أمير المؤمنين، مجهِّز جيوش المسلمين، جامع القرآن، عُثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه] (^٢).
لمَّا طُعِن عمر ﵁ نصَّ على ستَّة نفر من المهاجرين: عُثمان وعلي وطلحة والزُّبير وسعد بن أبي وقاص وعبد الرَّحمن بن عوف، وجعل المشورة بينهم ثلاثة أيام، وأقام المِسْوَر بن مَخْرَمة وثلاثين نفرًا من الأنصار، على ما رواه ابن خَلِّكان.
وقال عمر رضي الله تعالى عنه: اتَّفِقوا على واحد إلى ثلاثة أيام، وإن افترقوا فرقَتَيْن، فالفرقة التي فيها عبد الرَّحمن بن عوف. وأوصى أن يصلِّي بالنّاس صهيب ثلاثة أيام، فأخرج عبد الرَّحمن بن عوف نفسه من الشُّورى (^٣)، واختار عُثمان رضي الله تعالى عنه فبايعه النَّاس، ووقع الرِّضى من جميع النَّاس به.
_________________
(١) انظر ترجمته في "معرفة الصحابة" لأبي نعيم الأصبهاني (١/ ٥٨ - ٧١)، و"الاستيعاب" لابن عبد البر (٣/ ١٠٣٧ - ١٠٥٣)، و"أسد الغابة" لابن الأثير (١/ ٧٤٩ - ٧٥٣)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (٢/ ٤٤٩ - ٤٩٤)، و"الإصابة" لابن. حجر (٢/ ٣٤٩ - ٣٥٠).
(٢) ساقطة من: ع.
(٣) ع: المشورة.
[ ١ / ١٤٥ ]
وهو يجتمع (^١) مع النبيِّ ﷺ في عبد مَناف، ويجتمع عمر رضي الله تعالى عنه مع النبيِّ ﷺ في كعب، وأبو بكر ﵁ يجتمع مع النبيِّ ﷺ في مُرَّة.
فإنَّ نسبَ رسول الله ﷺ على ما اتفقه النسَّابون إلى عدنان، والاختلاف (فيما فوق) (^٢) عدنان: (^٣) محمَّد بن عبد الله بن عبد المُطَّلب بن هاشِم بن عبد مَنَاف بن قُصَيِّ بن كِلَاب بن مُرَّةَ بن كَعْبِ بن لُؤَيِّ بن فِهْرِ بن مالك بن النَّضْر بن كِنَانَة بن خُزَيْمَة بن مُدْرِكَة بن إياس بن مُضَرَ بن نِزار بن مَعَدِّ بن عَدنان.
ونسب أبي بكر: (عبد الله) (^٤) بن عُثمان بن عامر بن عُمر بن كَعب بن سَعيد بن قُثَم بن مُرَّة.
ونسب أبي حفص: عمر بن الخطاب بن (^٥) نُفيل بن عبد العزَّى بن رِياح (^٦) بن عبد الله بن قُرْطِ بن رَزَاح بن عَدِيِّ بن كَعْب بن لُؤَيِّ بن غَالِب.
ونسب عُثمان بن عفَّان بن أبي العاص بن أميَّة بن عبد شَمْس بن عَبد مَناف.
فقام عُثمان بأمر الدِّين، وكانت أوَّل غزوة (^٧) غُزِيَتْ في الريِّ في خلافته،
_________________
(١) ض: يجمع.
(٢) ع: بين.
(٣) زائدة في ع: هو.
(٤) ساقطة من: ع.
(٥) ساقطة من: ض، أ، ع. ولعل الصواب وجوده.
(٦) أ: رباح.
(٧) أ: غزاة.
[ ١ / ١٤٦ ]
وأمير (^١) الجيش أبو موسى الأشعري، ثم الإسكندرية، ثم شابور (^٢)، ثم إفريقية، ثم جزيرة قُبرص من سواحل البحر بحر الروم، ثم إصْطِخر الآخرة، وفارس الأولى، ثم جور (^٣)، ثم طَبَرِسْتان، ودار أَبْجَرد وكَرْمان وسِجِسْتان وغيرها.
وهو أحد السابقين الأوَّلين، وصلَّى إلى القبلتين، وهاجر الهِجْرَتين، ويُدعى بذي النُّورَيْن؛ لأنّه تزوَّج بنْتَي النبيِّ ﷺ، وبقي الأمر له ﵁ إحدى عشرة سنة، وأحد عشر شهرًا، وتسعة عشر يومًا، ولَّى الولاة، ووجَّه القضاة، وله في القضاء حكايات.
