البدر الزَّاهد، والبحر الزَّاخر، فِلْذَة كَبِد البتول، قرَّة عين الرَّسول، شعبة شجرة النبوَّة، درَّة صدق الفتوّة، أبو محمَّد الحسن بن عليّ بن أبي طالب ﵁.
لما قتل أبوه عليٌّ ﵁ بايعَه أهلُ العراق، فحكم وقضى، وقتلَ ابنَ ملجم، وقام بأمر الدِّين، وله مع معاوية ﵄ أخبار ومكاتبات، سلَّم الأمرَ إلى معاوية بعد أربعة أشهر، ثمّ اعتزل، وقيل: ستة أشهر وثلاثة أيام.
وانْكَفَأ إلى المدينة، وكان يأخذ من معاوية كلَّ سنةٍ أربعين ألف درهم سوى الصِّلات، توفي سنة خمسين بالمدينة، وهو ابن ثمان وأربعين سنة، وصلَّى عليه سعيد بن العاص، كان أميرًا بالمدينة أمَّره معاوية.
[ذكر الزَّيْلَعِي في "شرح الكنز" في باب الجنائز: السُّلطان أحقّ بصلاته، نصَّ عليه أبو حنيفة بقوله: الخليفة أولى إن حضر، فإن لم يحضر فإمام المصر، وهو سلطانها؛ لأنّه في معنى الخليفة، وبعده القاضي، وبعده صاحب الشرط، وبعده خليفة الوالي، وبعده خليفة القاضي، وبعد هؤلاء إمام الحي، فإنْ لم يحضر فالأقرب من ذوي قرابته. وذكر في الأصل أنَّ إمام الحيِّ أولى بها. وقال أبو يوسف: وليُّ الميت أولى بها؛ لأنّ هذا الحكم (^٢) تعلق بالولاية، كالإنكاح.
وجه الأول ما روي (أنَّ الحسين) (^٣) بن عليٍّ لما مات الحسن ﵃،
_________________
(١) انظر ترجمته في "معرفة الصحابة" لأبي نعيم الأصبهاني (٢/ ٦٥٤) و"الاستيعاب" لابن عبد البر (١/ ٣٨٣ - ٣٩٢)، و"أسد الغابة" لابن الأثير (١/ ٢٥٨)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (٤/ ٣٢٦ - ٣٤٨)، و"الإصابة" لابن حجر (٢/ ٦٠ - ٦٦).
(٢) ض: حكم.
(٣) أ: (عن الحسن).
[ ١ / ١٦١ ]
قدَّم سعيد بن العاص، وقال: لولا السُّنَّة لما قدّمتك، وكان سعيد والي المدينة يومئذ، هكذا ذكر في الكتاب، ولأنَّ في التقدم عليه استخفافًا به، وتعظيمه واجب شرعًا، وما ذكره في الأصل محمول على ما إذا لم يحضر السُّلطان ولا من يقوم مقامه] (^١).
قال أبو طالب المكِّي في "قوت القلوب" في الفصل الرابع والثلاثين، في فضائل السنَّة وآداب الشَّريعة، حيث عد الخصال الثَّمان (^٢) الواجبة، وأن يعتقد تفضيل أصحاب النبيِّ ﷺ وأهل بيته رضي الله عنهم ورضوا عنه كافة، ويسكت عما شجر بينهم، ويسلِّم لكلِّ واحدٍ منهم ما فعله؛ لأنّهم (^٣) أعلم منَّا بالكتاب والسنَّة، وأوفر عقولًا، وأقرب إلى التَّوفيق والتَّسديد.
