهما كانا في طلب الحقِّ.
وفي "جواهر الفتاوى" قبيل (^١) هذا: رجل أخذ مذهب أبي حنيفة، واعتقد أنّ ما قاله الحق، والحق عند الله واحد، فكيف يعتقد فيما قاله الآخرون أنَّه لغوٌ وباطل أو خطأ؟ وهل يجوز أنْ يقاتلَه كما يقاتل الملاحدة والكفرة؟
قال: اعلم أنَّ الثابت بالرأي والاجتهاد ليس كالثابت بالكتاب والسنَّة فيوجب العلم والعمل، وما يثبت بالاجتهاد يثبت بدليلٍ لا يخلو عن شبهة، ولهذا يوجب العمل دون العلم، وما كان ثابتًا بهذا الطَّريق لا تجوز المقاتلة فيه؛ إذ كل فريق في اجتهاده متمسِّك بأنَّ الشَّرع غير خارج عن أمره ولا رادَّ له، وقد اجتمعت الأمَّة أنَّه إنما يُقتَل من أنكر التَّنزيل، ولا تجوز المقاتلة مع من يقول بتأويل التَّنزيل، وإذا لم تجزِ المقاتلة لم يكفر صاحب المقالة الأخرى، لكن يعتقد أنَّ ما قاله صاحبُ مذهبه هو الحق في الاجتهاد، وإنما قاله الخصم بقوله عن اجتهاد وخطأ لم يكفر بذلك؛ لأنَّه طالبٌ للحقِّ، باجتهاده، إلَّا أنه أخطأ في اجتهاده، ولهذا إذا أخطأ مجتهد في مسألة ثمَّ أدَّى اجتهادُه إلى خلاف ما رآه أوَّلًا كان عليه أن يرجع إلى هذا القول الثاني.
قال محمَّد الشَّهْرَسْتاني (^٢): الأصولُ معرفةُ الباري بوحدانيته وصفاته، ومعرفةُ الرُّسل بآياتهم وبيِّناتهم، وبالجملة كلُّ مسألة يتعيَّن الحقُّ فيها بين المتحاجِّين (^٣) فهي من الأصول، ومن المعلوم أنَّ الدِّين إذا كان منقسمًا إلى معرفة وطاعة، فالمعرفة أصل، والطَّاعة فرع، فمن تكلَّم في المعرفة والتَّوحيد كان أصوليًّا،
_________________
(١) أ: قيل.
(٢) زيادة في ض، ع: في.
(٣) ض، أ: المتحاججين. ولعل الصواب ما أثبتناه.
[ ١ / ٩٣ ]
ومن تكلَّم في الطَّاعة والشَّريعة كان فروعيًّا. فالأصولُ هو موضوع علم الكلام، والفروعُ موضوع علم الفقه.
وقال بعض العقلاء (^١): كلُّ ما هو معقول ويوصل إليه بالنَّظر والاستدلال فهو من الأصول، وكلُّ ما هو مظنون ويتوصَّل إليه بالقياس والاجتهاد فهو من الفروع.
وفي "الملل والنِّحل" لمحمَّد الشَّهْرَسْتاني: الخارجون عن الملَّة الإسلاميَّة والشَّريعة الحنيفيَّة ممَّن يقول بشريعة وأحكام وحدود وأعلام قد انقسموا إلى من له كتاب محقَّق مثل: التَّوراة والإنجيل، وعن هذا يخاطبهم في التَّنزيل: يا أهل الكتاب، وإلى من له شِبه كتاب، مثل: المجوس والمانوية، فإن الصُّحف الَّتي أُنزلت على إبراهيم ﵇ قد رُفِعَت إلى السَّماء لأحداث أحدثها المجوس، ولهذا يجوز عَقْدُ العهد، وأخذ الجزية منهم نحو اليهود والنصارى؛ إذ هم من أهل الكتاب، ولكن لا تجوز مناكحتهم، ولا أكل ذبائحهم؛ فإن الكتاب قد رفع عنهم.
