عَلْقمة بن قَيْس بن عبد الله بن مالك النَّخَعي.
كان عمَّ الأسود بن يزيد النَّخَعي، وكان أعلم أصحاب عبد الله بن مسعود ﵁. قال إبراهيم النَّخَعي: ولد في حياة النبيّ ﷺ.
وقرأ القرآن على ابن مسعود، وسمع من عمر، وعليّ، وأبي الدَّرداء، وطائفة من الصحابة ﵃، وكان أشبه النَّاس بابن مسعود، سَمتًا، وهديًا، وعلمًا.
_________________
(١) ساقطة من: ع.
(٢) ذكره الزمخشري في "الكشَّاف" (٤/ ٧٤٧).
(٣) ساقطة من: ع.
(٤) انظر ترجمته في "الطبقات الكبرى" لابن سعد (٦/ ١٤٦ - ١٥٤)، و"المعارف" لابن قتيبة (ص: ٤٣١)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (٤/ ٥٣ - ٦٢)، و"الإصابة" لابن حجر (٥/ ١٣٦)، و"شذرات الذهب" لابن العماد (١/ ٢٨١ - ٢٨٢).
[ ١ / ٢٣٤ ]
قال ابن مسعود: ما أعلم شيئًا وإلا وعلقمة يعلمه (^١).
[وقال قَابوس بن أبي ظَبْيان: قلت لأبي: لأي شيء كنت تأتي علقمة وتدع الصحابة؟ قال: كنت أدركْتُ ناسًا من الصحابة وهم يسألونه ويستفتونه (^٢).
تفقَّه به إبراهيم النَّخعي والشَّعبي. قال إبراهيم النَّخَعي: كان صوَّامًا قوَّامًا يقرأ القرآن في خمس، وقد قام بالقرآن في ليلة عند البيت، قرأ القرآن على عبد الله، فكأنه عجل، فقال: فداك أبي وأمي رتِّل فإنّه زين القرآن (^٣). وقال علقمة: قرأت القرآن في سنتين (^٤)] (^٥).
توفي سنة اثنتين وستين، ذكره الذهبي في "الطبقات"، وابن قتيبة في "المعارف" (^٦).
[قال الإمام الزَّاهدي في "شرح القُدُوري" في قوله: ولا يزال على حكم السفر حتى ينوي الإقامة في بلد خمسة عشر يومًا فصاعدًا، فيلزم الإتمام، وإن نوى الإقامة أقلّ من ذلك لم يتم. وقال الشَّافعي: إذا أقام أربعًا أتمَّ. فإن دخل بلدًا فلم ينوِ أن يقيم فيه خمسة عشر يومًا، وإنما يقول: غدًا أخرج أو بعد غدٍ أخرج حتى بقي على ذلك سنين فإنّه يصلي ركعتين، فإن النبيّ ﷺ أقام بتبوك عشرين ليلة وهو يقصر، وابن عمر
_________________
(١) انظر: "معرفة القراء" للذهبي (١/ ٥٢).
(٢) رواه أبو خيثمة النسائي في "العلم" (٥٥)، والرامهرمزي في "المحدث الفاصل" (ص: ٢٣٨).
(٣) رواه أبو عبيد في "فضائل القرآن" (١/ ١٩٩)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (٨٧٢٤).
(٤) رواه مسلم في "مقدمة صحيحه" (١/ ١٩)، وذكر أن فيه الحارث الأعور الكذاب.
(٥) ساقطة من: ع.
(٦) "المعارف" لابن قتيبة (ص: ٤٣١).
[ ١ / ٢٣٥ ]
﵄ بأَذْرَبِيجان ستة أشهر يقصر (^١)، والصحابة (برَامَهُرْمُز مدَّة) (^٢) تسعة أشهر يقصرون، وعلقمة أقام بخَوَارِزم سنتين يقصر.