ذكر الخَصَّاف عن عبد الرَّحمن بن سعيد، قال: رأيْتُ عُثمانَ بن عفَّان جالسًا في المسجد، فإذا جاءه الخصمان، قال لهذا: ادعُ عليًّا، وقال لهذا: ادعُ طلحة والزُّبير، ونفرًا من أصحاب رسول الله ﷺ، فإذا جاؤوا قال لهما: تكلَّما، فإذا تكلَّما يقبِلُ فيقول: ما تقولون، فإن قالوا ما يوافق قولَه قضى عليها (^٤)، ولا ينظرهما (^٥) بعد، فيقومان وقد سلَّما (^٦).
[قال الصَّدر الشَّهيد: اشتمل الحديث على فوائد:
منها: أنّه لم يكن بين عليٍّ وعُثمانَ ﵄ إلا جميلًا، بخلاف ما قاله أهل البدع.
_________________
(١) أ: (ثم وأمير).
(٢) أ: سابور.
(٣) في "تهذيب الأسماء واللغات" (١/ ٣٢٣): خوزز.
(٤) في أ: (عليهما) وساقطة من: ع.
(٥) ض، ع: (ولا ينظرهم).
(٦) رواه البيهقي في "السنن الكبرى" (٢٠١١٣).
[ ١ / ١٤٧ ]
ومنها: يجوز للقاضي أن يقضي في المسجد.
ومنها: يجوز للقاضي أن يستفتي ويقضي بالفتوى.
ومنها: أنّ المشورة مُستحسنة، ثم إنما يشاور إذا لم يكن أصل القضاء بيِّنًا، أما إذا كان وجه القضاء بيِّنًا لا يحتاج إلى المشورة، وحديث عُثمانَ محمول على أنَّ حكم الحادثة لم يكن بيِّنًا.
فإن قالوا: ما يوافق قوله يقضي عليهما؛ لأنّه صار إجماعًا منهم. ثم قال: ولا ينظرهم بعد؛ لأنَّ الحق قد ظهر، ولا يسعه التأخير.
في "شرح المشارق" في "باب من" في حديث: "من بنى لله مسجدًا يبتغي به وجه الله بنى الله له مثله (^١) في الجنَّة" (^٢)] (^٣): قيل: ما (^٤) روى عُثمان عن النبيِّ ﷺ مئة وستة وأربعون حديثًا، له في الصحيحين ستة عشر حديثًا، انفرد البُخاري بثمانية، ومسلم بخمسة.
وكان ﵁ أحدَ من جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ، وهم أصحاب الطَّبقة العالية، الذين حفظوا القرآن في حياة (^٥) النبيِّ ﷺ (وعرضوا عليه، وأشهرهم) (^٦) سبعة: عُثمان بن عفَّان، وعليُّ بن أبي طالب، وأُبَيُّ بن كعب، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وأبو الدَّرداء.
_________________
(١) أ: بيتا.
(٢) رواه البخاري (٤٥٠)، ومسلم (٥٣٣) من حديث عثمان بن عفان ﵁.
(٣) ساقطة من: ع.
(٤) ساقطة من: ع.
(٥) ع: عهد.
(٦) ع: وهم.
[ ١ / ١٤٨ ]
قال الذَّهبي في "طبقات القرَّاء": فهؤلاء السَّبعة الَّذين بلغنا أنَّهم حفظوا القرآن في حياة النبيِّ ﷺ وعرضوا عليه، (وأُخِذ عنهم عرضًا) (^١)، وعليهم دارَتْ أسانيد قرَاءة الأئمة العشرة، وقد جمع القرآن غيرهم (من الصحابة) (^٢) كمعاذ بن جبل، وأبي زيد، وسالم مولى أبي (^٣) حذيفة، وعبد الله بن عمر، وعُقبة بن عامر، ولكن لم تتصل بنا قراءتهم، فلهذا اقتصر على هؤلاء السَّبعة ﵃.