ثم قال فيه: الفريقان المتقابلان قبل المبعث هم أهل الكتاب، وإلا يقول: والأمِّيُّ من لا يعرف الكتاب، فكانت اليهود والنصارى بالمدينة، والأمِّيُّون بمكَّة، وأهل الكتاب كانوا ينصرون دين الأسباط، ويذهبون مذهب بني إسرائيل، والأمِّيُّون كانوا ينصرون دين القبائل، ويذهبون مذهب بني إسماعيل.
ولما انشعبَ النُّور الوارد من آدم ﵇ إلى إبراهيم ﵇، ثم أيضًا ذريته على شِعْبين؛ شِعْب في بني إسرائيل، وشِعْب في بني إسماعيل، وكان النُّور المنحدر منه إلى بني إسرائيل ظاهرًا، والنُّور المنحدر إلى بني إسماعيل مخفيًّا، كان يستدل على النُّور الظاهر بظهور الأشخاص وإظهار النُّبوة في شخص، ويستدلُّ
_________________
(١) أ: الفضلاء.
[ ١ / ٩٤ ]
على النُّور المخفي بإبانة المناسك والعلامات، وستر الحال في الأشخاص.
وقِبْلة الفِرْقة الأولى بيت المقدس، وقِبْلة الفِرْقة الثَّانية بيت الله الحرام، وشريعة الأولى ظواهر الأحكام، وشريعة الثَّانية رعاية المشاعر، وخصماء الفريق الأول الكافرون، مثل فرعون، وهامان، وخصماء الفريق الثاني المشركون من عَبدة الأوثان.
وهاتان الأمَّتان - أعني اليهود والنَّصارى - من كبار أمم (^١) أهل الكتاب، والأمَّة اليهوديَّة أكبر (^٢)؛ لأنَّ الشَّريعة كانت لموسى ﵇، وجميع بني إسرائيل كانوا متعبدين في ذلك مكلَّفين بالتزام أحكام التَّوراة.
والإنجيل النَّازل على المسيح ﵇ لم يبيِّن أحكامًا، ولا استنبط (^٣) حلالًا ولا (^٤) حرامًا، ولكنها رموز وأمثال ومواعظ ومَزَاجر، وما سواها من الشرائع والأحكام فمُحالة على التَّوراة كما سنبيِّن. فكانت اليهود لهذه القضية لم ينقادوا لعيسى ﵇، وادّعَوا أنه كان مأمورًا بمتابعة موسى وموافقة التَّوراة، فغيَّروا وعَدوا عليه تلك التغييرات منها تغيير السَّبت إلى الأحد، ومنها تغيير أكل الخنزير فكان حرامًا في التوراة، ومنها الختان والغُسل وغير ذلك.
والمسلمون قد بيَّنوا أنّ الأمَّتَيْن قد بدَّلوا وحرَّفوا، وإلا فعيسى ﵇ كان مُقرِّرًا لما جاء به موسى ﵇، وكلاهما مبشران بمَقدَم نبيِّنا نبيّ الرحمة ﷺ، قد أمرهم أئمتُهم وأنبياؤُهم وكتابهم بذلك، وإنما بنى أسلافهم الحصون والقِلاع بقرب المدينة لنصرة رسول آخر الزَّمان، وأمروهم بمهاجرة أوطانهم من الشَّام إلى
_________________
(١) أ: أممهم.
(٢) أ: أكثر.
(٣) ض: استنبطن.
(٤) ساقطة من: ض.
[ ١ / ٩٥ ]
تلك البقاع، حتى إذا ظهر وأعلن بفَارَان - يعني: جبال مكة - وهاجر إلى دار هجرته يثرب نصروه وعاونوه، وذلك قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩، ٩٠].
وإنما الخلاف بين اليهود والنصارى ما كان (^١) يرتفع إلا بحكمة إذ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ١١٣]. وكان النبيّ ﷺ يقول: ﴿لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة: ٦٨].
