ثمَّ ولِيَها السَّريّ بْن الحكَم بإِجماع الجند عَلَيْهِ عَلَى صلاتها وخَراجها لمستهَلّ شهر رمضان سنة مائتين فجعل عَلَى شُرَطه محمد بْن عَسَّامة بْن عمرو، ووثب عُمَر بْن هلَّال عَلَى أَبِي بَكْر بْن جُنادة بْن عِيسى المعافريّ خليفة مُطَّلِب بالإسكندريَّة، فأخرجه منها ودعا للجَرَويّ بها، والجَرَويّ، والسَّريّ مُتسالمان، وأقبل الأَنْدَلُسيُون إلى ابن هلَّال، فكان بلغه عَنْهُمْ بعض الفَساد، فأْمر عُمَر بإخراجهم من الإسكندريَّة طائفة يُسمَّون بالصُّوفيَّة يأمرون بالمعروف فيما زعموا ويعارضون السُّلطان فِي أمره، فتراءَس عليهم رجُل منهم، يُقال لَهُ: أَبُو عبد الرحمن الصُّوفيّ، فصاروا مَعَ الأَنْدَلُسيّين يدًا واحدة واعتضدوا بلَخْم، وكانت لَخْم أحد من ناحية الإسكندريَّة، فخوصهم أَبُو عبد الرحمن الصُّوفيّ إلى عُمَر بْن هلَّال فِي
[ ١٢٣ ]
امرأَة، فقضى عَلَى أَبِي عبد الرحمن، فوجد فِي نفسه من ذَلكَ، وخرج إلى الأَنْدَلُسيِّين وألف بينهم وبين لخم، ورجا أهل الأندَلُس أن يُدركوا من عُمَر بْن هلَّال، فساروا إلى عُمَر وهم زُهاء عشرة آلاف من لَخْم، ومن الأَنْدَلُسيّين، ومن ضوى إليهم، فحصروه فِي قصره، فعلِم عُمَر أن القصر لا يمنعه منهم، وخاف أن يُدخَل عَلَيْهِ عَنْوةً فيُفضَح فِي حُرَمه، فاغتسل وتخنَّط وتكفَّن وأمر أهله أن يُدلُّوه إليهم، فدُلِّيَ، فأخذته السيوف، فقُتل، ثمَّ دُلِّيَ إليهم أخوه محمد بْن عَبْد الملك بْن محمد بْن عبد الرحمن بْن مُعاوية بن حُدَيج، فقُتل، ثمَّ دُلِّيَ إليهم ابن عمّه أَبُو هُبَيرة الحارث بْن عَبْد الواحد، فقُتل، ثمَّ دُليَ إليهم حُدَيج بْن عَبْد الواحد، فقُتل، وانصرف القوم.
قَالَ سَعِيد بْن عُفير:
لَا يَبْعَدَنَّ ابْنُ هَلَّالٍ فَقَدْ ذَهَبَتْ … مِنْهُ المَنُونُ بِعِلْمٍ طَيِبِ النَّسَمِ
لَا يَرْأَمُ الضَّيْمَ مِنْ حُبِّ الحَيَاةِ وَلَا … يَقْبَلُ دُونَ فِعَالِ الخَيْرِ بِالقِسَمِ
وَلَا يَزَالُ لَهُ مِنْ مَجْدِهِ طَرَفٌ … يَسْنُدُ مَا حَازَ عَنْ آبَائِهِ القَدَمِ
مَا انْفَكَّ يَحْمِي ذِمَارَ اسكنْدَرِيَّةَ فِي … هَدْءٍ حَمِيدٍ وَعِزٍّ غَيْرِ مُهْتَضَمِ
حَتَّى إِذَا جَاءَهُ مَنْ كَانَ يَأْمَنُهُ … وَصَرَحَ الموْتُ جَهْرًا غَيْرَ مُكْتَتِمِ
خَاضَ الأَسِنَّةَ واهتدى مُحْتَسِبًا … حَتَّى تَجَرَّعَ كَأْسَ الموْتِ مِنْ أَمَمِ
وكان مقتل عُمَر بْن هلَّال وأهله فِي ذي القعدة سنة مائتين، ثمَّ فسد أمر لَخْم والأَنْدَلُسيِّين عند مقتل عُمَر بْن هلَّال، وقام بأمر لَخْم رَباح بن قرَّة، وسار إلى الأَنْدَلسيِّين، فحاربهم، فانهزمت لَخْم وظهر الأَنْدَلُسيُّون بالإسكندريَّة عنْوَةً فِي ذي الحجَّة سنة مائتين، فولَّوها أَبَا عبد الرحمن الصُّوفيّ، فبلغ من الفَساد بالإِسكندريَّة والقتل والنهب ما لم يُسمَع بِمِثْلِهِ، فعزله الأَنْدَلُسيُّون عَنْهَا وولَّوا رجُلًا منهم يُعرَف بالكِنانيّ، ثمَّ حاربت بنو مُدْلِج أهل الأَنْدَلُس، فظفر بهم الأَنْدَلُسيُّون، فنفَوهم عَن البلاد ولم يقدِر أحد
[ ١٢٤ ]
من بني مُدْلِج أَن يرجع إلى أرض الإسكندريَّة إلَّا بطلبة من السَّريّ بْن الحكَم إلى أهل الأَنْدَلُس فيهم حتى أذِنوا لهم، فرجعوا.
