أبو بكر الصِّدِّيق، عبد الله بن أبي قُحافة عُثمان (^٧) ﵃.
في "فوائد الجواهر المضيّة": لا يُعرف أربعة من الصَّحابة متوالدون (^٨)، أدركوا النبيّ ﷺ إلا عبد الله بن أسماء بنت أبي بكر بن أبي قحافة، وهو عبد الله بن الزُّبير، وأسماء هي ذات النِّطاقين، تزوَّجها الزُّبير بمكة، فولدت له عبد الله، وكانت مع ولدها عبد الله بمكَّة حتى قُتِل، وبقيت مئة سنة حتى عَمِيَتْ، وماتت بمكَّة، ذكره ابن قُتيبة.
وكان اسم أبي بكر في الجاهلية عبد الكعبة، فسمَّاه رسول الله ﷺ عبدَ الله، ولقَّبه عتيقًا لجمال وجهه، ويقال: إنّه سُمِّي عتيقًا لأنَّ رسول الله ﷺ قال له: أنت عتيق من النَّار. وسُمِّي صديقًا لتصديقه خبر الإسراء.
أسلم أبوه أبو قحافة يوم فتح مكة، وأتى المدينة، وبقي حتى أدرك خلافة أبي بكر، ومات أبو بكر قبلَه، وورثه أبو قحافة السُّدس فردَّه على ولد أبي بكر. وكانت وفاته سنة أربع عشرة في خلافة عُمَر بن الخطَّاب ﵃، وله يوم قُبض سبع وتسعون سنة.
ووُلد أبو بكر بمكَّة، وتوفي بالمدينة لثمانٍ بقين من جمادى الآخرة، سنة
_________________
(١) انظر ترجمته في "معرفة الصحابة" لأبي نعيم الأصبهاني (١/ ٢٢ - ٢٣ - ٢٤) و"الاستيعاب" لابن عبد البر (٣/ ٩٦٣ - ٩٧٨)، و"أسد الغابة" لابن الأثير (١/ ٦٣٨ - ٦٣٩ - ٦٤٠)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (٢/ ٣٥٥ - ٣٩٦)، و"الإصابة" لابن حجر (٤/ ١٤٤ - ١٥٠).
(٢) ساقطة من: أ.
(٣) ع: متولدون.
[ ١ / ١٢٨ ]
ثلاث عشرة من الهجرة، وله ثلاث وستون سنة، وكانت خلافته سنتين وثلاثة أشهر وثمانية أيام.
وهو أول خليفة قضى وألزم، وأول إمامٍ قام بأمر الدِّين، وحكم بين المسلمين، بعد نبيِّنا ﷺ خاتم النبيين وأفضلهم، ولم يختلف عليه ولا فيه أحدٌ من الصحابة رضوان الله عليهم. [وكان من أهل الاجتهاد، ولولا أنّه كان كذا، كان أهلًا بأن تولَّى الحكم والأمر والنَّظر على المسلمين، ولا يجوز أن يكون القائم في أمر الأمَّة بعد الرَّسول إلَّا من يعلم الجميع، لا سيَّما ولم يفرِّق بين المسلمين مالًا، ولا استعان على الصَّحابة بعشيرة.
بُويع له يوم وفاة النبيِّ ﷺ، وهو القائل للأنصار: يا معاشر الأوس والخزرج! أما علمتم أنَّا معاشر قريش أكرم العرب أنسابًا، وأتقنها أحسابًا، وأنَّا نزلنا من العرب أحياها منزلة الوسط من القلادة، وأنّ العرب جِيْبَتْ (^١) عنَّا كما جِيْبَت (^٢) الرَّحى عن القُطَب، وأَنَّا عترة النبيِّ ﷺ. . . والخبر طويل (^٣). فسلَّموا له بنظر وإذعان واعتراف له بالتَّقدم والعلم والسِّن] (^٤).
وكان ﵁ كبير الشَّأن، زاهدًا صابرًا خاشعًا (صادقًا رؤوفًا) (^٥)، عديم النَّظير في الصَّحابة، وكان أفضل النَّاس بعد الأنبياء.
ولما قُبضَ النبيُّ ﷺ ارتدَّت العرب ومَنعَتِ الزكاة، فلمَّا استُخْلِف الصِّدِّيق جمع
_________________
(١) أ: حيلت.
(٢) أ: حيلت.
(٣) انظر: "غريب الحديث" لابن قتيبة (١/ ٥٧٧٦).
(٤) ساقطة من: ع.
(٥) ساقطة من: ع.
