عبد الله بن الزُّبير بن العوَّام ﵄.
عبد الله بن الزُّبير بن العوَّام ﵄، وُلِد بعد الهجرة بعشرين شهرًا، قال ابن قُتيبة في "المعارف"، هذا قول الواقدي. وقال أبو اليقظان: هو أول مولود بالمدينة في الإسلام.
_________________
(١) رواه مسلم (٢١٩٩).
(٢) ساقطة من: ع.
(٣) زيادة من: ع.
(٤) ساقطة من: ع.
(٥) انظر ترجمته في "معرفة الصحابة" لأبي نعيم الأصبهاني (٣/ ١٦٤٥ - ١٦٤٨)، و"الاستيعاب" لابن عبد البر (٣/ ٩٠٥ - ٩١٠)، و"أسد الغابة" لابن الأثير (١/ ٦٠٩ - ٦١٠)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (٣/ ٣٦٣ - ٣٨٠)، و"الإصابة" لابن حجر (٤/ ٧٨ - ٨٢).
[ ١ / ٢٠٢ ]
وأمُّه أسماء بنت أبي بكر الصِّدِّيق ﵄، طلَّقها الزُّبير فكانت مع ولدها بمكة حتى قُتل ولدها عبد الله بن الزُّبير، وبقيَتْ إلى مئة سنة حتى عَمِيَتْ، وماتَتْ بمكة.
تخلَّف عن بيعة يزيد، ثم بعد وقعة الحُسَين ﵁ طلب الخلافة فظفِر بالحجاز، والعراق واليمن، ومصر، فمكث كذلك تسع سنين، وبني الكعبة، فجعل لها بابين.
روي أنّه لما توفي يزيد بن معاوية في شهر ربيع الأول قام بالأمر بعده ابنه (^١) معاوية بن يزيد بن معاوية، وكان خيرًا من أبيه، فيه دين وعقل، بويع له بالخلافة يوم موت أبيه، فأقام فيها أربعين يومًا. وقيل: أقام خمسة أشهر وأيامًا، ثم خلع نفسه.
ولما خلع نفسه صعد المنبر، وجلس طويلًا، ثم حمد الله وأثنى عليه بأبلغ ما يكون من الحمد والثناء، ثم ذكر النبيَّ ﷺ بأحسن ما يُذكر، ثم قال: أيُّها الناس ما أنا (^٢) بالرَّاغب في الإنتمار عليكم؛ لعظيم (^٣) ما أكرهه منكم، وإنّي أعلم أنَّكم تكرهوننا أيضًا؛ لأنَّا بُلينا بكم وبُليتم بنا، ألا إنَّ جدِّي معاوية ﵁ نازع هذا الأمر مَن كان أولى به (^٤) منه ومن غيره؛ لقرابته من رسول الله ﷺ، وعظيم فضله، وسابقته أعظم المهاجرين قدرًا، وأشجعهم قلبًا، (وأكثرهم علمًا) (^٥)، وأولهم إيمانًا،
_________________
(١) ساقطة من: أ.
(٢) زائدة في ض: في.
(٣) أ: بعظيم.
(٤) ساقطة من: أ.
(٥) ساقطة من: ع.
[ ١ / ٢٠٣ ]
(وأشرفهم منزلة) (^١)، وأقدمهم صحبة، ابن عمِّ رسول الله ﷺ وصهره وأخوه، زوَّجه ابنته، وجعله لها بعلًا باختياره لها، أبو سِبْطيه سيدَيْ شباب أهل الجنَّة، وأفضل هذه الأمة.
فركب جدِّي منه ما تعلمون، وركبتم منه ما لا تجهلون، حتى انتظمت لجدِّي الأمور، فلمَّا جاء القدر المحتوم، واخترمته أيدي الهموم، بقي مرتهنًا بعمله، فريدًا في قبره، ووجدَ ما قدَّمَتْ يداه، ورأى ما ارتكبه واعتداه.
ثم انتقلت الخلافة إلى يزيد أبي (^٢)، فتقلَّد أمركم لهواء كان فيه، ولقد كان أبي يزيد بسوء فعله وإسرافه على نفسه غير خليق بالخلافة على أمَّة محمَّد ﷺ، فركب هواه، واستحسن خطأه، وأقدم على ما أقدم من جرأته على الله، وبغيه على من استحلَّ حرمته من أولاد (^٣) رسول الله ﷺ فقلَّت مدَّته، وانقطع أثره، ضاجع عمله، وصار حليف حفرته، رهين خطيئته، (وبقيت أوزاره وتبعاته) (^٤)، وحصل على ما قدَّم، وندم حيث لا ينفعه الندم، (وشغلنا الحزن له عن الحزن عليه) (^٥)، فليت شعري ماذا قال وماذا قيل له، (هل عوقب بإساءته، وجوزي بعمله، وذلك ظنّي) (^٦)، ثم اختنقته العبرة فبكى طويلًا.