وما كان يمكن إقامتها إلا بإقامة القرآن وتحكيم نبيِّ الرَّحمة ورسول آخر الزَّمان، فلمَّا أبَوا ذلك ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٦١]
قال الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٥] مما يحتاجون إليه من أمر الدين، إشارة إلى تمام القسم العمليِّ ﴿وَتَفْصِيلًا﴾ إشارة إلى تمام القسم العلميِّ.
واليهود تدّعي أنّ الشَّريعة لا تكون إلا واحدة، وهي ابتدأت بموسى ﵇ وتمَّت، ولم يكن قبله شريعة إلا حدود عقليَّة، وأحكام مصلحيَّة، ولم يجوِّزوا النَّسخ أصلًا، قالوا: ولا يكون بعدَه شريعة أخرى.
ومن العجب أنَّ في التَّوراة أنّ الأسباط من بني إسرائيل كانوا يراجعون إلى
_________________
(١) ساقطة من: ض.
[ ١ / ٩٦ ]
القبائل من بني إسماعيل، ويعلمون أنّ في ذلك الشعب عِلمًا لَدُنِّيا لم تشتمل التَّوراة عليه، وورد في التواريخ أنّ أولاد إسماعيل ﵇ كان يسمُّونهم: آل الله، وأهل الله، وأولاد إسرائيل: آل يعقوب آل موسى، آل هارون، وذلك كثير عظيم.
(وقد ورد في) (^١) التَّوراة أنّ الله تعالى جاء من طُوْرِ سَيْناء، وظهر بسَاعير، وعلن بفَاران. وساعير: جبال بيت المقدس الَّذي كان مظهر عيسى، وفَاران: جبال مكَّة التي كانت مظهرَ المصطفى ﷺ.
ولما كانت الأسرار الإلهيَّة، والأنوار الربانيَّة في الوحي، والتنزيل، والمناجاة، والتأويل على ثلاث مراتب: مبدأ، ووسط، وكمال، والمجيء أشبه بالمبدأ، والظُّهور بالوسط، والإعلان بالكمال، عبَّر التوراة عن طلوع صبح الشَّريعة والتَّنزيل بالمجيئ على طُور سَيْناء، وعنْ طلوع الشَّمس بالظُّهور على سَاعير، و[عن] البلوغ إلى درجة الكمال بالاستواء والإعلان على فاران. وفي هذه الكلمة إثبات نبوَّة المسيح ﵇ وصاحب شريعتنا المصطفى ﷺ.
وقد قال المسيح في الإنجيل: ما جئت لأُبْطل التَّوراة، بل جئْتُ لأكملها. قال صاحب التَّوراة: إن النَّفس بالنَّفس، والعينَ بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسِّن بالسِّن، والجروح قصاص. ويقول: إذا لطمك أخوك على خدِّك الأيمن فضع له خدَّك الأيسر.
والشَّريعة الأخيرة وردَتْ بالأمْرَين: أمَّا القِصاص ففي قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ
_________________
(١) أ: وفي.
[ ١ / ٩٧ ]
الْقِصَاصُ﴾ [سورة البقرة: ١٧٨]، وأمَّا العفو ففي قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧].
ففي التَّوراة أحكام السِّياسة العامَّة الظَّاهرة، وفي الإنجيل أحكام السِّياسة الباطنة، وفي القرآن أحكام السِّياسَتين جميعًا؛ ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] إشارةٌ إلى تحقيق السِّياسة الظاهرة، ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] إشارةٌ إلى تحقيق السِّياسة الباطنة.
والنَّسخ في الحقيقة ليس بإبطالٍ، بل هو تكميلٌ، وأحكام الكتب السَّالفة وشرائعها باقية بالكليَّة، وحقَّة ثابتة إلى ورود كتاب آخر ناسخ له، وإنَّ ما لم يُنسخ منها إلى الآن من الشرائع والأحكام ثابتة من حيث إنها من أحكام هذا الكتاب المصون عن النَّسخ إلى يوم القيامة، وهذه مسألة شرائع من قبلنا ثابتة ما لم تُنسخ.