وأعلمهم (^٤) بالَّتأويل أبو بكر وعمر ﵄، وبعد ذلك ما أجمع المسلمون عليه في استخلافهم، ثم اتفق الأئمَّة من أهل الشورى السِّتة (^٥) على تقديمه، فهؤلاء الأربعة خُلفاء النُّبوَّة، ثم أئمة الأئمة من العشرة، وعيون أهل الهجرة والنصرة، وخيار الأخيار من الأصحاب، كما روي عن النبيّ ﷺ: "إن الله اختار أصحابي على العالمين، واختار من أصحابي أربعة، فجعلهم خيار أصحابي، وفي كل أصحابي خير، واختار أمتي على الأمم واختار من أمتي أربعة قرون، كل قرن سبعون سنة" (^٦).
_________________
(١) ساقطة من: ع.
(٢) ساقطة من: ع.
(٣) ع: فإنهم.
(٤) ض، ع: وأعلم.
(٥) ساقطة من: ع.
(٦) رواه الطبري في "صريح السنة" (٢٣). قال ابن حجر في "تهذيب التهذيب" (٥/ ٢٢٧): الحديث بطوله موضوع. وتكلم على الحديث بطرقه الذهبي في "ميزان =
[ ١ / ١٦٢ ]
فقد مضى الأربعة الأفاضل في القرون الأول، فنحن لا نردُّ الخبر بالقياس، ولا نرفع السنَّة بالمعقول؛ إذ لا مدخل للقياس والرَّأي في التفضيل، كما لا مدخل لهما في الصفات وأصول العبادات (وإنما يؤخذ التفضيل [من] توقيف وتسليم، ومن طريق الإجماع والاتباع، خشية الشذوذ والابتداع (^١» (^٢)؛ لقوله ﷺ: "عليكم بسُنتي وسنة الخلفاء الراشدين بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، ومن شذّ ففي النار" (^٣).
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ [النساء: ١١٥]، وأما نحن فقوم متَّبعون نَقْفو الأثر ونتَّبع الخبر غير مبتدعين بالرأي والمعقول، فكلُّ بدعة ضلالة.
[وإنما جاء الترتيب والتفضيل والخلافة مخالفًا للقياس والمعقول؛ توكيدًا للسّنة، وتأييدًا للرسالة، لئلا تلتبس النُّبوة بالملك، ولا ينحو النبيُّ ﷺ في الخلافة (^٤) نحو الأكاسرة والقياصرة في المملكة، فكانت النبوَّة مخالفة للملك، جاءت الخلافة على غير سيرة الملوك، في استخلاف أبنائهم وأهل بيعتهم.
وأيضًا فإنّه قد سبق في علم الله تعالى أن يجعل هؤلاء الأربعة خلفاء بما قدِّر من أعمارهم، فدبّر خلافتهم على ما علم من آجالهم، ووفَّى لهم بما وعد من استخلافهم في الأرض، كما استخلف الذين من قبلهم من خلائف الأنبياء السوالف، ومكَّن
_________________
(١) = الاعتدال" (٤/ ١٢٢)، فانظره.
(٢) ض: الإتباع.
(٣) ساقطة من: ع.
(٤) رواه أبو داود (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٦)، وقال: هذا حديث صحيح. وابن ماجه (٤٢) من حديث العرباض بن سارية ﵁. وليس فيه: "ومن شذ ففي النار".
(٥) ساقطة من: أ.
[ ١ / ١٦٣ ]
لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وارتضاهم له، وبدَّلهم أمنًا بعد خوفهم، فلم يكن يتم إلا بترتيبهم على ما رضوا من الخلافة، فكان آخر هم استخلافًا هو آخرهم قبضًا، ذلك تقدير العزيز العليم.
وقد قال عليّ ﵁ لما قيل له عند موته: ألا تستخلف وليًّا. قال: لا أستخلف عليكم بل أَكِلكم إلى الله ﷿، فإن يرد بكم خيرًا جمعكم على خيركم كما جمعكم بعد نبيِّكم على خيركم (^١).