ثم قال: وصرت أنا ثالث القوم، والسَّاخط عليَّ أكثر من الراضي، وما
_________________
(١) ساقطة من: ع.
(٢) ع: (لأبي يزيد).
(٣) ساقطة من: أ.
(٤) ساقطة من: ع.
(٥) ساقطة من: ع.
(٦) ساقطة من: ع.
[ ١ / ٢٠٤ ]
كنْتُ لأتحمَّل آثامكم، ولا يراني الله جلَّت قدرته متقلدًا أوزاركم، (وألقاه بتبعاتِكم) (^١)، فشأنكم أمركم، فخذوه ومن رضيتم به عليكم فولُّوه، فقد خلعتُ بيعتي من أعناقكم، والسَّلام.
فقال له مروان بن الحكم وكان تحت المنبر: سنة عمريَّة يا أبا ليلى. فقال: أعن (^٢) ديني تخدعني؟ فوالله ما ذقْتُ حلاوة خلافتكم حتى أتجرَّع مرارتها، ائتني برجالٍ مثل رجال عمر ﵁، على أنَّه ما كان [من حين] جعلها شورى، وصرفَها عمَّن لا يشك في عدالته ظلومًا، والله لئن كانت الخلافة مغنمًا لقد نال أبي منها مغرمًا ومأثمًا، ولئن كانت شرًّا فحسبه منها ما أصابه.
ثم نزل فدخل عليه أقاربه وأمُّه، فوجدوه يبكي، فقالت له أمه: ليتك كنْتَ حيضة، ولم أسمع بخبرك، فقال: وددْتُ والله ذلك، ثم قال: ويلي إن لم يرحمني ربي.
ثم إنّ بني أمية قالوا لمعلِّمه عَمْرو المقصوص: أنْتَ علَّمتَه هذا، ولقَّنته إيَّاه، وصددته عن الخلافة، وزيَّنْتَ له حُبَّ عليٍّ وأولاده، وحملْتَه على ما وسمنا به من الظلم، وحسَّنت له البدع حتى نطق بما نطق وقال ما قال. فقال: والله ما فعلتُه، ولكنَّه مجبول ومطبوع على حبِّ عليٍّ، فلم يقبلوا منه ذلك، فأخذوه ودفنوه حيًّا حتى مات.
وتوفي معاوية بن يزيد بعد خلع نفسه بأربعين ليلة، وكان عمره ثلاثًا وعشرين سنة، ويقال: إنَّه لما احتضر قيل له: ألا تستخلِف فأبى، وقال: ما أصبت (^٣) من حلاوتها شيئًا، فلِمَ أتحمَّل (^٤) مرارتها، ولم يعقِّب ﵀.
_________________
(١) ساقطة من: ع.
(٢) ع: عن.
(٣) في ع: (ذقت).
(٤) ض: أيحل.
[ ١ / ٢٠٥ ]
ثم قام بأمر الخلافة بعدَه مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أميَّة بن عبد شمس بن عبد مَناف، وبويع له بالخلافة بالجابية، ثم دخل الشَّام فأذعن أهلُها بالطَّاعة، ثم دخل مصر فبايعه أهلها بعد حروب كثيرة.
وكان يقال له: ابن الطَّريد؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ كان قد طرده إلى الطَّائف، فردَّه عُثمان ﵁ حين بُويع له (^١)، ولم يرده أبو بكر ولا عمر ﵄، (قيل: إنّما ردَّه لأنَّ رسول الله ﷺ سأل عن حاله ومال إليه مرَّة) (^٢).
ثم توفي مروان في سنة خمس وستين، وكانت خلافته عشرة أشهر، (وكان مروان بن الحكم وُلِد لسنتين خلتا من الهجرة، وقبض رسول الله ﷺ وهو ابن ثمان سنين، وأبوه الحكم بن العاص طريد رسول الله يوم فتح مكة، ومات في خلافة عثمان) (^٣)، وكان سبب طرد رسول الله ﷺ إيَّاه (^٤) أنَّه كان يفشي سرَّه، فلعنه رسول الله ﷺ وسيَّره إلى بطن وَجٍّ، فلم يزل طريدًا مدَّة حياة رسول الله ﷺ وخلافة أبي بكر وعمر ﵄، ثم أدخله عُثمان وأعطاه مئة ألف درهم. ذكره ابن قتيبة (^٥).