واعلم أنَّ القرآن هو المنزَّل على صاحب شريعتنا رسولِ الله ﷺ، المكتوبِ في المصاحف، المنقولِ عنه نقلًا متواترًا بلا شبهة، وهو النَّظم والمعنى جميعًا في قول عامَّة العلماء، وهو الصَّحيح من قول أبي حنيفة عندنا، إلَّا أنَّه لم يجعل النَّظم ركنًا لازمًا في حقِّ جواز الصَّلاة خاصَّة على ما يُعرف في موضعه، أي في المبسوط. هذا ما ذكره فخر الإسلام البَزْدَوي في "أصوله".
وفي شرحه "كشف الأسرار": قوله (خاصة): تأكيد الصلاة، حتى لا يجوز الكتابة (^١) بالفارسية، ولا يجوز الإصرار على القراءة بالفارسيَّة، حتى لو فعل ذلك يُلام ويُعزَّر.
_________________
(١) أ: الكناية.
[ ١ / ٩٨ ]
قال المولى عليُّ بن محمَّد (الشَّاهرُودي) (^١) الشَّهير بالمولى مُصَنَّفَك في حاشيته "ديباجة الكشَّاف": إنَّ القرآن عند أبي حنيفة ﵀ هو النَّظم والمعنى جميعًا، إلَّا أنَّ النَّظم ركنٌ يحتمل السُّقوط دون المعاني، كالإقرار باللِّسان، والتَّصديق بالجنان، بل الصَّحيح من مذهبه على ما تقرَّر في موضعه أنَّ الكلام فيما جرى على لسانه من غير تعمُّد، أمَّا من تعمَّد فهو مجنون، أو زنديق، والمجنون يُدَاوى، والزِّنديق يُقتَل، وكيف لا، ولو كان كذلك لزم أن يكون كل كلام (^٢) في بيان معاني القرآن كالأشعار والأبيات والتركيَّات والهنديَّات وغيرها قرآنًا، وهذا الأمر لا يقبله شرع ولا عقل، صرَّح بذلك الإمام أبو بكر محمَّد بن الفضل، وهو من أكابر الحنفيَّة) (^٣).
وفي "الفتاوى الظَّهِيْرِيَّة" في فصل قراءة القرآن في الصلاة: قال القاضي الإمام البَرْدَعي: إنما جوَّز أبو حنيفة ﵀ القراءةَ بالفارسيَّة لا بغيرها من الألسنة لقرب الفارسيَّة من العربيَّة، على ما جاء في الحديث: "لسان أهل الجنَّة العربيَّة والفارسيَّة" (^٤).
_________________
(١) أ، ع: الشاه وردي.
(٢) أ: كثار. وفي ض، ع: كنار.
(٣) ساقطة من: ع.
(٤) روي من حديث ابن عباس ﵄ ومن حديث أبي هريرة ﵁، وليس فيه: "والفارسية". حديث ابن عباس ﵄ رواه الحاكم في "المستدرك" (٦٩٩٩)، قال الذَّهبي في "التَّلخيص": أظن الحديث موضوعًا. ورواه الطَّبراني في "الكبير" (١١٤٤١) و"الأوسط" (٥٥٨٣). وحديث أبي هريرة ﵁ رواه الطَّبراني "الأوسط" (٥٥٨٣)، وأبو نعيم في "صفة الجنة" (٢٦٩). وضعف الحديثين الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ٥٢، ٥٣).
[ ١ / ٩٩ ]
ولقد سبق زمام الكلام في بيداء هذا المقام، بعد تحرير البرهان وتهذيب العنوان، إلى تهذيب باب السُّلطان، وما نُجري إن شاء الله به عنان القلم، في موقف هذا الجناب المعظَّم (^١) إلَّا إلى ما يطلق له الشرع، ويجيزه علماء الفرع، والله تعالى موفِّقٌ للصَّواب، ومعينٌ على اكتساب الجزيل من الثَّواب.
* * *