ثمَّ ولِيَها الْحُسَيْن بْن جَميل من قِبَل الرشيد عَلَى صلاتها قدِمها يوم الخميس لعشر خلونَ من شهر رمضان سنة تسعين ومائة فجعل عَلَى شُرَطه كامل الهُنائيّ، ثمَّ عزله فولَّى مُعاوية بْن صُرَد، فأَقام عَلَى صلاتها إلى يوم الجمعة لسبع خلونَ من رجب سنة إحدى وتسعين ومائة فجُمِعت لَهُ الصلاة والخَراج جميعًا، قَالَ سَعِيد بْن عُفير:
مَا كُنْتُ أَحْسَبُ أَنَّ الحِين يَجْمَعُ مَا … أَمْسَى بِمِصْرَ مِنَ الأَنْذَالِ فِي الإِمَرِ
أَمَّا الأَميرُ فَحَنَّاجٌ وَصَاحِبُهُ … عَلَى الخَرَاجِ سَوَادِيٌّ مِنَ الأُكَرِ
هذا الهْنَائِي مِنَ الفُسْطَاطِ يَخْلُفُهُ … والْعَامِليُّ عَلَى أَعْمَالِهِ الْأُخَرِ
كُلٌّ لِصَاحِبِهِ شِكْلٌ يُلَايِمُهُ … فَهُمْ سَوَاسِيَةٌ فِي اللُّؤْمِ كالحُمُرِ
وَمَا هُنَاءَةُ إِلَّا ظَلْفُ ذِي يَمن … وَالْبَاهِليُّونَ مَأْوَى اللُّؤْمِ مِنْ مُضَرِ
فَمَا يَسُوغُ لَنَا عَيْشٌ فَيَنْفَعَنَا … مَعْ مَا نَرَى لَهُمُ مِنْ رِقَّةِ الخَطَرِ
وفي وِلايته امتنع أهل الحَوف من أَداء الخَراج، وخرج أَبُو النَّدى مَولى بَليّ فِي نحو من ألف رجُل يقطع الطريق بأَيْلة وبَدا وشَغْب ومَدْيَن، ثمَّ أغار عَلَى بعض قُرى الشام ثمَّ ضوى إِلَيْهِ رَجُل من جُذام، يقال لَهُ: المُنذِر بْن عابس بْن غَطَفان ومعه سلام النوي،
[ ١١٠ ]
فبلغوا مبلغًا عظيمًا من النهب والقتل، فبعث أمير المؤمنين هارون يحيى بْن مُعاذ فِي أمرهم، فسار يحيى إلى فِلَسطين، فبعث قائدًا من قُوَّاده فِي طلب أَبِي النَّدى، وابن عابس، وبعث الْحُسَيْن بْن جميل من مصر بعبد العزيز بن الوزير بْن ضاني الجَرَويّ فِي عسكر، فالتقى العسكران بأَيْلة فحرو سلام النوى، ثم أُدرك فأُخذ وكان أَبُو النَّدى، يَقُولُ:
أَقُولُ إذَا الرِّفَاقُ بَدَتْ لِوَجْهِي … أَلَا حُلُّوا رِحَالَكُمُ وَطِيرُوا
وَإِنْ لَمْ تَتْرُوكُوهَا فاسْتَعِدُّوا … لِحرْبٍ مثْلِ حَاصِبَةٍ تَغُورُ
أَقُولُ لِصُحْبَتي كُرُّوا عَلَيْهِمْ … فَلَيْسَ يُهِرُّهُمُ إِلَّا الكُرُورُ
ثمَّ سار يحيى بْن مُعاذ فِي جيشه ذَلكَ، فنزل بُلْبَيس، فأَذعن أهل الحَوْف بالخَراج، وكان نزوله بُلْبَيس لإحدى عشرة خلت من شوَّال سنة إحدى وتسعين ومائة، ثمَّ صُرف الْحُسَيْن بْن جَمِيل لثنتي عشرة ليلة من شهر ربيع الآخر اثنتين وتسعين ومائة.