[روي عن زيد بن ثابت ﵁ أنّه قال: قُبض النبيُّ ﷺ ولم يكن القرآن جُمع في شيء (^٤). قالوا: إنما لم يجمع ﷺ القرآن في المصحف لما كان يترقَّبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه، أو تلاوته، فلمَّا انقضى نزوله بوفاته، ألهم الله تعالى الخُلفاء الرَّاشدين ذلك، وفاءً بعهده الصَّادق بضمان حفظه على هذه الأمَّة: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، فكان ابتداء ذلك بمشورة عُمر على يد الصدِّيق رضي الله تعالى عنهما، ثم على يد عُثمانَ ﵁.
وقد كان القرآن كلُّه كُتبَ على عهد رسول الله ﷺ، لكن غير مجموعٍ في موضع واحد، ولا مرتَّب (^٥) السور، فترتيب السُّور كان باجتهاد من الصَّحابة بعد رسول الله ﷺ، وأما ترتيب الآيات فلا شبهة في كونه توقيفيًّا؛ للإجماع، والنُّصوص المترادفة على ذلك.
قال السيوطي: أما الإجماع فنقله غير واحد منهم الزَّركشي في "البُرهان"، وأبو
_________________
(١) ساقطة من: ع.
(٢) ساقطة من: ع.
(٣) ساقطة من: ع.
(٤) رواه ابن حجر بسنده من طريق الديرعاقولي في "فوائده". انظر: "فتح الباري" (٩/ ١٢).
(٥) ض: ترتّب.
[ ١ / ١٤٩ ]
حفص بن الزُّبير في "مناسباته"، وعبارته: ترتيب الآيات في سورها واقع بتوقيفه (^١) ﷺ وأمره من غير خلاف في هذا بين المسلمين، انتهى.
وأما النُّصوص؛ فمنها: حديث زيد بن ثابت ﵁ قال: كنَّا عند رسول الله ﷺ نُؤلِّف القرآن من الرقاع (^٢).
ومنها: ما روي عن ابن عباس ﵄ قال: قلتُ لعُثمانَ: ما حملكم على أن عمدتم (^٣) إلى "الأنفال" وهي من المثاني، وإلى "براءة" وهي من المئين فقرنتم بينهما، ولم تكتبوا بينهما سطر (^٤) "بسم الله الرَّحمن الرحيم"، ووضعتموها في السَّبْع الطِّوال؟ فقال عُثمان ﵁: كان رسول الله ﷺ ينزل عليه السور ذوات، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض مَن كان يكتب، فيقول: ضَعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وكانت "الأنفال" من أوائل ما نزل بالمدينة، وكانت "براءة" من آخر القرآن نزولًا، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، فظننت أنَّها منها، فقبض رسول الله ﷺ ولم يبيِّن لنا أنّها منها، فلأجل ذلك قرنْتُ بينهما، ولم أكتب بينهما سطر "بسم الله الرَّحمن الرَّحيم"، ووضعتها في السبع الطوال (^٥).
ومنها: ما روي عن عُثمان بن أبي العاص قال: كنت جالسًا عند رسول الله ﷺ، إذ شَخَص ببصره، ثم صوَّبه، ثم قال: أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية هذا الموضع في هذه السُّورة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى
_________________
(١) ض: بتوفيقه.
(٢) رواه الترمذي (٣٩٥٤)، وقال: حسن غريب.
(٣) ض: عهدتم.
(٤) ساقطة من: أ.
(٥) رواه أبو داود (٧٨٦)، والترمذي (٣٠٨٦)، وقال: حسن صحيح.
[ ١ / ١٥٠ ]
عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل: ٩٠] (^١)، كذا وكذا من النصوص الواردة في هذا ذكرها السيوطي في "الإتقان".
وقال في "الإتقان" أيضًا نقلًا عن الحاكم في "المستدرك": جمع القرآن ثلاث مرات:
أحدها: بحضرة النبيِّ ﷺ.
ثم أخرج بسند على شرط الشَّيخين عن زيد بن ثابت ﵁، قال: كنّا عند النبيّ ﷺ نؤلّف الرقاع من القرآن (^٢).
والثانية: بحضرة أبي بكر ﵁.
روى البُخاري في "صحيحه" عن زيد بن ثابت قال: أرسل إليَّ أبو بكر مقتلَ أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عندنا، فقال أبو بكر: إنَّ عمر أتاني، فقال: إنَّ القتل قد استحرَّ بقرَّاء القرآن، وإنّي أخشى أن يستحرَّ القتل بالقرَّاء في المواطن فيذهب كثيرًا من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، قال: فقلْتُ: لعمرك (^٣) كيف تفعل شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ؟ قال عمر: هذا والله خير، فلم يزل يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عُمر.