قال الصَّدر الشَّهيد في "شرح الخَصَّاف" (١/ ١٨٣ - ١٨٨): وعن أبي حنيفة: ما بلغني من الصحابة وأفتي به فأقلِّده ولا أستجيز خلافه، يعني: أقلِّد جميع الصحابة، وهو الظاهر من المذهب. وهذا لا يخلو: إما أن قالوا ذلك جزافًا أو سماعًا أو اجتهادًا، ولا يظن بهم أنهم قالوا (^٣) جزافًا، فإن كان سماعًا لزم كلُّ واحد منهم الانقياد له، وإن كان اجتهادًا فاجتهادهم أولى من اجتهاد غيرهم؛ لأنَّه يوفَّقون للصواب مالا يوفَّق غيرهم لذلك.
أما في التَّابعين فعن أبي حنيفة روايتان، في رواية قال: "لا أقلّدهم، هم رجال اجتهدوا، ونحن رجال نجتهد"، وهو الظاهر من المذهب. والثاني ذكر في "النوادر" قال: "من كان من أئمة التابعين وأفتى في زمن الصحابة، وزاحمهم في الفتوى، وسوغوا له الاجتهاد فأنا أقلّده، مثل شريح، والحسن، ومسروق بن الأجدع، وعلقمة. وهذا لأنهم لما بلغوا درجة الفتوى في زمن الصحابة، وسوغوا لهم الاجتهاد صار قولهم كقول الصحابة".
فعلى هذه الرواية لا يحتاج إلى الجواب أن ذكر أبو حنيفة أقاويلهم في الكتب، وعلى ظاهر المذهب نحتاج، فنقول: إنما ذكر لا محتجًا بها بل بيانًا أنّه لم يشتبه بهذا القول بل سبقه غيره، وقال متبعًا لا مخترعًا. إلى هنا من كلام الصَّدر الشَّهيد في باب اجتهاد الرأي.
_________________
(١) ض، أ: يقصروا. ولعل الصواب ما أثبتناه.
(٢) ض، أ: (برؤس موضع هو). ولعل الصواب ما أثبتناه.
(٣) ض: كانوا.
[ ١ / ٢٣٦ ]
وفي باب المسألة عن الشهود من هذا الكتاب: قال الصَّدر الشَّهيد أيضًا: عن أبي حنيفة روايتان؛ الأولى أنّه قال: أقلِّد من كان من القضاة (^١) المفتين من الصحابة ﵃ لقوله ﷺ: "اقْتَدُوا بِاللَّذين مِنْ بَعْدِي أَبي بَكْرٍ وَعُمَر ﵄" (^٢)، وقد اجتمع في حقِّهما القضاء والفتوى، فمن كان في معناهما فأقلِّدهم ولا أستجيز خلافهم برأي، وخرج عن هذا جماعة منهم أبو أمامة، وسهل بن سعد الساعدي، وأبو حميد الساعدي، والبراء بن عازب، وغيرهم.
الثاني قال: أقلِّد جميع الصحابة، ولا أستجيز خلافهم برأي إلا ثلاثة نفر: أنس بن مالك، وأبو هريرة، وسمرة بن جندب. فقيل له: في ذلك؟ فقال:
أما أنس فقد بلغني أنّه اختلط عقله في آخر عمره، وكان يستفتي من علقمة، وأنا لا أقلِّد علقمة، فكيف أقلّد من يستفتي من علقمة؟
وأما أبو هريرة كان يروي كلَّ ما بلغه، وسمع من غير تأمُّل في المعنى.
وأما سمرة فما وجدت في نسختي.
ثم ظفرت في "روضة الزَّنْدَوِيْستي" إليه في الباب السابع والتسعين في فضل الصحابة، قال فيه: اختلفوا أنّ تقليد الصحابة يجوز أم لا، قال علماؤنا في ظاهر الأصول: يجوز، وأقاويل جميع الصحابة حجة بغير معرفة المعنى ونعمل بها، حتى روي عن أبي حنيفة أنّه سئل فقيل له: إذا قلْتَ قولًا وكتاب الله يخالف قولك؟ فقال: أترك قولي بكتاب الله تعالى، فقيل له: وإذا كان خبر الرسول ﷺ يخالف قولك؟ قال: أترك قولي بخبر الرسول ﷺ، فقيل له: إذا كان
_________________
(١) ساقطة من: أ.
