أقدمُ التَّابعين وقدوتُهم القاضي شُرَيح بن الحارث الكِنْدي.
كان من سادات التابعين وأعلامهم، وكان من أعلم الناس بالقضاء، استقضاه عمر بن الخطاب على الكوفة، ثم استقضاه عثمان، ثم استقضاه (^٢) علي رضي الله تعالى عنهم، ولم يزل عليها بعد ذلك قاضيًا خمسًا وسبعين سنة، ولم يتعطل فيها إلا ثلاث سنين، امتنع فيها (من القضاء) (^٣) في فتنة ابن الزُّبير.
واستعفى الحجاج من القضاء فعفاه (^٤)، ولم يقض بين اثنين حتى مات، في سنة تسع وسبعين. ويقال: سنة ثمانين، وعاش مئة وعشرين سنة.
[وفي "أدب القضاء" للخصَّاف: عن عمر بن الخطاب ﵁ أنَّه كتب إلى شريح فقال: إذا جاء شيء في كتاب الله فاقضِ به، ولا يلهينَّك الرجال، ولا يمنعنَّك عن القضاء بحقٍّ حشمة محتشم، فلا (^٥) شيء آخر، فإن جاءك شيء ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ، (فانظر إلى ما اجتمع عليه الناس، لأنّ إجماع الأمة حجَّة، فإن جاءك أمر ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ) (^٦) ولم يتكلم به أحد
_________________
(١) انظر ترجمته في "المعارف" لابن قتيبة (ص: ٤٣٣)، و"الاستيعاب" لابن عبد البر (٢/ ٧٠١ - ٧٠٢)، و"أسد الغابة" لابن الأثير (٥٠٣)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (٤/ ١٠٠ - ١٠٦)، و"شذرات الذهب" لابن العماد (١/ ٣٢٠ - ٣٢٣).
(٢) زيادة من ع.
(٣) ساقطة من: ع.
(٤) ع: فاستعفاه.
(٥) ساقطة من: ض.
(٦) ساقطة من: أ.
[ ١ / ٢٣٠ ]
فاختر أي الأمرين شئت، إن شئت أن تجتهد برأيك وتتقدم فتقدم، (وإن شئت أن) (^١) تتأخر فامتنع، ولا أرى التأخير إلا خيرًا لك.
يعني: إن شئت أن تجتهد فاجتهد رجاء أن يوافق الصواب فيكون لك أجران، وإن شئت أن تمتنع من الاجتهاد مخافة أن تقتصر (^٢) في طريق الاجتهاد فتخطئ فامتنع، ولا أرى التأخير إلا خيرًا لك؛ يعني أسلم لذلك، فإن المجتهد لا يصيب الحق الذي عند الله تعالى إلا بالاجتهاد لا محالة.
قال الصَّدر الشَّهيد: وهذا إنما كان في زمانهم، فإنَّه كان من المجتهدين كغيره (^٣)، فإذا امتنع عن الاجتهاد واحد لا يضيع حكم الله تعالى] (^٤).
وكان طبقة شريح عالية، حتى صار لم ينعقد الإجماع بلا رأيه في زمانه، (واعتبروا خلافه بالصحابة) (^٥)، وكذا مَسْروق وعَلْقَمة.
[وفي "أصول فخر الإسلام" البَزْدَوي في باب متابعة أصحاب (^٦) النبيّ ﷺ: وأما التابعي فإن كان لم يبلغ درجة الفتوى في زمن الصحابة ولم يزاحمهم في الرأي، كان أسوة سائر أئمة الفتوى دون الصحابة من السَّلف لا يصح تقليده، وإن ظهرت فتواه في زمن الصحابة كان مثلهم في هذا الباب؛ أي في التقليد عند بعض مشايخنا، لتسليم مزاحمته إياهم، وقال بعضهم: لا يصح تقليده وإن ظهر
_________________
(١) ض: وأن.
(٢) أ: تقصر.
(٣) ض: كثيرة.
(٤) ساقطة من: ع.
(٥) ساقطة من: ع.
(٦) ساقطة من: أ
[ ١ / ٢٣١ ]
فتواه، وهو دونهم؛ لعدم احتمال (^١) التوقيف فيه.
ووجه الأول أنَّ شريحًا خالف عليًّا ﵁ عيانًا في ردِّ شهادة الحسن (^٢)، وكان عليّ ﵁ يقول له (^٣) في المشورة: قل يا أيها العبد الأبظر (^٤)، وخالف مَسْروقٌ ابنَ عباس ﵄ في النَّذر بذبح الولد، ثم رجع ابن عباس إلى فتواه (^٥)، ولأنه دخل بتسليمهم في جملتهم. إلى هنا كلام البَزْدَوي] (^٦).
