ثم إدريس ﵇، وهو إدريسُ بن يارد بن مهيايِيل بن قَيْنانَ بن أنوشَ بن شِيْثَ بن آدمَ، واسمه أخْنُوخُ، إِنَّما سُمِّيَ إدريس لكثرة درسه من كتب الله تعالى وسنن الإسلام، أنزل الله تعالى عليه ثلاثين صحيفةً (^٤).
وهو أَوَّلُ مَنْ خطَّ بالقلم، وأولُ مَنْ خاطَ الثِّيابَ ولبسَها، وكانوا من قبلُ يلبسون الجلود، يُقال له في ألسن الحكماء الإلهيَّة: هِرْمسُ (^٥) الهَرامِسَة، وهو باليونانيَّة أرميس، ومعناه: عُطارد. ولد بمصرَ في مدينة منف منها، وكان في بداية أمره تلميذًا لِغوثاديمون المصري، وكان غوثاديمون أحدَ الأنبياء اليونانيِّين، والهِرْمِيس وهو أوراني الثَّاني عندهم، وإدريس ﵇ وهو أوراني الثَّالث، وأوراني الأول عندهم شيث بن آدم ﵉، وهو أوَّل مَنْ أخذ اليونانيون والحكماء عنه الشَّريعة والحكمةَ.
_________________
(١) أ: شيت.
(٢) أ: شيت.
(٣) انظر ترجمته في: "المعارف" لابن قتيبة (ص: ٢٠) و"تاريخ الرسل والملوك" للطبري (١/ ١٠٨)، و"الكامل في التاريخ" لابن الأثير (١/ ٥١ - ٥٢)، و"البداية والنهاية" لابن كثير (١/ ٩٩ - ١١٩، ٦/ ٢٨٣ - ٢٨٥)، و"تاريخ ابن خلدون" لابن خلدون (١/ ٤١٢).
(٤) ض، أ: صحفًا.
(٥) أ: هرميس.
[ ١ / ٦١ ]
وخرج هِرْمِيس - يعني إدريس ﵇ عن مصرَ، ودارَ الأرضَ كلَّها، وعادَ إلى مصرَ، ورفعه اللهُ تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧]، عن ابن عباس ﵄: إلى السَّماء السَّادسة (^١)، وعن أنس بن مالك ﵁: إلى السَّماء الرَّابعة (^٢)، وعن الحسن: إلى الجنَّة، لا شيء أعلى من الجنَّة (^٣).
دعا الخلائقَ إلى دينِ اللهِ تعالى، والقولِ بالتَّوحيد وعبادة الخالق، وتخليص النُّفوس من العذاب، وحرَّض (^٤) على الزُّهد في الدُّنيا، والعملِ بالعدل، وطَلَبِ الخلاص في الآخرة، وأمرهم بصلاةٍ على صفات بيَّنها لهم، وصيامٍ في أيَّامٍ معروفاتٍ عندهم، والإقدام على الجهاد لأعداء الدِّين، وأمرهم بتحريم أكل الخنزير والميتة.
وتعلَّموا منه سائرَ أمور دينهم، ووعدهم أنَّه يأتي بعده عدَّة أنبياء، وعرَّفهم أنَّ من صفات النَّبي المبعوث أن يكون بريئًا من المذمومات والآفات، كاملًا في الفضائل الممدوحات كلِّها، وأن يكون مستجابَ الدَّعوة في كلِّ ما طلبه، من إنزال الغيث، ورفع (^٥) الآفات، وغير ذلك من المطالب، وأن يكون مذهبه ودعوته المذهب الذي يصلح به العالم، ويكثر عمارته، وكلَّم أمَّته بلغاتهم المختلفة، وعلَّمهم وأدَّبهم، وبنَى لهم مئة مدينة وثماني مدن عظام أصغرها الرُّهَا.
وكان أوَّلَ من استخرج علم النُّجوم، ووضع أساس البروج والكواكب السيَّارة ورتَّبها في بيوتها، وأثبت لها الشَّرف، والوبال، والأوج والحضيض، والمناظر
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٢١٣)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢٤١٢).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٢١٣).
(٣) انظر: "الكشَّاف" للزمخشري (٣/ ٢٦)، و"تفسير النسفي" (٢/ ٣٤١).
(٤) ض: وحرص.
(٥) ع: دفع.
[ ١ / ٦٢ ]
بالتثليث والتسديس والتربيع، والمقابلة والمقارنة، والرجعة، والاستقامة، وبيَّن (^١) تعديلَ الكواكب وتقويمها، وأطاعه أهل الأرض كلها، وخدمه الملوك، وولَّى أربعةَ ملوك [في] الأرض، وكلُّ واحد منهم دعا الخلقَ إلى دين الله.
ومِنْ حِكَمِهِ: كان على فَصِّ خاتمه الذي يلبسه في كلِّ يوم: "الصبر مع الإيمان بالله يُوْرِثُ الظَّفر"، وعلى فَصِّ الخاتم الذي يلبسه في الأعياد: "تمام الفرح بالأعياد الأعمال (^٢) الصَّالحة"، وعلى فَصِّ خاتمه الذي يلبسه إذا صلَّى على ميت: "الأجلُ حصاد العمل، والموتُ رقيبٌ غير غافل"، وعلى المِنْطَقة الَّتي يلبسها دائمًا: "النَّظر في العاقبة يُورِثُ سلامة النَّفس والبَدَن مِنَ الأعراض المؤذية"، انتهَتْ شريعته وهي الملَّة الحنيفيَّة إلى مشارق الأرض ومغاربها، وشمالها وجنوبها، وطبقة الأرض بأسرها (^٣).
ونقل الشَّهْرَسْتاني في "الملل والنِّحل" عن حِكَم إدريس ﵇: "من أفضل البرِّ ثلاثةٌ: الصَّبر (^٤) في الغضب، والجود في العسر، والعفو عند القدرة"، وقال: "الفصل (^٥) بين العاقل والجاهل أنَّ العاقلَ منطقُه له، والجاهل منطقُه عليه"، وقال: "لا ينبغي للعاقل أن يستخفَّ بثلاثة: مقام السُّلطان، والعلماء، والإخوان؛ فإنَّ مَنِ استخفَّ بالسُّلطان أفسدَ عليه رعيَّته، ومن استخفَّ بالعلماءِ أفسد عليه دينه، ومن استخفَّ بالإخوان أفسد عليه مروءته".
_________________
(١) في ض وأ: بنى.
(٢) ع: والأعمال.
(٣) ض: بأثرها.
(٤) أ: الصدق.
(٥) أ، ع: الفضل.
[ ١ / ٦٣ ]
فإدريس ﵇ النَّبيُّ المثَلَّث بالنُّبوة، والحكمة، والملك. وبَعدَما رُفع إلى السماء اختلفَ الخلائقُ بعده، وأحدثوا الأحاديث إلى زمن نوحٍ النَّبيِّ ﷺ.
* * *