سعيد بن جُبير بن هشام أبو عبد الله الأسدي.
من سادات التابعين علمًا وفضلًا وعبادة، قرأ القرآن على ابن عباس، وروى عن (^٢) عدي بن حاتم، وابن عمر، وعبد الله بن مُغَفَّل، وأبي هريرة، وغيرهم ﵃.
وعن ابن عباس ﵁ قال: يا أهل الكوفة، تسألوني وفيكم سعيد بن جبير (^٣)؟
وروي عمرو بن ميمون بن مهران عن أبيه قال: مات سعيد بن جُبير، وما على وجه الأرض أحد إلا وهو محتاج إلى علمه (^٤).
وروى عنه وأخذ الحَكَم وأيوب وجعفر بن [أبي] المغيرة، ومحمَّد بن سُوْقَة، والأعمش، وخلق كثير
قال إسماعيل بن عبد الملك: كان سعيد بن جبير يؤمُّنا في رمضان، فيقرأ ليلة بقِراءة ابن مسعود، وليلة بقِراءة زيد بن ثابت (^٥).
_________________
(١) انظر ترجمته في "الطبقات الكبرى" لابن سعد (٦/ ٢٧٦ - ٢٧٧)، و"المعارف" لابن قتيبة (ص: ٥٤٥ - ٥٤٦)، و"تذكرة الحفاظ" للذهبي (١/ ٦٠ - ٦١)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (٤/ ٣٢١ - ٣٤٣)، و"شذرات الذهب" لابن العماد (١/ ٣٨٢ - ٣٨٣).
(٢) ض: عنه.
(٣) انظر: "المنتظم" لابن الجوزي (٧/ ٦)، و"معرفة القراء" للذهبي (١/ ٦٩).
(٤) رواه الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (١/ ٤٠٣)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٤/ ٢٧٣).
(٥) أخرج نحوه عبد الرزاق في "المصنف" (٧٧٤٩).
[ ١ / ٢٥٧ ]
وعن هلال بن يساف قال: دخل سعيد بن جبير الكعبة فقرأ القرآن في ركعة (^١). وقيل: إنه كان يختم في كل ليلتين (^٢). هكذا ذكره الذَّهبي في "طبقات القراء".
وذكر (^٣) ابن قُتيبة في "المعارف" (ص: ٤٤٥): كان سعيد بن جُبير مولى لبني وائلة من بني أسد، ويُكنى أبا عبد الله، وكان أسود، [وكتب لعبد الله بن عتبة بن مسعود، ثم كتب لأبي بردة بن أبي موسى الأشعري وهو على القضاء وبيت المال، وخرج مع ابن الأشعث عبد الرَّحمن بن محمَّد بن الأشعث، فلما هزم أصحاب ابن الأشعث من دير الجماجم هرب سعيد إلى مكة، وأخذه خالد بن عبد العزيز القسري، وكان والي (^٤) الوليد بن عبد الملك على مكة، فبعثه إلى الحجَّاج، وكان الوليد بن عبد الملك ولي الخلافة يوم مات أبوه عبد الملك بن مروان سنة ست وثمانين، وكان خبيث الولاية] (^٥).
روى ابن قتيبة في "المعارف" (ص: ٤٤٦) أيضًا عن الخطاب عن أبي داود عن عمارة بن زاذان عن أبي الصَّهباء قال: قال الحجَّاج لسعيد بن جبير: اختر أي قتلة شئت، قال: بل اختر أنت لنفسك، فإن القِصاص أمامك، قال له: يا شقي بن كسير! ألم أقدم الكوفة، وليس يؤمُّ بها إلا عربي، فجعلتك إمامًا (^٦) بها؟ قال: بلى.
_________________
(١) رواه ابن أبي الدنيا في "التهجد" (٣٤٣)، والإمام أحمد في "الزهد" (ص: ٣٧٠)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٤/ ٢٧٣).
(٢) رواه الدارمي في "السنن" (٢/ ٥٦١)، وابن أبي الدنيا في "التهجد" (١٧٧).
(٣) أ: روى.
(٤) ض: ولي.
(٥) ساقطة من: ع.
(٦) ساقطة من: أ.