[ ١ / ١٢٩ ]
الصَّحابة ﵃ وشاورهم في القتال، فاختلفوا عليه، وقال عمر ﵁: كيف نقاتل النَّاس وقال رسول الله ﷺ: "أُمرت أن أقاتل النَّاس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمَّد رسول الله، فمن قالها (^١) عصم منّي ماله ودمه"؟ فقال الصِّدِّيق: والله لأقاتلنَّ من فرَّق بين الصلاة والزكاة، فإنَّ الزكاة حق المال، والله لو منعوني عِقالًا (^٢) كانوا يؤدّونها رسول الله ﷺ لأقاتلهم (^٣) على منعها. قال عمر: فقلْتُ: تألَّف النَّاس وترفَّق بهم، فقال لي: أجبَّار في الجاهلية، وخوَّار في الإسلام، يا عمر! إنَّه قد انقطع الوحي، وتمَّ الدِّين، أينقصُ وأنا حيٌّ؟! ثم خرج لقتالهم (^٤).
روى الدَّمِيْري في "حياة الحيوان" عن أبي الرَّجاء العُطَارِدي: دخلْتُ المدينة فرأيْتُ النَّاس مجتمعين، ورأيت رجلًا يُقبِّل رأس رجل يقول: أنا فِداك، والله لولا (^٥) أنت لهلكنا فقلتُ: من المقبِّل والمقبَّل، قالوا: عُمَر يقبِّل رأسَ أبي بكر ﵄ من أجل قتال أهل الردَّة.
وهو الذي فرَّق عند (^٦) سماع ما سُمع من أقوال مسيلمة الكذَّاب بيَّن ما هو من كلام الله، وبيَّن [ما هو من] كلامٍ مخلوقٍ (^٧).
_________________
(١) ع: قاله.
(٢) ع: (عقال بعير).
(٣) أ: لقاتلتهم.
(٤) أصل الحديث في البخاري (٧٢٨٤)، ومسلم (٢٠) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٥) ع: فلولا.
(٦) ض: بين. ع (بين عند).
(٧) انظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد (١/ ١٠٠)، والثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٥).
[ ١ / ١٣٠ ]
وجاءته جَدة تطلب حقَّها من الميراث، فقال: لا أجد لك في كتاب الله حقًّا، وهذا قول لا (يجوز أن) (^١) يقوله إلا مَنْ هو أعلم النَّاس بالقرآن ومعانيه، (حتى قطع أنَّه لا يجد لها شيئًا في الوقت والحال سرعة ذكرًا (^٢)، إلا أنَّه قد تحقَّق ذلك بالحفظ) (^٣)، فلما شهدَ المغيرةُ (بن (^٤) شعبة) (^٥)، وعبد الرَّحمن بن عوف أنَّ النبيَّ ﷺ أعطى الجدَّة السُّدس، قضى بقولهما، ورجع إلى روايتهما (لما سمع الرِّواية عمَّن يجب قَبول قوله في الأحكام) (^٦). ذكره الشَّيخ الإمام علي السِّمْناني في "روضة القضاة" (^٧).
وذكر الصَّدر الشَّهيد في "شرح أدب القضاء" للخَصَّاف في تفسير العدل ما نقل عن أبي بكر ﵁: أنه سُئل عن العدل على المنبر، فأجاب على البديهة (^٨):
العدلُ أنْ تأتي أخيكا (^٩) … ما مثله من نفسِه يرضيكا (^١٠)
_________________
(١) ساقطة من: ع.
(٢) ض: فكرًا.
(٣) ساقطة من: ع.
(٤) ساقطة من: أ.
(٥) ساقطة من: ع.
(٦) ساقطة من: ع.
(٧) أصله رواه الإمام مالك في "الموطأ" (٢/ ٥١٣)، وأبو داود (٢٨٩٤)، والترمذي (٢١٠٠)، وابن ماجه (٢٧٢٤). وفيه محمد بن مسلمة بدل عبد الرحمن بن عوف ﵄. قال ابن حجر في "التلخيص الحبير" (٣/ ١٨٦): إسناده صحيح لثقة رجاله إلا أن صورته مرسل فإن قبيصة لا يصح له سماع من الصدِّيق، ولا يمكن شهوده للقصة. قاله ابن عبد البر بمعناه.
(٨) ض، ع: البديهية.
(٩) في ع: (أخاكا).
(١٠) لم أقف عليه في الكتب المتقدمة. وانظر: "البحر الرائق" (٦/ ٢٩٨).
[ ١ / ١٣١ ]
وعُدّ هذا من فصاحة أبي بكر ﵁.
