أمير المؤمنين، ابن عمِّ خاتم النَّبيِّين، مستأصل شأفة الكفَّار في عون الحروب، بضرباته بذي الفَقَار، أسد الله الغالب عليُّ بن أبي طالب ﵁.
أحد السابقين الأوَّلين، لم يسبقه إلى الإسلام إلا خديجة، واختلف فيه وفي أبي بكر، أيُّهما أسبق إلى الإسلام، ولكن إسلام الصدِّيق كان أنفع للإسلام وأكمل؛ لأنَّ عليًّا ﵁ أسلم وله ثمان سنين، وقيل: تسع سنين.
وعن ابن عُيينة، عن أبي جعفر الصَّادق عن أبيه: أنَّ عليًّا قُتل وهو ابن ثمان وخمسين سنة في (^٢) سابع عشر من رمضان سنة أربعين. وهذا يُطابق أنّه أسلم وله ثمان سنين.
وقيل: بويع له في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، وهو ابن ثلاث وخمسين سنة، وجُرح صبيحة يوم الجمعة السابع عشر من شهر (^٣) رمضان، وفارق الدُّنيا يوم الأحد، التَّاسع عشر من سنة أربعين، وكانت خلافته خمس سنين إلا ثلاثة أشهر.
ضربه ابن (^٤) ملجم المرادي -قاتله الله- قالوا: لمَّا قتل عُثمان ﵁، أتى النَّاس عليًّا ﵁ فضربوا عليه الباب، ودخلوا، فقالوا: إِنَّ هذا الرَّجل قد
_________________
(١) انظر ترجمته في "معرفة الصحابة" لأبي نعيم الأصبهاني (١/ ٧٥ - ٨٣)، و"الاستيعاب" لابن عبد البر (٣/ ١٠٨٩ - ١١٣٣)، و"أسد الغابة" لابن الأثير (١/ ٧٨٩ - ٨٠٤)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (٢/ ٤٩٥)، و"الإصابة" لابن حجر (٤/ ٤٦٤ - ٤٦٩).
(٢) زائدة في ض: سنة.
(٣) ساقطة من: ع.
(٤) ع: أبو.
[ ١ / ١٥٦ ]
قُتِل، ولا بدَّ للنَّاس من إمام، ولا نعلم أحدًا أحقُّ بها منك، فراودهم في ذلك فأبوا، فقال: (^١) (إن أبيتم إلا بيعتي (^٢» (^٣) فإنَّ بيعتي لا تكون سرًّا، فأتوا المسجد، فحضروا طلحة والزبير وسعد بن أبي وقَّاص ﵃ والأعيان، فأوَّل من بايعه طلحة، ثم بايعه النَّاس.
وأجمع على بيعته المهاجرون والأنصار ﵃، وتخلَّف عن بيعته معاوية، ومن تبعه بالشام (^٤) ﵃، إلى ما كان (^٥) في صفين، وتفصيل الوقائع مذكور في كتب التواريخ، (ولا تعلُّق لغرضنا (به) (^٦).
وقد قال النبيّ ﷺ: "إذا ذكر أصحابي فأمسكوا" (^٧)، وقال ﵊: "اتقوا الله في أصحابي" الحديثَ (^٨)، فحقُّ اللِّسان أن يُصان عن بيان ما يتوهَّم منه البغي والعداوة، خصوصًا إلى وهم العوام، فإنهم لا يقدرون على دفعه وتداركه، فوقعوا في الخسران.
_________________
(١) أ: فقالوا.
(٢) ض: (أن تبيعني).
(٣) ع: (إن أتيتم لبيعتي).
(٤) ع: (من الشام).
(٥) ع: مكان.
(٦) ساقطة من: ع.
(٧) رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٠٤٤٨) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁، وحسَّنه العراقي في "تخريج أحاديث الإحياء" (ص: ٣٩).
(٨) رواه الترمذي (٣٨٦٢) من حديث عبد الله بن مغفل ﵁. وقال: غريب. ولفظه: "الله الله في أصحابي … ".
[ ١ / ١٥٧ ]
وقد اختلف (في قبره) (^١): فقيل: بالجامع بالكوفة، وقيل: بالبقيع (^٢)، وقيل: بالنَّجف في المشهد الَّذي يُزار اليوم. وقيل: في قصر الإمارة، هدمه عبد الملك بن مروان حين قُتِل أخو عبد الله بن الزَّبير مُصعب في سنة إحدى (^٣) وسبعين بالكوفة، وجلس بقصر الإمارة بالكوفة، ووضع رأس مصعب بين يديه، فقال عبد الملك بن عُمير: يا أمير المؤمنين جلست أنا وعبد الله بن زياد في هذا القصر بهذا المجلس ورأس الحسين ﵁ بين يديه، (ثم جلست أنا والمختار بن أبي عُبيد فإذا رأس عبيد الله بن زياد بين يديه) (^٤)، ثم جلست مع (^٥) أمير المؤمنين، فإذا رأس مصعب بين يديه، وأنا أعيذ أمير المؤمنين بالله من شرّ هذا المجلس. فارتعدَ عبد الملك وقام من فوره فأمرهم بهدم القصر.