[ ١ / ٢٥٨ ]
قال: أولم (^١) أولِّك القضاء فضجَّ أهل الكوفة وقالوا: لا يصلح إلا لعربي، فوليت أبا بردة، وأمرته أن لا يقطع أمرًا دون أمرك؟ قال: بلى. (قال: أوما جعلتك في سمَّاري؟ قال: بلى) (^٢)، قال: فما أعطيتك كذا وكذا من المال تفرِّقه في (^٣) ذوي الحاجة، ثم لم أسألك عن شيء منه؟ قال: بلى. فقال له (^٤): فما أخرجك عليَّ؟ قال: بيعة (^٥) (كانت في عنقي لابن الأشعث) (^٦)، فغضب الحَجَّاج، (ثم قال:) (^٧) بيعة أمير المؤمنين عبد الملك في عُنقك قبلُ، والله لأقتلنَّك، وقتله الحَجَّاج سنة أربع وتسعين، وهو ابن تسع وأربعين سنة.
وروي (^٨) أنَّ سعيدًا حين قتله الحَجَّاج قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، اللهم لا تسلِّطه على أحد بعدي، فذبح على النَّطْع، فكانت رأسه تقول بعد قطعها: لا إله إلا الله مرارًا.
وعاش الحَجَّاج بعده خمس عشرة ليلة، ولم يُسلَّط على قتل أحد بعده، ذكره الدَّمِيْرِي وغيره.
روي أنَّ الحسن البصري لما بلغه قتل سعيد بن جبير قال: اللهم أنت
_________________
(١) ع: ألم.
(٢) ساقطة من: ع.
(٣) ع: من.
(٤) زيادة من ع.
(٥) ع: (في بيعته).
(٦) ساقطة من: ع.
(٧) ع: وقال.
(٨) ع: روي.
[ ١ / ٢٥٩ ]
على فاسق ثقيف رقيب، والله لو أنَّ أهل المشرق والمغرب اشتركوا في قتله لكبَّهم الله في النّار، والله لقد مات وأهل الأرض من المشرق (إلى المغرب) (^١) محتاجون إلى علمه (^٢).
وذكر الدَّمِيْرِي في ذكر التَّيس من "حياة الحيوان": يروى عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ﵁، أنّه رأى الحَجَّاج في المنام بعد موته وهو جيفة منتنة، فقال له: ما فعل الله بك؟ قال: قتلني بكل قتيل قتلته قتلة (^٣) واحدة، إلا سعيد بن جبير، فإنّه قتلني به سبعين قتلة، فقال له: ما أنت منتظر؟ قال: ما ينتظره الموحِّدون.
فهذا مما ينفي عنه الكفر، ويُثبت أنّه مات على التوحيد، وعند الله علم حاله، وهو أعلم بحقيقة أمره، وسابق رحمته على غضبه، وهو الكريم الغفَّار.
قيل: بعض المشايخ أكفره بما روي عنه أنه (^٤) ركب يوم جمعة، فسمع ضجّة (^٥)، فقال: ما هذا؟ فقيل: المحبوسون يضجّون ويشكون مما هم فيه من العذاب والجوع، فالتفت إلى ناحيتهم وقال: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] فما صلى جمعة بعدها (^٦).
_________________
(١) ض: والمغرب.
(٢) انظر: "وفيات الأعيان" لابن خلكان (٢/ ٣٧٤).
(٣) ساقطة من: ض.
(٤) زيادة من ع.
(٥) زائدة في ع: عظيمة.
(٦) رواه الدِّيْنَوَري في "المجالسة وجواهر العلم" (١/ ٣٣٨)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١٢/ ١٩٢)، وفيه: فما عاش بعد ذلك إلا أقل من جمعة حتى مات.
[ ١ / ٢٦٠ ]
وبما وقع في "الكامل" (^١): أنّه رأى الناس يطوفون حول حجرة رسول الله ﷺ، فقال: إنما يطوفون بأعواد ورِمَّة.
وإنما أكفره الفقهاء بهذا، لأنّ فيه المعاذ بالله تكذيب رسول الله ﷺ، فإنَّه صحَّ عنه ﷺ أنَّه قال: "إن الله حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء ﵈" (^٢).
