ثمَّ ولِيَها الفَضل بْن صالح من قِبَل المَهديّ عَلَى صلاتها وخَراجها، دخلها يوم الخميس سلخ المحرَّم سنة تسع وستّين ومائة فجعل عَلَى شُرَطه عَسَّامة بْن عمرو، وكان مَعَ الفَضْل عسكر من الجُند عظيم أتى بهم من الشام عَلَى أهل قِنَّسرِين: عَنْبَسة بْن سَعِيد الجَرشيّ، وعلى أهل حِمص: جَهْم بْن عَبْد العزيز البَهْرانيّ، وعلى أهل دِمَشْق: عاصم بْن محمد بْن سَعِيد، وعلى أهل الأُرْدُنّ: قُطْبة بْن سَعِيد القَينيّ، وعلى أهل فِلَسْطين: زيادة بْن فائد اللَخْميّ، وتُوفّي المَهديّ فِي المحرم سنة تسع وستّين ومائة، وبُويع مُوسَى بْن المَهديّ فِي المحرَّم سنة تسع وستّين ومائة، وبُويع مُوسَى بْن المَهدِيّ، فأقرّ الفَضْل بْن صالح بْن عليّ عليها، وقدِم الفَضل وهي تضطرم لِما كَانَ من أهل الحَوْف ولخروج دِحية بْن مُصْعَب، وذلك أنَّ الناس تسرعوا إلى دِحية وكاتبوه ودعَوه إلى دخول الفُسطاط، فعقد الفَضل بْن صالح لسُفْيان القائد عَلَى الجُند، وعقد لابن ذي هجران السَّيْبانيّ عَلَى أهل مِصر فأَقام بالجِيزة، وعقد لابن زبَّان عَلَى القيسيَّة، وبعث بالزُّهْريّ فِي البحر، فالتقى سُفيان مَعَ دِحْية ببُويط، وكان صاحب أمر دِحْية كلّه فَتح بْن الصَّلْت بْن المُغيرة بْن ناشر الأَزْديّ من بني الحارث بْن زَهْران كَانَ جَدّه ناشر، حضر فتح مِصر، وأقبل فتح يكُرّ ويفِرّ لا يعرِض لَهُ شيء إلَّا هذه، فوقف لَهُ إبراهيم بْن الأَومر بْن عليّ
[ ٩٨ ]
التُّجِيبيّ من بني سوم بْن عَديّ بْن تُجيب، وبحر بْن شَراحِيل التُّجِيبيّ، وهيَّاج الأَنباريّ، فحملوا عَلَى فَتْح، فقتلوه، فقهقر أصحاب دِحْية لمقتل فتح، ومضى دِحْية عَلَى حامية فِي طائفة معه إلى طريق الواحات، فبعث إلى أهلها يدعُوهم إلى القيام معه، وكانوا من المسالة والبَرْبَر يتدّينون بالشراية، فقالوا: ألا نُقاتل إلَّا مَعَ أهل دَعْوتنا.
فبعث إليهم دِحْية: إِنَّا عَلَى مذهَبكم.
فخرجوا إِلَيْهِ وقاتلوا معه يوم الدَّير.
وأقبل عبد الله بْن عليّ الجنبيّ فِي جمع كثير بعثه الفَضل بْن صالح، فخرج إِلَيْهِ دِحْية فِي أهل الواحات، فهزموا عبد الله بْن عليّ، وقُتل يومئذٍ عَبْد العزيز بْن مَرْوان بْن الأَصبغ بْن عَبْد العزيز بْن مَرْوان، ووجد أهل الواحات عَلَى دِحْية فِي إِثارته العرَب عَلَى الموالي وتقديمهم عَلَى البَرْبَر، فقالوا لَهُ: هذا ظُلم والإسلام واحد ولسنا نقاتل معك حتى نمتحنك بالبراءَة من عثمان.
فامتنع دِحْية، وقال لهم والله ما أرجو الجَنَّة إلَّا بالرَّحِم بيني وبين عثمان.
فانصرفوا عَنْهُ وتركوه، فعاد إِلَيْهِ عبد الله بْن عليّ الجنبيّ لمَّا علِم انصرافهم عَنْهُ، فحاربهم، فقُتل يومئذٍ مَرْوان بْن عَبْد الملك بْن أَبِي بَكْر بن عَبْد العزيز بْن مَرْوان، وكانت نُعْم أمّ ولَد دِحْية تقاتل قتالًا شديدًا، فقال شاعرٌ من أصحاب دِحْية. . . . . . . . . . . . . . . . .