ومن المكثرين في الفُتيا والموصوفين بالفِطنة والذَّكاء عبد الله بن مَسْعود.
(كان ﵁ من السَّابقين الأوَّلين) (^٤)، أسلم قديمًا بمكة، وهاجر الهجرَتَيْن، وصلَّى إلى (^٥) القِبلَتَيْن، وكان يخدم النبيَّ ﷺ ويلازمه، ويحمل نعل النبيِّ ﷺ إذا خلعها.
وقد قال النبيُّ ﷺ: "إنك لغُلَيِّم مُعَلَّم" (^٦).
(وقال أبو موسى: ما كنت أحسب ابن مسعود وأمَّه إلَّا من أهل البيت؛ لكثرة
_________________
(١) ساقطة من: ع.
(٢) رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٠٦٠٤).
(٣) انظر ترجمته في "معرفة الصحابة" لأبي نعيم الأصبهاني (٤/ ١٧٦٥)، و"الاستيعاب" لابن عبد البر (٣/ ٩٨٧ - ٩٤٤)، و"أسد الغابة" لابن الأثير (١/ ٦٧١ - ٦٧٣)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (٣/ ٢٨٠ - ٣٠٦)، و"الإصابة" لابن حجر (٤/ ١٩٨ - ٢٠١).
(٤) ساقطة من: ع.
(٥) ساقطة من ض.
(٦) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٣٥٩٨)، وابن حبان في "صحيحه" (٧٠٦١).
[ ١ / ١٧٧ ]
دخولهم وخروجهم) (^١). وكان النبيُّ ﷺ يطلع ابن مسعود على أسراره ونجواه، وكان يتولَّى فراش النبيِّ ﷺ وسادته وسواكه ونعله وطهوره، وإنَّ الرَّسول ﷺ بشرَّه بالجنّة (^٢).
وكان من أجود الناس ثوبًا، وأطيب الناس ريحًا. [وعن زيد بن وهب: جاء ابن مسعود إلى مجلس عمر، فجعل يُكلِّم عمر ويضاحكه، فكاد الجلوس يوازونَه مِنْ قِصَرِه، فلمَّا ولَّى قال عمر: كُنيْفٌ (^٣) مُلِئ علمًا (^٤).
وقال أبو موسى: مجلس أجالسه ابن مسعود أوثق في نفسي من عمل سَنة (^٥).
وكان ابن مسعود أحد من جمع القرآن على عهد النبيّ ﷺ وأقرأ]. (^٦) وكان يقول: حفظْتُ مِنْ فِي رسول الله ﷺ سبعين سورة (^٧).
قرأ عليه طائفة، وتفقَّه خلق كثير، وكانوا لا يفضِّلون عليه أحدًا في العلم، ومن تلامذته: علقمةُ، ومسروق، والأسود، وزِرّ بن حُبيش، وأبو عبد الرَّحمن السُّلمي.
_________________
(١) رواه البخاري (٤١٢٣).
(٢) رواه الطبراني في "الكبير" (١٠٣٤١)، و"الأوسط" (٥٨١٤). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٩/ ٢٨٩) وفيه عبد الغفار بن القاسم وكان يضع الحديث.
(٣) أ: كيف.
(٤) رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (٨٤٧٧). وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٩/ ٢٩١): رجاله رجال الصحيح.
(٥) رواه عبد الله بن أحمد في "العلل" (١١٢٩)، والفسوي في "المعرفة والتاريخ" (٢/ ٣١٧).
(٦) ساقطة من: ع.
(٧) رواه الطيالسي في "مسنده" (٤٠٥)، والإمام أحمد في "المسند" (٣٦٩٧).
[ ١ / ١٧٨ ]
وولي قضاء الكوفة وبيت مالها (لعمر ﵁، حين ولَّاه عمر كتب إلى الكوفة: أما بعد، فإني بعثت إليكم عمَّارًا أميرًا، وعبد الله قاضيًا) (^١) (^٢).
