وهو ابن آزَرَ بن تارَح (^٢) بن ناحُور بن أسْرَغ بن أرْغُو بن فالِغ بن عابِر بن شَالخ بن أَرْفَخْشَذ بن سَام بن نُوح بن مصرح (^٣).
وهو أوَّلُ من أضاف الضَّيف، وأوَّلُ من ثَرَدَ الثَّرِيْدَ، فأطعَمه للمساكين، وأوَّلُ من قصَّ شاربه، واستحدَّ، واختَتَن، وقلَّم أظْفَاره، واستاكَ، وفرَّق شعره، واستنجى بالماء، وتمضمض بالماء، وهو أوَّل من شاب وهو ابن مئة وخمسين سنة، وذلك أن سَارَةَ لَمَّا ولدَت إسحاقَ النبيَّ ﵇ قال الكَنْعانِيُّون: أما تعجبون هذا الشَّيخ والعجوز، وجدا غلامًا لَقِيطًا فتبنَّيَاه، فصوَّر اللهُ إسحاق على صورةِ إبراهيم، فلم يُفرَّق بينهما، فوسَمَ الله ﷿ إبراهيم بالشَّيبِ.
وكان بين نوح وإبراهيم ﵉ ألفا سنة ومئتا سنة وأربعون سنة، اتَّخذه الله خليلًا، وأنزل عليه عشرين صحيفة، واحتجَّ على عَبدة الأصنام والكواكب قولًا وفعلًا، وقد مرَّ تفصيله في (البرهان).
_________________
(١) انظر ترجمته في "المعارف" لابن قتيبة (ص: ٣٠)، و"تاريخ الرسل والملوك" للطبري (١/ ١٤٢ - ١٤٣)، و"الكامل في التاريخ" لابن الأثير (١/ ٧٢ - ٩٠)، و"البداية والنهاية" لابن كثير (١/ ١٣٩ - ١٧٥) و"تاريخ ابن خلدون" لابن خلدون (٢/ ٤٤).
(٢) أغلب كتب السيرة والطبقات تذكر أن "آزر هو تارح"، انظر: "سيرة ابن هشام" (ص ٥)، وفي "الطبقات" لابن سعد (١١/ ٥٩): إبراهيم بن آزر، وكذلك هو في القرآن، وفي التوراة: إبراهيم بن تارح، وبعضهم يقول: آزر بن تارح.
(٣) ع: منفرح. وكلاهما غير مستقيم، فإن نوح بن لامك أو لمك، كما تقدم في نسبة نوح ﵇.
[ ١ / ٦٦ ]
وحاجَّ إبراهيمُ في ربِّه نَمْرود بن كَنْعان، وهو أوَّلُ من تجبَّر وتمرَّد (^١) وغَصَب، وأوَّلُ من لبس التَّاج، وكان له معرفةٌ في أمر النُّجوم، ووضع فيها، ونظر فيها وعمل به.
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]؛ إن كان المراد في ربِّ إبراهيم فالإضافة لتعظيم المضاف إليه، وللإشارة إلى غَلَبَة إبراهيم وظَفَره عليه؛ إذْ مِنْ حقِّ المربِّي أنْ ينصرَ مربَّاه على أعدائِه، وإنْ كان في ربِّ نَمْرُود يكون لإظهار حماقته أوَّلًا، إذ لا عاقل يحاجُّ (^٢) في ربِّه وخالقه، فهو خارج عن دائرة العقلاء لِكَمال حماقته.
وفيه تعجيبٌ من محاجَّة نَمْرُود وحماقته وكُفْران نعمته؛ يعني: حاجَّه لأجل إيتاء الملك له، تنكرًا له، على طريقة العكس، يعني: أنَّ إيتاءَ الملك له نعمة له من ربِّه توجِبُ الشُّكر بالنِّسبة إليه سبحانه، وقد جعل موضع الشُّكرِ المحاجَّةَ مع إبراهيم التي هي منافية للشُّكر، وهذا في غاية الحماقة.
ونظيرهما وقع في سورة الواقعة: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢]، أي: لأنَّكم تكذبون، ويحتمل أن يكون معناه: لأَنْ آتَاهُ (^٣) الله الْمُلْكَ، بمعنى: أنَّ إيتاء الملك له يصير سببًا للمحاجَّة؛ لأنَّ المُلك أبطر المَلِكَ في الأغلب وأورثه الكِبْرَ والعُتُوَّ.
﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، أعرض إبراهيم ﵇ عن الاعتراض على المعارضة الفاسدة إلى الاحتجاج بما لا يقدر فيه، على نحو هذا التَّنويه؛ دفعًا للمشاغبة.
_________________
(١) ساقطة من: ض، أ.
(٢) ض، ع: يحتاج.
(٣) ع: إيتاه.
[ ١ / ٦٧ ]
وهو في الحقيقة عُدول عن مِثالٍ خفيٍّ إلى مثالٍ جَليٍّ، من مقدوراته التي يعجز عن الإتيان بها غيره، لا عن حجَّة إلى أخرى؛ إذ المقصود أنَّ الله تعالى قادر على كلِّ شيء، يفعل ما يشاء (والحجَّة ذلك، والمذكور أوَّلًا وثانيًا من إبراهيم مثالٌ جزئيٌّ يدخل في الكليِّ المذكور) (^١)، والأوَّل خفيٌّ، والثَّاني جليٌّ، فهو نقل من مثالٍ خفيٍّ، إلى مثالٍ جليٍّ.
وليس هذا دليلًا على جواز الانتقال من حجَّة إلى حجَّة للمجادَل (^٢)، وهو مذهب المعتزلة كما ذهب إليه صاحب "الكشَّاف"، على أنَّه يجوز أن تكون تلك الطَّريقة مجوَّزة في طريقة إبراهيم ودِيْنِه، بل يجوز أن تكون من مخصوصات إبراهيم ﵇، فلا تكون الآية المذكورة دليلًا على ما ذهب إليه المعتزلة، وذلكَ لأنَّ إتِّباع دين إبراهيم إنما هو في أصول الدِّين لا في الفروع، ولا في المخصوصات له، كما أنَّ المخصوصات لنبيِّنا ﷺ لا نَتَّبع فيها.
وحاصل الحجَّة الأخيرة: أنَّ الله تعالى يأتى بالشَّمس من المشرق، فإنْ كنْتَ صادقًا في دعواك فأتِ بها من المغرب، (مع أنها متحركة من المغرب بالحركة الطبيعية، ومن المشرق بالحركة القسريَّة الحاصلة من حركة الفلك الأعظم) (^٣)، فصار اللَّعين نَمْرُود المردود (^٤) في تلك المرتبة مبهوتًا، لا يقدر على التَّكلُّم بكلام فيه تمويهٌ ومشاغبةٌ كما في المرتبة الأولى.
_________________
(١) ساقطة من: ع.
(٢) ع: للمجادلة.
(٣) ساقطة من: ع.
(٤) ع: المطرود.
[ ١ / ٦٨ ]
قيل: لَمَّا كسر إبراهيمُ الأصنام (^١) سجنَه النُّمرود (^٢) أيَّامًا ثم أخرجه ليحرقه، فقال له: مَنْ ربُّك الذي تدعو إليه، وحاجَّه فيه، فصار مبهوتًا، ثم لَمَّا أنجاه الله تعالى من النَّار خرج من أرض بابل إلى الأرض المقدسة، وسَارَة معه وابن أخيه لوط، وكان آمن به في رهطٍ معه من قومه، فاتَّبعوه، حتى وردوا حَرَّان، فأقاموا بها زمانًا، وخرجوا إلى الأردن.
قالوا: جميع ولد إبراهيم ثلاثة عشر رجلًا، شرَّف الله تعالى منهم بالنُّبوة إسماعيل، وإسحاق.
وأمرَ اللهُ تعالى إبراهيمَ بالمسير إلى مكَّة بإسماعيل وأمِّه، وأخبره أنه قد بوَّأَه البيت الحرام، وأنه يقضي على يديه عمارته (^٣)، ويُنِيطُ لإسماعيل السِّقاية، فسار به وبأمِّه وتركهما هناك، وجاءت رُفْقة من جُرْهُم، فنزلوا شِعاب مكة، وأعطوا إسماعيل سبعة أعنُز، فكانَتْ أصلَ ماله.
* * *