وقيل: الحكمة في أنَّ الله تعالى قتل الحجَّاج بكل قتيل قتله قتلة (^٣) واحدة، وبقتل سعيد بن جبير سبعين قتلة، وعبد الله بن الزُّبير قتلة، وهو صحابي أفضل من التابعي: أنَّ سعيد بن جبير لم يكن له نظير حين قتله، وعبد الله بن الزُّبير كان له نظيرًا في العلم والرَّأي كابن عمر، وأنس بن مالك، وغيرهما ﵃.
وفي "فتاوى الظَّهِيْرِيَّة" في فصل من يصح الاقتداء به: ولا بأس بالصلاة خلف الإمام الجائر، فإن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يصلُّون خلف بني أميَّة، وكانوا جائرين مثل الحجَّاج، فإنَّه كان جائرًا على ما روي عن الحسن البصري أنّه قال: لو جاءت كلُّ أمَّة بخبثائها، وجئنا بأبي محمَّد -يعني الحجَّاج- لغلبناهم (^٤).
مات في خلافة الوليد بواسِط (-بناه الحجاج سنة ثلاث وثمانين-) (^٥) في سنة
_________________
(١) الكامل في اللغة والأدب للمبرد ١/ ١٧٩.
(٢) رواه أبو داود (١٥٣١)، والنسائي (١٣٧٤)، وابن ماجه (١٦٣٦)، من حديث أوس بن أوس ﵁.
(٣) ساقطة من: ض
(٤) رواه البيهقي في "دلائل النبوة" (٦/ ٤٨٩)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١٢/ ١٨٦) لكن من قول عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى.
(٥) ساقطة من: ع.
[ ١ / ٢٦١ ]
خمس وتسعين، (ودفن فيها) (^١) وعفي قبره، وأجري عليه الماء، ولما مات لم يُعلم بموته حتى خرجت جنازته من قصره، وهم يقولون (هذا البيت) (^٢):
اليوم يرحمُنا مَنْ كانَ يَغْبِطنا … اليومَ نتَّبع مَنْ كانوا لنا تَبعا
[فعلم بموته (^٣).
واستشهد سعيد بن جبير بواسط، في شعبان سنة خمس وتسعين على ما ذكره الذَّهبي، وقيل: سنة أربع وتسعين.
فعن أشعث بن إسحاق قال: كان يُقال لسعيد بن جُبير: جِهْبِذ العلماء (^٤).
قال في "عناية الهداية": روي عن سعيد بن جبير أنّه قال: قلت لابن عباس: كيف اختلف الناس في وقت تلبية رسول الله ﷺ وما حجَّ إلا مرة واحدة؟ فقال: لبَّى رسول الله ﷺ في دبر صلاته، فسمع ذلك قوم من أصحابه فنقلوا، وكان القوم يأتونه أرسالًا، فلبَّى حين استوت راحلته فسمع ذلك قوم فظنوها أول تلبيته فنقلوا ذلك، ثم لبَّى حين علا البيداء فسمعه قوم آخرون فظنوها أول تلبيته فنقلوا ذلك، وايم الله ما أوجبها إِلَّا في مصلاه (^٥). فقلنا: بأن الإتيان بقول ابن عباس أفضل؛ لأنَّه أكَّد روايته باليمين، والإتيان بقول ابن عمر ﵄ جائز؛ يعني حين استوت راحلته.
_________________
(١) ساقطة من: ع.
(٢) زيادة من ع.
(٣) انظر: "البيان والتبيين" للجاحظ (١/ ٤٧٥)، و"تاريخ مدينة دمشق" لابن عساكر (١٢/ ١٩٥).
(٤) رواه ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٤/ ٩)، وابن عدي في "الكامل" (١/ ٥١)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٣/ ٤).
(٥) انظر: "المبسوط" للسرخسي (٤/ ٥)، و"العناية شرح الهداية" للبابرتي (٣/ ٤١٤).
[ ١ / ٢٦٢ ]
وفي كتاب الصيد والذبائح من "فتاوى قاضي خان"] (^١): روي أنَّ رجلًا جاء إلى سعيد بن جُبير، فقال: كانت ببعض الحيِّ نعامة، فضربها إنسان، فوقدها، فألقاها على كُنَاسة وهي (^٢) حية، فقال سعيد: ذكُّوها، هذا يدل على أنَّ النَّعامة من المأكولات، انتهى.
* * *