وكان يصوم الإثنين والخميس.
قيل: خرج ذات يوم فاتبعه الناس فقال: ألكم حاجة؟ قالوا: لا، ولكن أردنا أن نمشي معك، قال: فارجعوا، فإنَّه ذِلَّة (^٣) للتَّابع وفتنة للمتبوع (^٤).
(ذكر ابن الملك في "شرح المشارق" في "باب مَن" في حديث: "من أحسن في الإسلام فلا يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن (^٥) أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر" (^٦» (^٧): ما رواه عن النبيِّ ﷺ ثمانمئة وأربعون حديثًا، له في الصَّحيحين مئة وعشرون (^٨)، انفرد البُخاري منها بأحد وعشرين، ومسلم بخمسة وثلاثين.
[وفي "أدب القضاء" للخصَّاف: كان ابن مسعود ﵁ (عند رسول الله ﷺ) (^٩) يرجع في الحوادث إلى رسول الله ﷺ، ثم إلى أبي بكر وعمر، وما كان يُرجع إلى عبد الله، ثم تعلَّم عبد الله حتى صار مذكورًا في العلم، فإنَّه لما قدم الكوفة اجتمع حوله أربعة آلاف نفر، فلمَّا قدم عليُّ بن أبي طالب رضي الله
_________________
(١) ساقطة من: ع.
(٢) رواه الإمام أحمد في "فضائل الصحابة" (١٥٤٦).
(٣) ع: مذلة.
(٤) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٢٦٣١٤).
(٥) ض: وما.
(٦) رواه البخاري (٦٩٢١)، ومسلم (١٢٠).
(٧) ساقطة من: ع.
(٨) زائدة في ع: حديثًا.
(٩) ساقطة من: ض.
[ ١ / ١٧٩ ]
عنه الكوفة تلقَّاه ابن مسعود ﵁ في جميع أصحابه، فقال عليٌّ: لقد ملأت هذه البلدة علمًا وفقهًا.
وذكر الكَرْدَري في مناقب أبي حنيفة: روي أنَّ عليًّا ﵁ قدم الكوفة بعد موت عبد الله بن مسعود فرأى أصحابه يفقّهون الناس، ورأى في مسجدها أربعمئة مِحبرة يكتبون بها الفقه، فقال: هؤلاء سراج أهل القرية.
وذكر أصحاب الإمام الشَّافعي أنَّ ابن عباس استفتى أصحاب ابن مسعود ﵃ كعَلْقَمة ومَسْروق فيمن أصاب عينه وَجَع أيصلي مستلقيًا؟] (^١).
واتفق أنّ عبد الله وفد من الكوفة، فمات بالمدينة في آخر سنة اثنتين وثلاثين، ذكره الذهبي في "طبقات القراء".
[وفي "معارف ابن قتيبة": كان على قضاء الكوفة وبيت مالها لعمر ﵁، وصدرًا من خلافة عُثمان ﵁، ثم صار إلى المدينة، فتوفي بها سنة اثنين وثلاثين، وهو ابن سبع وستين سنة، ودُفن بالبقيع.
وعن الأعمش جاء نعي عبد الله إلى أبي الدَّرداء فقال: ما ترك بعده مثله أحدًا (^٢).
ومن مواعظه: إنَّ الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النَّار (^٣)، وخير الهدي هَدْيُ الأنبياء، وإن الصدقَ يهدي إلى البرّ، وإن البرّ يهدي إلى الجنّة، وأشرف الحديث ذكر الله] (^٤) (^٥).
_________________
(١) ساقطة من: ع.
(٢) رواه الإمام أحمد في "فضائل الصحابة" (١٥٤٠).
(٣) ض: البلاء.
(٤) ساقطة من: ع.
(٥) ذكره الإمام مالك في "موطأه" (٢/ ٩٨٩) بلاغًا، ورواه الإمام أحمد في "مسنده" (١/ ٤٠٥).
[ ١ / ١٨٠ ]