وعن أبي اليقظان: صلى عليه الحسن بن عليٍّ ابنه، ودفن بالكوفة، عند مسجد الجامع في قصر الإمارة.
وهو أوَّل إمام عفي قبره، قيل: إنَّ عليًّا ﵁ أوصى أن يُعفى قبره؛ لعلمه أنَّ الأمر يصير إلى بني أميَّة، فلم يأمنْ أن يمثِّلوا بقبره.
وكان ﵁ أفضل من بقي من الصَّحابة ﵃، ومناقبُه أكثر من أن تُحصى، جمعها الذَّهبي في مجلد سماه "فتح المطالب في أخبار (^٦) علي بن أبي طالب".
_________________
(١) ساقطة من: ع.
(٢) ض، أ: (في البقيع).
(٣) ع: ست.
(٤) ساقطة من: ع.
(٥) ع: (بين يدي).
(٦) ع: مناقب.
[ ١ / ١٥٨ ]
وهو الذي ولَّاه النبيُّ ﷺ قضاء اليمن في حياته، وقال فيه: "أقضاكم عليّ" (^١)، وولى القضاء في زمن عمر بن الخطاب، وكان يشاوره فيما يمضيه من الأحكام، ويرجع إلى قوله، وإنما كثر علمه لطول زمانه بعد الخلفاء، (وانتشرت قضاياه) (^٢).
وكان عليٌّ ﵁ زكيًّا فطنًا، سريع الجواب بديهي الخطاب. سُئل ﵁ على منبر الكوفة عن مسألة اجتمع فيها الثُّمن، والثُّلثان، والسُّدسان، فأجاب عنها بديهة، فقال: السائل متعنتًا، أليس للزوجة الثمن، فقد (^٣) صار ثمنها تسعًا، ومضى في خطبته، فتعجبوا من فطنته (^٤). وهذه المسألة إذا اجتمع امرأة وبنتان وأبوان، وتسمَّى (^٥) هذه المسألة المنبرية.
[وأدقّ منه ما روي عنه ﵁ فيمن له خمسة أرغفة، وللآخر ثلاثة أرغفة، جلسا للأكل، فجاء إليهما رجل وأكل منها، ودفع إليهما ثمانية دراهم، وقال: اقتسما على قَدْر ما أكلت من أرغفتكما (^٦)، فأعطى صاحب الخمسة ثلاثة لصاحب الثلاثة، فلم يرضَ إلا بالمناصفة. فاختصما إلى أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه، فقال: خذ ما عرض لك. فقال: لا أرضى إلا بالحقِّ، فقال: إذًا لك درهم. فقال: عُرِضَتْ لي
_________________
(١) رواه أبو عبيد في "فضائل القرآن" (٢/ ٢٤٧) مرسلًا، ورواه ابن حيان في "أخبار القضاة" (١/ ٨٨) من حديث ابن عمر، وشداد بن أوس ﵃. وانظر: "كشف الخفاء" للعجلوني (١/ ١٨٤).
(٢) ساقطة من: ع.
(٣) أ: فقال.
(٤) روى نحوه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣١٢٠٢)، والدارقطني في "سننه" (٤/ ٦٨).
(٥) ساقطة من: أ.
(٦) ض: أرغفتكم.
[ ١ / ١٥٩ ]
ثلاثة دراهم فلم أقبل، فكيف كان ذلك، قال: كان ذلك مصالحة، فأما في الحقِّ فلك درهم، إنَّا نفرض أنّكم أكلتم بالسوية؛ لأنَّا لا نعلم الأكثر أكلًا، أليس كل رغيف ثلاثة أثلاث؟ فالكل أربعة وعشرون، كل منكم أكل ثمانية من أربعة وعشرين، فيكون ما أكل لصاحبك سبعة أثلاث، ولك ثلثًا (^١).
روي أنَّ نصرانيًّا جاء إلى النبيِّ ﷺ فقال: إنكم تقرؤون في كتابكم: ﴿ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف: ٢٥]، ونحن نقرأ في كتبانا: ثلاثمئة سنين، فخالف كتابُنا كتابكم، فقال علي ﵁: لا مُخالفة؛ لأنَّ ثلاثمئة سنين في كتابكم على حساب اليونانيين، وهو يكون على حساب العرب ثلاثمئة وتسعًا. فتعجَّب النصراني من جوابه بداهة، وآمن فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنَّ محمدًا رسول الله] (^٢) (^٣).
ولهذا قيل: إنَّ عليًّا كان مُعجزة من مُعجزات النبيِّ ﷺ؛ لأنّه مع تبحُّره في العلوم وشجاعته في الحروب كان منقادًا ومُقرًّا بنبوَّته، ولهذا عُدَّ (^٤) من معجزاته ﷺ، ذكره السيِّد الشَّريف في حاشيته "شرح السِّراجيَّة" (^٥)، (وله عدَّة قضاة من الصَّحابة والتَّابعين) (^٦).
* * *
_________________
(١) رواه ابن عبد في "الاستيعاب" (٣/ ١١٠٥).
(٢) ساقطة من: ع.
(٣) لم أقف عليه.
(٤) ع: أعد.
(٥) ض: السرجانية.
(٦) ساقطة من: ع.
[ ١ / ١٦٠ ]