ومن المكثرين في الفُتيا فيما بين أصحاب المصطفى ﷺ ابن عم الرَّسول عبد الله ابن عبَّاس بن عبد المطلَّب ﵄، الحبر البحر في الفقه والتفسير.
قال الذَّهبي: روي أنَّه لم يكن على وجه الأرض في زمانه (^٢) أحدٌ أعلم منه. وعن سعيد بن جُبير عن ابن عباس قال (^٣): بِتُّ عند خالتي ميمونة، فوضعْتُ لرسول الله ﷺ غُسْلًا فقال ﷺ: مَنْ وضع هذا؟ قالوا: عبد الله. قال: "اللهم علّمه التأويل وفقّه في الدِّين" (^٤).
وروي عن كريب أنَّ (^٥) النبيَّ ﷺ دعا له أن يزيده الله فهمًا وعلمًا (^٦).
وعن مجاهد أنّه قال: كنّا نفخر على الناس بقارئنا عبد الله بن السَّائب وبفقيهنا عبد الله بن عباس، وبمؤذِّننا (^٧) أبي مَحْذُورة (^٨).
قرأ القرآن على أُبيٍّ.
_________________
(١) انظر ترجمته في "معرفة الصحابة" لأبي نعيم الأصبهاني (٣/ ١٦٩٧)، و"الاستيعاب" لابن عبد البر (٣/ ٩٣٣ - ٩٣٩)، و"أسد الغابة" لابن الأثير (١/ ٦٣٠ - ٦٣١)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (٤/ ٣٨٠ - ٣٩٤)، و"الإصابة" لابن حجر (٤/ ١٢١ - ١٣١).
(٢) ساقطة من: ع.
(٣) زيادة من: ع.
(٤) رواه أحمد (٣١٠٢)، والحاكم، في "المستدرك" (٦٢٨٠). وأصل الحديث عند البخاري (١٤٣)، ومسلم (٢٤٧٧).
(٥) ع: عن.
(٦) رواه الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (١/ ٢٨٣)، والحاكم في "المستدرك" (٦٢٧٩).
(٧) ض، ع: حوذتنا. أ: وبجودتنا. ولعل الصواب ما أثبتناه، وهكذا في كتب التراجم.
(٨) رواه ابن سعد في "الطبقات" (٥/ ٤٤٥).
[ ١ / ١٧٥ ]
وروى عن النبيِّ ﷺ، وعمر، وعثمان، وأبي ذر، ووالده عبَّاس، وغيرِهم.
في "شرح المشارق" لابن الملَك في "باب من"، في حديث: "من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه" (^١): ما رواه ابن عباس عن النبيّ ﷺ ألف وستمئة وستون حديثًا، له في الصحيحين مئتان وأربعة وثلاثون حديثًا، وانفرد البُخاري منها (^٢) بمئة وعشرة، ومسلم بتسعة وأربعين.
قرأ عليه: مُجاهد وسعيد بن جُبير والأعرج وعِكْرِمة بن خالد وغيرهم، (وحدَّث عنه: عِكْرِمة، وعطاء، وطَاوس، وخلق كثير). (^٣)
توفي بالطائف سنة ثمان وستين، وصلَّى عليه محمَّد بن الحنفيَّة، وقال: اليوم مات ربَّاني العلم (^٤). وقد كُفَّ بصرُه في أواخر عمره.
روي أنّ رجلًا تزوَّج امرأة فولَدَتْ لستَّة أشهر، فهمَّ عُثمان ﵁ أن يرجمها، فقال ابن عبَّاس أما إنها لو خاصمتكم بكتاب الله لخاصمتكم؛ إذ قال الله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، وقال تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤]، فإذا ذهبت عامان للفصال لم يبق للحمل إلا ستَّة أشهر، فدَرَأَ عُثمان الحدَّ عنها، وأثبت النَّسب من الزَّوج (^٥). ذكره الشَّريف في "شرح الفرائض".
_________________
(١) رواه مسلم (١٥٢٥) من حديث ابن عباس ﵄، ورواه البخاري (٢٠١٩)، ومسلم (١٥٢٦) من حديث ابن عمر ﵄.
(٢) زيادة من: ع.
(٣) ساقطة من: ع.
(٤) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٢٢١٨).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٤٩١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٤٢٨).
[ ١ / ١٧٦ ]
وذكر الزَّنْدَوِيْستي في (الباب الثاني من) (^١) "روضته": روي أنَّ شابًا قام إلى ابن عباس فقال له: أقبِّل وأنا صائم؟ فقال: لا، فقام إليه شيخ فقال: أقبِّل وأنا صائم؟ فقال: نعم. فعاد إليه الشَّاب وقال: أتجيز له ما حرَّمْتَ عليَّ ونحن على دينٍ واحد؟! فقال: لأنّه شيخ يملك إرَبَه، وأنت شاب لا تملك إرَبَك (^٢). يعني: عورتَك.
* * *