كان يقضي (^١) بالمدينة وينوب عنه (وعلى مكة) (^٢) عتَّاب بن أَسِيْد، وعلى الحراسَة (أبو عبيدة) (^٣) عامر (^٤) بن (^٥) الجرَّاح، وعلى الطَّائف عُثمان بن أبي العاص، وعلى صنعاء المهاجر بن أميَّة، وعلى حضرموت زياد بن أميَّة، وعلى زُبَيْد ورِمَع (^٦) أبو موسى الأشعري، وعلى خَيْبَر معاذ بن جبل، وعلى البحرين العلاء، وعلى نجران جَرِير بن عبد الله.
ثم عَمْرو بن العاص أمَّره (^٧) وبعثه نحو فلسطين، ويزيد بن سفيان، وخالد بن سعيد، وعلقمة بن عبد الله، ومعاوية بن أبي سفيان، وأسامة بن زيد، وهذه جملة من أصحابه وإخوانه.
وَفَتَحَ اليمامة، وقتل مسيلمة الكذَّاب، وبعث الجيوش إلى الشَّام والعراق.
وروى عن النبيِّ ﷺ مئة واثنين وأربعين حديثًا، منها في الصحيحين ثمانية عشر حديثًا، انفرد البُخاري بأحد عشر ومسلم بواحد، رواه ابن الملك في "شرح (^٨) المشارق" في حديث: "لا نورث، وما تركنا صدقة" (^٩).
_________________
(١) زائدة في ع: عنه.
(٢) ساقطة من: ع.
(٣) ساقطة من: ع.
(٤) زيادة من: ع.
(٥) ساقطة من: ض، أ، ع. ولعل الصواب إثباته.
(٦) في ض، أ: رتع. ع: ريغ. ولعل الصواب ما أثبتناه. رِمَع موضع باليمن.
(٧) ض: أمّر.
(٨) ساقطة من: أ.
(٩) رواه البخاري، (٦٧٢٦)، ومسلم (١٧٥٩). انفرد مسلم بالحديث بطوله، واتفقا على =
[ ١ / ١٣٢ ]
قال سعد الملَّة التَّفْتَازَانِي في "شرح المقاصد": لما مرض أبو بكر قال لعُثمان ﵄: اكتب: بسم الله الرَّحمن الرحيم، هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا وأول عهده بالآخرة، داخلًا فيها، حين يؤمن الكافر، ويبرّ (^١) الفاجر، ويصدِّق الكاذب، إني أستخلف عمر بن الخطاب، فإن عدل فذاك ظنّي به (^٢)، وإن بدَّل فجارٍ لكل امرئ ما اكتسب، والخيرَ أردتُ، ولا أعلم الغيب، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧].
فلما عرض الكتاب على الأصحاب قَبلوا، وبايعوا على عمر ﵁، ولما بلغ الكتاب إلى علي ﵁ قال: بايعنا بمن فيه وإن كان عُمر.
فلما مات ﵁ حُمِل على السَّرير الذي كان ينام عليه الرَّسول ﷺ، وهو سرير عائشة ﵂، وهو من حشيش من ساج منسوج باللّيف، بيع هذا السَّرير في ميراث عائشة ﵂، فاشتراه رجل من موالي معاوية ﵁ بأربعة آلاف درهم، فجعله للنَّاس، وهو بالمدينة، وصلَّى عليه عمر بن الخطَّاب، ونزل (^٣) في حفرته عمر، وطلحة، وعثمان، وعبد الرَّحمن بن أبي بكر، ودُفن مع النبيِّ ﷺ في بيت عائشة، ذكره ابن قتيبة في "المعارف".
قال المولى العارف باللَّه تعالى الشَّيخ عبد الرَّحمن الجامي في أوائل "نفحاته"، روى الإمام المُسْتَغْفِري ﵀ بإسناده عن جابر ﵁: قال (^٤) أبو بكر
_________________
(١) = إخراج المسند. انظر: "الجمع بين الصحيحين" للحميدي (١/ ٨٦).
(٢) ع: بين.
(٣) ساقطة من: ض، ع.
(٤) ع: ودخل.
(٥) ض، أ: أمر.
[ ١ / ١٣٣ ]
(الصدِّيق ﵁ لأصحابه) (^١): إذا أنا متُّ فجيئوا بي على الباب، يعني باب البيت الذي فيه قبر رسول الله ﷺ فادفعوه، فإن فُتح لكم فادفنوني. قال جابر بن عبد الله ﵁: فانطلقنا فدفعنا الباب، فقلنا: هذا أبو بكر ﵁، قد اشتهى أن يُدفن عند النبيِّ ﷺ ففُتح الباب، لا ندري من فتح لنا، وقال: ادخلوا ادفنوه كرامة (^٢)، ولا نرى شخصًا، ولا نرى شيئًا (^٣). أورد ذلك (^٤) حجَّة على منكر كرامات الأولياء. والله أعلم.
* * *