قال زيد قال أبو بكر: إنّك شاب عاقل لا نتَّهمك، وقد كنت تكتب الوحي
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٤/ ٢١٨)، وحسنه الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ٤٩).
(٢) رواه الحاكم، في "المستدرك" (٢٩٠١)، وكذا الترمذي (٣٩٥٤)، وقال: حسن غريب. وما في الأصل تصحيف، والصَّواب كما في مصدري التخريج: "نؤلف القرآن من الرقاع".
(٣) في صحيح البُخاري: لعمر.
[ ١ / ١٥١ ]
لرسول الله ﷺ فتتبعْ القرآن فاجمعْه. قال زيد: فوالله لو كلفوني لنقل جبل من الجبال ما كان أثقلَ عليَّ مما أمرني به من جمع القرآن. قلْتُ: كيف تفعلان شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ؟ فلم يزل أبو بكر يُراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر، فتتبَّعت القرآن أجمعه من العُسُبِ، واللِّخاف، وصدور الرِّجال، ووجدت آخر سورة التوبة مع أبي خُزيمة الأنصاري لم أجدها مع غيره، ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ. . .﴾ [التوبة: ١٢٨] حتى خاتمة براءة، فكانت الصُّحف عند أبي بكر [حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياتَه] (^١)، ثم عند حفصة بنت عمر (^٢).
وأخرج ابن أبي داود من طريق يحيى بن عبد الرَّحمن بن حاطب، قال: قدم عمر فقال: من كان تلقّى من رسول الله ﷺ شيئًا من القرآن فليأتِ به، وكانوا يكتبون في المصحف والألواح، والعُسُب، وكان لا يقبل من أحدٍ شيئًا حتى يشهد شهيدان (^٣).
وهذا يدل على أن زيدًا كان لا يكتفي بمجرد وجدانه مكتوبًا حتى يشهد به من تلقَّاه سماعًا، مع كون زيد كان يحفظ القرآن جميعًا في حياة النبيِّ ﷺ، فكان يفعل ذلك مُبالغة في الاحتياط.
قال ابن حجر: كأن المراد بشاهدين: الحفظ والكتاب، وقال علم الدِّين السَّخاوي في "جمال القرَّاء": المراد أنَّهما يشهدان على أنَّ ذلك المكتوب كُتِبَ بين يدي رسول الله ﷺ، أو المراد أنّهما يشهدان على أنَّ ذلك من الوجوه التي نزل بها القرآن.
_________________
(١) ما بين معكوفتين من "صحيح البخاري".
(٢) رواه البخاري (٤٩٨٦).
(٣) رواه ابن أبي داود في "المصاحف" (٣٣).
[ ١ / ١٥٢ ]
قال أبو شامة: وكان غرضهم أن لا يُكتب إلا من عين ما كُتب بين يدي النبيِّ ﷺ، لا من مجرد الحفظ، ولذلك قال في آخر سورة التوبة: لم أجدْها مع غيره، أي: لم أجدها مكتوبة مع غيره؛ لأنّه كان لا يكتفي بالحفظ دون الكتابة.
قال السيوطيُّ: قلْتُ: أو المراد أنهما يشهدان على أنَّ ذلك مما عُرِض على النبيِّ ﷺ عام وفاته. وروي عن ابن سيرين قال: كان جبريل ﵇ يعارض النبيّ ﷺ كل سنة في شهر رمضان، فلما كان العام الذي قُبض فيه عارضه مرَّتين (^١)، فيرون أن تكون (^٢) قراءتنا هذه على العرضة الأخيرة.
وقال البَغَوِيُّ في "شرح السُّنَّة": يقال: إنَّ زيد بن ثابت شهد العرضة الأخيرة التي بُيِّنَ فيها ما نسخ وما بقي، وكتبها لرسول الله ﷺ، وقرأها عليه، وكان يُقرئ النَّاس بها حتى مات، وكذلك اعتمده أبو بكر وعمر ﵄ في جمعه، وولّاه عُثمان ﵁ كتب المصاحف.
والجمع الثالث: هو ترتيب السُّور في زمن عُثمان ﵁.