(٢) رواه الترمذي (٣٦٦٢) من حديث حذيفة ﵁، وقال: حديث حسن.
[ ١ / ٢٣٧ ]
قول الصحابة يخالف قولك؟ قال: أترك قولي بجميع أقوال الصحابة إلا ثلاثة، منهم أبو هريرة، وأنس بن مالك، وسمرة بن جندب.
قال الفقيه أبو جعفر الهِنْدُوَاني: فإنما لم يترك قوله بقول هؤلاء الثلاثة لأنهم مطعونون، أما أبو هريرة ﵁ فإنّه روى عن النبيّ ﷺ أنّه قال: "من أصبح جُنبًا فلا صوم له"، قالت عائشة ﵂: أخطأ أبو هريرة، كان نبي الله ﷺ يصبح جُنبًا من غير احتلام، ثم يتم صوم يومه ذلك، وذلك في رمضان، فقال أبو هريرة: هي أعلم، كنت سمعته من الفضل بن عباس (^١). والفضل يومئذ كان ميتًا، فقد أحال خبره إلى ميت فصار مطعونًا.
وأما أنس ﵁ فإنّه لم يكن فقيهًا حتى قال للحسن البصري: ما معنى قوله ﷺ: "لا تنقشوا في خواتيمكم عربيًّا، ولا تستضيئوا بنار المجوس" (^٢)، فعلمه، فقال معنى قوله: "عربيًّا" يعني: محمدًا ﷺ، فإنه كان عربيًّا، "ولا تستضيئوا بنار المجوس" أي لا تشاوروا في أمور الدِّين مع المجوس (^٣)، فلما لم يعرف هذا بأنه لم يكن فقيهًا. وأيضًا فإنّه تعلّم أحكام الوضوء من ابن عمر ﵁ فدلَّ على نسيانه فلم يقبل قوله.
وأما سمرة بن جندب ﵁ فإنّه روي أنّ رجلًا كان يختلف إلى سمرة وأبي محذورة فكان إذا جاء سمرة قال: كيف تركت أبا محذورة، وإذا جاء إلى أبي محذورة قال: كيف تركت سمرة، فطال ذلك على الرجل، فسئل سمرة عن ذلك فقال: إنّ رسول الله ﷺ قال: آخر كما موتًا في النار، وقد روي أنّ سمرة كان آخرهما
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٢٦٦٧٢)، وابن حبان في "صحيحه" (٣٤٩٩).
(٢) رواه النسائي (٥٢٠٩).
(٣) روى نحوه البخاري في "التاريخ الكبير" (٤/ ١٦).
[ ١ / ٢٣٨ ]
موتًا (^١)، فلذلك لم يقبل. قال الفقيه أبو جعفر: روي ما ينفي هذا الطعن، لأنّه روي أنّه وقع حريق بالمدينة فاحترق فيه سمرة (^٢)، فكان مراد النبيّ ﷺ نار الدنيا لا نار الآخرة فلا يصح الطعن (^٣).
ثم إنّي رأيت في باب تقسيم الراوي من "أصول فخر الإسلام البَزْدَوي": أما المعروفون بالفقه والاجتهاد من الصحابة، فالخلفاء الراشدون، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وعائشة، وغيرهم ﵃، ممن اشتهر بالفقه والنظر. وحديثهم حجة إنْ وافق القياس أو خالفه، فإن وافقه تأيّد به، وإن خالفه ترك القياس به.
وأما رواية من لم يُعرف بالفقه لكنه معروف بالعدالة، والحفظ، والضبط مثل أبي هريرة، وأنس بن مالك ﵄، فإن وافق القياس عمل به، وإن خالفه لم يترك إلا بالضرورة وانسداد باب الرأي. ووجه ذلك أنّ ضبط حديث رسول الله ﷺ عظيم الخطر، وقد كان النقل بالمعنى مستفيضًا فيهم، فإذا قصر فقه الراوي عن درك معاني حديث رسول الله ﷺ وإحاطتها، لم يؤمن أن يذهب عليه شيء من معانيه بنقله فتدخله شبهة زائدة يخلو عنها القياس فيحتاط في مثله، وإنما نعني (^٤) بما قلنا قصورًا عند المقابلة بفقه (^٥) الحديث المروي، فأما الازدراء بهم فمعاذ الله عن ذلك،
_________________
(١) روى نحوه البخاري في "التاريخ الصغير" (٤٤٦، ٤٤٧)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (٥٧٧٦، ٥٧٧٩).