حَدَّثَنِي عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر بْن السارح، قَالَ: حَدَّثَنِي عبد الرحمن بْن أَبِي الْخَطَّاب، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، وهانئ بْن المُتوكِل، ومحمد بْن خلَّاد، عَنْ ضِمام بْن إسماعيل، عَنْ أَبِي قُبَيل، قَالَ: «إِنّي عَلَى الإِسكندريَّة من أربعين مَركبًا مسلمين وليسوا بمسلمين، تأتي على آخِر الصيف أَخْوَفُ منّي علها من الرُّوم».
قَالَ ابن أَبِي الْخَطَّاب: وحَدَّثَنِي ابن حَيْوة، قَالَ: لمَّا ذكر ضَمام هذه الأربعين مَركبًا وطال اعتناؤه بها، وذِكره إيَّاها قلتُ لَهُ: يا أَبَا إسماعيل ما هذه الأَربعون مَركبًا فِي هذا الخلق لو كانت نيرانًا تضطرم.
فقال: اسكتْ ويلك منها، وممَّن يكون فيها يكون خَراب إِسْكَنْدَريَّة وما حولها.
وبلغ الجَرَويّ ما فعله الأَندَلُسيُّون وقتلها ابن هلَّال، فسار إليهم فِي خمسين ألفًا حتى نزل عَلَى حِصْنها، فحاصرها ثمَّ أجهدهم وكاد أن يفتتحها فَخَشِيَ السَّريّ بْن الحكَم أن يفتحها ويملِكها، فبعث عمرو بْن وَهْب الخُزاعيّ إلى تِنِّيس ليخالف الجَرَويّ إلى منزِله، فبلغ ذَلكَ الجَرَويّ، فكرّ راجعًا إلى تِنّيس، وفسد ما بينه وبين السَّريّ
وقال ابن عُفَير للجَرَويّ:
أَلَا مَنْ مُبْلِغُ الجَرَويِّ عَنِّي … مُغَلْغَلَةً يُعَاتِبُ أَوْ يَلُومُ
أَقَمْتَ تُنَازِلُ الْأَبطَالَ حَتَّى … تَمَيَّزَ ذُو الْحَفِيظَةِ وَالسَّئُومُ
وَصُلْتَ بِهِمْ فَمَا وَهَنَتْ قُوَاهُمْ … وَطَيْرُ الْمَوْتِ دَائِرَةٌ تَحُومُ
ولَوْ هَجَمَتْ جُموعُكَ حِينَ حَلُّوا … عَلَيْهِمْ بَادَ جَمْعُهُمُ المُقِيمُ
وَكَيْفَ رَأَيتَ دَائِرَةَ التَّوَانِي … أَتَتْكَ بِصَحْوِ نَحْسٍ لَا يُقِيمُ
أَتَاكَ وَقَدْ أَمِنْتَ وَنَمْتَ كَيْدًا … لِصِلٍّ لَا يَنَامُ وَلَا يُنِيمُ
وكان مسير عَبْد العزيز الجَرَويّ إلى الإسكندريَّة وانصرافه عَنْهَا فِي المحرَّم سنة إحدى ومائتين، ودعا الأَنْدَلُسيُّون بها للسَريّ بْن الحكَم، ثمَّ فسد ما بين السَّريّ وآل عَبْد
[ ١٢٥ ]
الجبَّار بْن عبد الرحمن الأَزديّ، وكانوا وجوه أهل خُراسان بِمصر، فدَنوا من الفَساد عَلَى السَّريّ وبايعهم الجُند عَلَى ذَلكَ، وأظهروا كتابًا من طاهر بْن الْحُسَيْن بولايته سُليمان بْن غالب بْن جِبْرِيل عليها، فوثبوا إلى السَّريّ لمستهل ربيع الأوَّل سنة إحدى ومائتين، فكانت وِلايته عليها ستَّة أشهُر