(وذكر الدَّمِيْرِي في "حياة الحيوان" روى الحاكم في كتاب الفتن في الملاحم من "المستدرك" عن عبد الرَّحمن بن عوف ﵁ أنّه قال: كان لا يُولَد لأحد مولودٌ إلا أتى به إلى النبيِّ ﷺ فيدعو له، فدخل (^٦) عليه مروان،
_________________
(١) زيادة من: ع.
(٢) ساقطة من: ع.
(٣) ساقطة من: ع.
(٤) ع: لوالده.
(٥) انظر: "المعارف" لابن قتيبة (ص: ٣٥٣).
(٦) أ: فأدخل.
[ ١ / ٢٠٦ ]
فقال ﷺ "هو الوزغ بن الوزغ، الملعون بن الملعون" (^١)، ثم قال: صحيح الإسناد) (^٢).
ثم روى الحاكم عن عَمْرو بن مُرَّة الجهني ﵁ (وكانت له صُحبة) (^٣) قال: إنَّ الحَكَم بن أبي العاصِّ استأذن على (^٤) رسول الله ﷺ (فعرَف صوتَه) (^٥)، فقال ﷺ: "ائذنوا له لعنة الله عليه وعلى ما يخرج من صلبه، إلَّا المؤمن منهم، وقليلٌ ما هم، يشرفون في الدنيا ويضيعون الآخرة، ذوو مكر وخديعة، يعظَّمون في الدنيا وما لهم في الآخرة من خَلاق" (^٦)، ذكره الدَّمِيْرِي في (موضعين من كتابه هذا في الإوز، وهذا في الوزغ) (^٧).
ثم قام بالأمر بعده ابنه عبد الملك بن مروان، بويع له بالخلافة يوم موت أبيه مروان، وهو أوَّل من سُمِّي بعبد الملك في الإسلام، وأول من ضرب الدَّراهم والدَّنانير سِكَّة الإسلام، وكان على الدنانير نقش بالرُّومية، وعلى الدراهم نقش بالفارسية.
_________________
(١) رواه الحاكم في "المستدرك" (٨٤٧٧)، وصححه. وخالفه الذهبي فقال: لا والله، وفيه ميناء مولى عبد الرحمن بن عوف، كذبه أبو حاتم.
(٢) ساقطة من: ع.
(٣) ساقطة من: ع.
(٤) زائدة في ع: عهد.
(٥) ساقطة من: ع.
(٦) رواه الحاكم، في "المستدرك" (٨٤٨٤) وصححه، وخالفه الذهبي وقال: لا والله، فيه أبو الحسن الجزري من المجاهيل.
(٧) ع: (حياة الحيوان).
[ ١ / ٢٠٧ ]
وتمكن عبد الله بن الزُّبير ﵄ فبايعه أهل الحرمين (^١)، واليمن، والعراق، واستناب على العراق وما يليه أخاه مصعب، وتفرَّقت الكلمة، وبقي في الوقت (^٢) خليفتان، أكبرهما ابن الزُّبير ﵄، ثم لم يزل عبد الملك إلى أن ظفر به، وقتله بعد حروب عظيمة.
وذلك (^٣) أنَّه سار من دمشق إلى العراق، فبرز إليه نائبها مصعب بن الزُّبير، والتحم بينهما القتال، فظهر من مصعب شجاعة عظيمة، فلم يزل كذلك حتى قُتل مصعب ﵁، فاستولى على العراق، واستناب عليها أخاه بشر بن مروان، وكرَّ راجعًا إلى دمشق.
فاستمرَّ العراق لعبد الله بن الزُّبير إلى سنة إحدى وسبعين، وهي التي قتل فيها عبد الملك أخاه مصعب بن الزُّبير وهدم قصر الإمارة، وسبب هدمها مذكورٌ في ذكر علي بن أبي طالب ﵁ (في بيان موضع قبره) (^٤).
وكان عبد الملك بن مروان بعدما ولي الخلافة منع أهل الشام من الحج من أجل ابن الزُّبير؛ لأنَّه كان يأخذ الناس بالبيعة له إذا حجُّوا، فعجَّ النَّاس لما مُنعوا من الحجِّ، فبنى عبد الملك قبَّة الصخرة فكان الناس يقفون عندها يوم عرفة.
(ويقال: إنَّ ذلك كان سبب التَّعريف في بيت المقدس ومساجد الأمصار. قيل: إنّ أوّل من سنَّ التعريف بالبصرة عبد الله بن عباس ﵄،
_________________
(١) ساقطة من: ع.