(٢) ساقطة من: أ.
(٣) انظر: "شرح مشكل الآثار" للطحاوي (١٤/ ٤٩٠).
(٤) أ: نفتي.
(٥) أ: لفقه.
[ ١ / ٢٣٩ ]
فإن محمدًا ﵀ حكى عن أبي حنيفة في غير موضع أنّه احتج بمذهب أنس بن مالك ﵁ وقلَّده، فما ظنك في أبي هريرة ﵁، حتى إنَّ المذهب عند أصحابنا ﵏ في حديث المعروف بغير الفقه أنَّه لا يردُّ حديث أمثالهم إلا إذا انسدَّ باب الرأي والقياس، فحينئذ يترك، وإلا فلا.
وفي "قوت القلوب" لأبي طالب المكي: وقد رَخَّص في سوق الحديث على المعنى دون سياقه على اللفظ جماعة من الصحابة منهم علي، وابن عباس، وأنس بن مالك، وأبو الدرداء، وواثلة بن الأسقع، وأبو هريرة، ﵃، ثم جماعة من التابعين، يكثر عددهم، منهم إمام الأئمة الحسن، ثم الشعبي، وعَمرو بن دينار (^١)، والنَّخَعي، ومجاهد، وعِكْرِمة، نقلنا ذلك عنهم في كتب سيرهم بأخبار مختلفة الألفاظ.
وقال ابن سيرين: كنت أسمع الحديث من عشرة، المعنى واحد والألفاظ مختلفة، ولذلك اختلفت ألفاظ الصحابة في رواية الحديث عن رسول الله ﷺ؛ فمنهم من يرويه تامًّا، ومنهم من يجيء به مختصرًا، ومنهم من يرويه على المعنى، وبعضهم من (^٢) يغاير بين اللفظين، أو يراه واسعًا إذا لم يخالف المعنى ولم يخل بالبغية.
روي أنَّه قال رجل للحسن البصري: يا أبا سعيد، إنك تحدث بالحديث، فأنت أحسن له سياقًا وأجود تحبيرًا، وأفصح لسانًا منَّا (^٣) إذا حدثتنا به، فقال: إذا أصبت المعنى فلا بأس بذلك. إلى هنا من "قوت القلوب".
_________________
(١) في الأصل: "ضياء"، والمثبت من "قوت القلوب" (ص: ٢٩٩).
(٢) ساقطة من: ض.
(٣) ساقطة من: أ.
[ ١ / ٢٤٠ ]
ذكر الدَّمِيْرِي في ذكر الحية (من "حياة الحيوان") (^١) عن "تاريخ ابن النجار" (^٢) في ترجمة يوسف بن علي الزنجاني الفقيه الشَّافعي، قال: سمعت أبا إسحاق الشِّيْرَازِي يقول: سمعت القاضي أبا الطيب يقول: كنا في حلقة النظر بجامع المنصور ببغداد، فجاء شاب خراساني يسأل عن مسألة المصرّات، ويطالب بالدَّليل، فاحتجّ المستدل بحديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين وغيرهما، فقال الشاب وكان حنفيًّا: أبو هريرة غير مقبول الحديث؟ قال القاضي: فما استتم كلامه حتى سقطت عليه حية عظيمة من سقف الجامع، فهرب الناس وتبعت الشاب دون غيره، فقيل له: تُبْ تُبْ. فقال: تبْتُ، فغابت الحية ولم يبق لها أثر، وقال ابن الصلاح: هذا إسناد ثابت فيه ثلاثة من صلحاء الأمة] (^٣).
* * *