وذكر الخَصَّاف (^٧) عن شريح أنه (^٨) قال: إنما (^٩) القضاء جمرة فادفع الجمرة عنك بعودَين (^١٠). يعني بشاهدين. قال الصَّدر الشَّهيد: تأويله أنّه لما جثى (^١١) الخصمان بين يدي القاضي فقد توجَّه الاحتراق على القاضي، فعليه أن يدفع الاحتراق عن نفسه، وإن خالف أحرق نفسه.
_________________
(١) ساقطة من: أ.
(٢) انظر: "أصول السَّرَخْسي" (٢/ ١١٥)، و"حلية الأولياء" لأبي نعيم (٤/ ١٤٠)، و"تاريخ دمشق" لابن عساكر (٢٣/ ٢٦).
(٣) ساقطة من: أ.
(٤) الأبظر: هو الذي في شفته العليا طول مع نتوء. انظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد (٣/ ٤٨٣)، و"غريب الحديث" لابن الجوزي (١/ ٧٨).
(٥) انظر: "مصنف ابن أبي شيبة" (١٢٥١٤، ١٢٥١٥، ١٢٥١٦)، و"المبسوط" للسرخسي (٨/ ١٣٩).
(٦) ساقطة من: ع.
(٧) انظر: "شرح الخَصَّاف" للصدر الشهيد (١: ١٤٨ - ١٤٩).
(٨) ساقطة من: ع.
(٩) أ: إن.
(١٠) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٢٢٩٨١)، وابن المقرئ في "معجمه" (٢/ ٣٦٧).
(١١) في المطبوع: جاء.
[ ١ / ٢٣٢ ]
وكان شريح ﵀ مزَّاحًا، تقدم إليه رجلان في شيء فأقرَّ أحدهما بما ادَّعى عليه صاحبه (^١) وهو لا يعلم، فقضى عليه شريح، فقال: أتقضي عليّ بغير بيِّنة، قال: قد شهد عندي ثقة، قال: ومن هو، قال: ابن أخت خالتك (^٢).
[وذكر الشَّيخ الإمام علاء الدِّين محمَّد السَّمَرْقندي في "تحفة الفقهاء": إذا كان الزوج غائبًا فطلبت فرض النفقة من القاضي وسماع البيِّنة منها على الزوجية وقيام المال في يد إنسان أمانة أو وديعة أو مضاربة ونحو ذلك، ولا علم للقاضي، لا يجيبها إلى ذلك، ولا يحكم عليه، وهذا قول أبي حنيفة الأخير، وهو قول شريح. وكان قوله الأول أنَّ القاضي يقضي لها، وهو قول إبراهيم النَّخَعي، والصحيح قول شريح؛ لأنَّ هذا قضاء على الغائب من غير أن يكون عنه خصم حاضر، وأنه لا يجوز عندنا، انتهى.
وذكر الزَّيْلَعِي: وقال زفر: يسمع بينتها، ولا يقضي بالنكاح، ويعطي النفقة من مال الزوج إن كان له مال، وإن لم يكن له مال يؤمر بالاستدانة؛ لأنّ في قبول البيِّنة بهذه الصفة نظرًا لها، وليس منه ضرر على الغائب، وهو قول أبي حنيفة أوَّلًا ثم رجع عنه، انتهى.
قال مولى خُسْرَو في "الدرر والغرر": وقال زفر: يقضي بها لا به؛ أي: بالنَّفقة لا النِّكاح، لأنَّ فيه نظرًا لها، ولا ضرر على الغائب، فإنّه لو حضر وصدَّقها فقد أخذت حقَّها، وإن جحد يحلف، فإن نكل صدق (^٣)، وإذا أقامَتْ بيِّنة فقد ثبت حقها، وإن عجزت يضمن الكفيل أو المرأة، ويقول زفر: يعمل للحاجة إليها دونه.
_________________
(١) ع: الآخر.
(٢) رواه ابن حيان في "أخبار القضاة" (٢/ ٢٨٠)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٤/ ١٣٥).
(٣) في الأصل: صدقها. ولعل الصواب ما أثبت.
[ ١ / ٢٣٣ ]
وفي "ملتقى الأبحر": وهو المعمول به والمختار، والقضاة اليوم يعملون بقول زفر للحاجة إليه] (^١).
وكان شريح أحد السَّادات الطُّلُس وهم أربعة: عبد الله بن الزُّبير، وقيس بن سعد بن عبادة، والأحنف بن قيس الذي يضرب بحِكَمِه المثل، ورابعهم شريح هذا. والأطلس: الذي لا شَعر في وجهه، ذكره الدَّمِيْرِي (في "حياة الحيوان".
وذكر الدَّمِيْرِي عن سعيد بن جبير أنّه قال: رأيت شريحًا ذاهبًا، فقلت له: أين تذهب؟ قال: أريد الكُناسة. فقلت: وما تصنع بالكُناسة؟ قال: أنظر إلى الإبل كيف خُلِقت (^٢» (^٣).
* * *