(٢) زائدة في ع: كلمتان.
(٣) أ: ثم.
(٤) ساقطة من: ع.
[ ١ / ٢٠٨ ]
وبمصر عبد العزيز بن مروان، وببيت المقدس عبد الملك بن مروان) (^١).
حكي أنّه لما قتل عبدُ الملك بن مروان مصعبَ بن الزُّبير وأراد الرجوع قام إليه الحَجَّاج، فقال: إني رأيت في منامي أني أخذت عبد الله بن الزُّبير فسلخته، فولِّني قتاله، فبعثه في جيش كثيف من أهل الشام، فحصر ابنَ الزبير، ورمى الكعبة بالمنجنيق، فلمَّا رمى به أرعدت السماء وأبرقت، فخاف أهل الشام، فصاح الحَجَّاج: هذه صواعق تهامة وأنا ابنها، ثم قام فرمى بنفسه، فزاد ذلك، وجاءت صاعقة تتبعها أخرى، فقتلَتْ من أصحابه اثني عشر رجلًا، (فزاد خوف) (^٢) أهل الشام، فلما أصبحوا صعقت السماء، فقتلَتْ بعض (^٣) أصحاب ابن الزُّبير، فقال الحَجَّاج لأصحابه: اثبتوا، فإنه يصيبهم مثل (^٤) ما أصابكم، ولم يزل يرميها بالمنجنيق حتى هدمها، ورموْها بكيزان النِّفط فاحترقت الستائر حتى صارت رمادًا.
وإنَّ ابن الزُّبير قال لأمِّه ﵃: إني لا آمن إِنْ قُتِلْتُ أن يُمثَّل بي وأصلب. فقالت أمُّه وهي أسماء بنت أبي بكر ﵃: يا ولدي، إنَّ الشاة إذا ذُبحت لم تتألم بالسَّلخ. فودَّعها.
وقُتِل ﵁ في ثالث عشر (^٥) جمادى الآخرة سنة ثلاث وسبعين، ثم بعث الحَجَّاج برأس عبد الله بن الزُّبير ﵄ إلى عبد الملك، وصلب
_________________
(١) ساقطة من: ع.
(٢) ع: فخاف.
(٣) ع: من.
(٤) زيادة من: ع.
(٥) ساقطة من: أ.
[ ١ / ٢٠٩ ]
جسده مُنكَّسًا، وقال: لا أنزله حتى تشفع فيه أمُّه أسماء ﵂، فتمَّ على ذلك الحال مدَّة، فمرَّت أمّه ذات يوم فقالت: أما آن لهذا الفارس أن يترجَّل، فبلغ ذلك الحَجَّاج فأمر بإنزاله، وأن يُعطى لأمِّه، فأخذتْهُ ودفنتْهُ.
وماتت أسماءُ بنت أبي بكر الصديق ﵂ بعده بخمسة أيام، ولها مئة سنة.
ثم إنَّ عبد الملك بعثَ رأس الزُّبير إلى عبد الله بن حازم الأسلمي، وهو والٍ بخراسان من جهة ابن الزُّبير، ودعاه إلى طاعته على أن يجعل له خراسان. فقال ابن حازم للرَّسول: لولا أنَّ الرَّسول لا يُقتل لأمرْتُ (بضرب عنقك) (^١)، ولكن كلْ كتاب صاحبك، فأكله، ثم أخذ الرَّأس فغسله وطيّبه ودفنه. قيل: إنَّه بعثه إلى آل الزبير بالمدينة فدفنوه مع جثته.
ومات عبد الملك بن مروان في شوال، سنة ست وثمانين، وكانت خلافته إحدى وعشرين سنة وخمسة عشر يومًا، منها ثمان سنين مزاحمًا لابن الزبير، ثم انفرد بمملكة الدنيا إلى أن مات، وخلَّف (^٢) سبعة عشر ولدًا، ولي الخلافة منهم أربعة.
(قال ابن قتيبة: وكان ابن (^٣) الزبير ﵁ بخيلًا فقال الشَّاعر فيه:
رأيتُ أبا بكرٍ وربُّك غالبٌ … على أمرِه يبغي الخلافة بالتَّمْرِ
وكان ولده حمزة بن عبد الله من أجواد العرب، وكان عامل أبيه على البصرة) (^٤).
_________________
(١) ع: بقتلك.
(٢) ض: وخلّفه.
(٣) ساقطة من: ض.
(٤) ساقطة من: ع.
[ ١ / ٢١٠ ]