روى البُخاري عن أنسٍ: أن حُذيفة بن اليمان قدم على عُثمان، وكان يغازي (^٣) أهل الشام في فتح إِرْمِينية (^٤) وأَذْرَبِيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفةَ اختلافُهم في القراءة، فقال لعثمان: أدْرِكْ الأمّةَ قبل أن يختلفوا اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل إلى حَفْصة: أن أرسلي إلينا بالصُّحف ننسخها (^٥) في المصاحف ثم نردَّها إليك،
_________________
(١) رواه سعيد بن منصور في "سننه" (١/ ٢٣٧).
(٢) ساقطة من: أ.
(٣) في أ، ض، ع: مغازي.
(٤) أ: أرنية. في صحيح البُخاري: إرمينية.
(٥) أ: لننسخها.
[ ١ / ١٥٣ ]
فأرسلتْ بها حَفْصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزَّبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرَّحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف. وقال عُثمان للرَّهط القُرشيِّين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنَّه إنما أُنزل بلسانهم، ففعلوا حتى إذا نسخوا الصُّحف في المصاحف، ردَّ عُثمانُ الصُّحف إلى حفصة، وأرسل إلى كلِّ أُفُقٍ بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كلِّ صحيفة أو مصحف أن يُحرق (^١).
قال زيد: فقدْتُ آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف كنت أسمعها من رسول الله ﷺ يقرأ بها، فالتمسناها فوجدناها مع خُزيمة الأنصاري: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]. فألحقناها في سورتها في المصحف (^٢).
قال ابن حجر: وكان ذلك في سنة خمس وعشرين، وغفل بعض من أدركناه، فزعم أنَّه كان في حدود سنة (^٣) ثلاثين، ولم يذكر له مستندًا، انتهى.
وذكر السيوطي عن ابن فارس في "الإتقان": أنّه قال: جمع القرآن على خبرين؛ أحدهما: تأليف السور، كتقديم السَّبع الطوال، وتعقيبها بالمئين، فهذا هو الذي تولته الصحابة. وأما الجمع الآخر: فهو جمع الآيات في السورة فهو توقيفيٌّ (^٤)، تولَّاه النبيّ ﷺ كما أخبر به جبريل عن أمر ربه.
وممّا استُدِلَّ به لذلك اختلاف مصاحف السَّلف في ترتيب السُّور، فمنهم من
_________________
(١) رواه البخاري (٤٩٨٧).
(٢) رواه البخاري (٤٩٨٨).
(٣) ساقطة من: أ.
(٤) ض، أ: توفيق. ولعل الصواب ما أثبتناه.
[ ١ / ١٥٤ ]
رتَّبها على النُّزول وهو مصحف عليٍّ، كان أوله اقرأ ثم المدِّثر ثم نون، ثم المزَّمل، ثم التكوير، وهكذا إلى آخر المكِّي، والمدني، وكان أوَّل مصحف ابن مسعود: البقرة ثم النِّساء ثم آل عمران، علي اختلاف شديد] (^١).
وقال الكَرَمانيُّ في "البرهان": ترتيب السُّور هكذا هو عند الله في اللَّوح المحفوظ على هذا الترتيب، وعليه كان رسول الله ﷺ يعرض على جبريل (كلَّ سنة) (^٢) ما كان يجتمع عنده منه، وعرض عليه في السنة التي توفي فيها مرَّتين، وكان آخر الآيات نزولًا: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١]، فأمره جبريل أن يضعها بين آيتي الرِّبا والدَّين.
قال الذَّهبي: قرأ على عُثمان ﵁ المغيرة بن أبي شهاب المخزومي.
ويقال: قرأ عليه ابن عامر وليس بشيء، وإنما قرأ عليه المغيرة وعليه قراءة ابن عامر.
وكان ابن عامر إمام أهل الشام في القراءة (^٣).
قُتل ﵁ والمصحف بين يدَيْه، في يوم الجمعة لثمانٍ خَلَت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، وهو شيخ كبير ابن اثنتين وثمانين سنة. فكان أول وَهْن وبلاء على هذه الأمة بعد نبيّنا ﷺ، إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، (فالأمر لله الواحد القهار، نسأل الله العظيم كفايته، ونرجو من الله تعالى أن يُبعد لساننا عن حكايته) (^٤).
* * *
_________________
(١) ع: (وأما ترتيب السور) بدلا مما بين مضلعين.
(٢) ساقطة من: ع.
(٣) ع: الشام.
(٤) ساقطة من: ع.
[ ١ / ١٥٥ ]