وقال إبراهيم النَّخَعي: لما سلَّم الحسن ﵁ الأمرَ إلى معاوية سُمِّيت سنةَ الجماعة، فقال له رجل من الشِّيعة: يا مُذلَّ المؤمنين، فقال: بل أنا مُعزُّ المؤمنين.
سمعت أبي يقول: لا تكرهوا إمارة معاوية؛ فإنه سيَلي هذا الأمر بعدي، وإن فقدْتُموه رأيتم الرؤوس تندُرُ عن كواهِلها كالحنظل (^٢).
ولو كان للمعقول والقياس مدخل في التفضيل لكان أفضل النَّاس بعد رسول الله ﷺ الحسن ابنه والعبَّاس عمَّه؛ لأنّ في أحدهما النبوَّة، وفي الآخر الأبوَّة، وقد اجتمعوا على خلاف ذلك. إلى هنا من "قوت القلوب"] (^٣).
ولما خلَعَ الحسن ﵁ نفسَه (^٤) من الخلافة، تمَّ الأمر لمعاوية ﵁، واستقام له الملك، (^٥) وصَفَتْ له الخلافة، ذكره الدَّمِيْرِي في "حياة الحيوان".
_________________
(١) رواه أبو يعلى في "مسنده" (٣٤١).
(٢) روي نحوه نعيم بن حماد في "الفتن" (٤٢٢)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٧٣٥٧، ٣٧٨٥٤).
(٣) ساقطة من: ع.
(٤) ض: بنفسه.
(٥) ع: (الأمر والملك).
[ ١ / ١٦٤ ]
وذلك لأنَّ (^١) الحسن رأى المصلحة في جمع الكلمة، وترك القتال، وظهرت المعجزة في قوله ﷺ "إن ابني هذا سيِّد"، وفي رواية "ولعل الله أن يصلح به بين فِئَتَيْن عظيْمَتَين من المسلمين" (^٢)، فسمِّي عام الجماعة؛ لاجتماع الأمَّة بعد الفرقة على خليفة واحد.
قال الشَّعبي: شهدت خُطبة الحسن ﵁ حين صالح معاوية، وخلع نفسه من الخلافة، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإنَّ (^٣) أكيس الكَيْس التُّقَى (^٤)، وأحمق الحمقاء الفجور، وإنّ هذا الأمر الذي اختلفْتُ أنا ومعاوية فيه إن كان له فهو أحقُّ منِّي به، وإن كان لي فقد تركُته له؛ إرادة لإصلاح الأمة، وحقن دماء المسلمين، وما أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين (^٥).
ثم رجع إلى المدينة، وأقام بها، فعوتب على ذلك، فقال ﵁: اخترت ثلاثًا على ثلاث؛ الجماعةَ على الفرقة، وحقنَ الدماء على سفكها، والعارَ على النَّار.
في الحديث الصَّحيح عن أبي بكرة ﵁ قال رأيْتُ النبيَّ ﷺ على المنبر والحسن إلى جنبه (^٦)، وهو يقبل إلى النَّاس مرَّة وإليه أخرى، وهو يقول: "إن ابني هذا سيِّد، ولعلَّ اللهَ أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" (^٧).
_________________
(١) ع: أن.
(٢) رواه البخاري (٣٦٢٩) من حديث أبي بكرة ﵁.
(٣) ض، ع: فإني.
(٤) ض، ع: النقاء.
(٥) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٠٦٩٨)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٢٥٥٩).
(٦) ع: جانبه.
(٧) تقدم قريبًا، وبهذا اللفظ رواه البخاري (٣٧٤٦).
[ ١ / ١٦٥ ]
كانت خلافته ستة أشهر وخمسة أيام، وهي تكملة ما ذكره رسول الله ﷺ: "الخلافة بعدي ثلاثون سنة" (^١)، وبه قال عبد القادر في "الجواهر المضية"، وقال البعض: قد تمَّت الثَّلاثون لعلي ﵁. قالوا: الصحيح الأول، والله أعلم.
* * *