ثمَّ ولِيَها المُطَّلِب بْن عبد الله الثانية بإِجماع الحُند عَلَيْهِ لأربع عشرة خلت من المحرَّم سنة تسع
[ ١١٨ ]
وتسعين ومائة، فبايعوه فجعل عَلَى شُرَطه أحمد بن حُوَيّ بْن حُوَيّ، ثمَّ عزله وولَّى هُبَيرة بْن هاشم بْن حُدَيج، وهرب الجَرَويّ إلى تِنّيس، وانضم عبد الله بْن الْعَبَّاس بْن مُوسَى إلى عَبَّاد بْن محمد، فأَواه ومنع منه، وانضمّ الْأَنْصَارِيّ إلى المُطَّلِب، وأقبل العبَّاس مُوسَى بْن عيسى من مَكَّة إلى الحَوْف، فنزل بُلبَيس ودعا قيسًا إلى نُصرته، ثمَّ مضى إلى الحَرَويّ بتِنِّيس فشاوره، فأشار عَلَيْهِ أن ينزل دار قَيس، فرجع العبَّاس إلى بُلْيَس يوم الأحد لثلاث عشرة بقِيَت من جمادى الآخرة سنة تسع ومائة، فيقال: إن المُطَّلِب دسّ إلى قيس، فسمُّوا الْعَبَّاس فِي طَعامه، فمات ببُلْبَيس لثمان بقينَ من جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين ومائة.
وعاد إبراهيم الطائيّ إلى مُطَّلِب فِي وِلايته الثانية فكان معه، وظهر المُطَّلِب عَلَى كُتُب من العبَّاس إلى الطائيّ، والأنصاريّ، فبعث المُطَّلِب بهُبَيرة بْن هاشم، فقتل الطائيّ وسلَّط الجُند عَلَى الأنصاريّ، فقتلوه، قَالَ مُعَلًّى يمدح المُطَّلِب:
كَفَاهُمْ مِنَ الْعَبَّاسِ مَا لَوْ عنوا بِهِ … لا حيا لهم بْن حور فرعول
فَمَنْ مُبْلغُ الْمأْمُونِ عَنِّي نَصِيحَةً … وَمَا عَالِمٌ شَيْئًا سَوَاءٌ وَمَنْ جَهِلْ
بِأَنَّ ابْنَ عَبْدِ اللَّه لَولَا مكانُهُ … فَعُرِفْتَ لِلْعَبَّاسِ دَاهِيَةً جَلَلْ
وقال سَعِيد بْن عُفَير فِي مقتل أَبِي بِشْر الْأَنْصَارِيّ ويذمّ مُطّلِبًا فيما فعل:
أَرَى كُلَّ جَارٍ قَدْ رَمَى بِجِوَارِهِ … وَخَانَ أَبَا بِشْرٍ جِوَارُ ابن مَالِكِ
أمُطّلِبٌ هَلَّا مَنَعْتَ ابْنَ غَادِرٍ … وأَذَّيتَهُ قبْل انْسِدَادِ المسَالِكِ
فَيَأْخُذَ حَبْلًا منْ سِوَاكَ بِعِزَّةٍ … وَيمنَعُهُ مِنْ كُلِّ طبْلٍ ومالِكِ
[ ١١٩ ]
كَحَبْلِ نُوَيّ أَوْ كَحَبْلِ ابْنِ قَحْزَمٍ … وَثِيقَ العُرَى لِلْمِعْصَمِ المُتَمَاسِكِ
وقال أيضًا:
أَخْبِرْ بَنِي قَحْطَانَ فِي مِصْرَ أَنَّني … رأَيْتُهُمُ لَا يَحْفَظُونَ لَهُمْ إِصْرا
وكاتب مُطَّلِب أهل الأَحواف بعد موت الْعَبَّاس، فانطاعوا لَهُ وبايعوه وساروا إلى جُبّ عَميرة، فلقُوا مُطَّلِبًا وسأَلوه، فولَّى المُطَّلِب يزيد بْن خَطَّاب الكَلْبيّ عَلَى أسفل الأَرض، وبعث إلى الجَرَويّ بعقده عَلَى تِنِّيس وأمره بالشُّخوص إلى الفُسطاط، فامتنع الجَرَويّ من ذَلكَ، فبعث المُطَّلِب بوالٍ عَلَى تِنّيس وأخرجه الجَرَويّ منها، ثمَّ سار الجَرَوي فِي مراكبه حتى نزل شَطَنُوف، فبعث إِلَيْهِ المُطَّلِب بالسَّريّ بْن الحكَم فِي جمع الجُند يسأَلونه الصُّلح، فأجابهم إِلَيْهِ، ثمَّ اجتهد فِي الغدر بهم، فتيقَّظوا لَهُ، فمضى راجعًا إلى بَنَا واتّبعوه، فحاربوه، ثمَّ عاد فدعاهم إلى الصُّلح ولاطف السَّريّ، فخرج إِلَيْهِ فِي زَلَّاج وخرج الجَرَويّ فِي مِثله، فالتقَيا وسط النيل مقابل سَنْدَفا والسَّريّ بشَرقيُون، وقد أَعدّ الجَرَويّ فِي باطن زَلَّاجه الحِبال، وأمر أصحابه بسَنْدَفا إذا لاصف بِزَلَّاج السَّريّ أن يجرّوا الحِبال إليهم، فلصِق الجَرَويّ بزَلَّاج السَّري، فربطه إلى زَلاجه وجرَّ الحِبالَ، فأسروا السَّريّ، ومضى بِهِ الجَرَويّ إلى تِنِّيس، فسجنه بها وذلك فِي جمادى الأولى سنة تسع وتسعين.
ثمَّ كرّ الجَرَويّ عَلَى يزيد بْن خَطَّاب، فقاتله فهزمه، فعقد المُطَّلِب لابن عَبْد الغفَّار الجَمَحيّ وبعثه إلى الجَرَويّ وأيَّده بالرِّجال، فلقِيَهم الجَرَويّ، فهزمهم وأسر ابن عَبْد الغفَّار، ووجوه أصحابه، وكانت وقعتهم بسَفْط سَليط أوَّل يوم من رجب سنة تسع وتسعين ومائة.
وعقد المُطَّلِب عَلَى الإسكندريَّة لمحمد بْن هُبَيرة بْن هاشم بْن حُدَيج، فاستخلف محمدٌ عُمَر بْن عَبْد الملك بْن محمد بْن عبد الرحمن بن مُعاوية بْن حُدَيج الَّذِي، يقال لَهُ: عُمَر بْن هلَّال، فولِيَها عُمَر بْن عَبْد الملك ثلاثة أشهر، ثمَّ عزله المُطَّلِب بأخيه الفَضْل بْن عَبْد اللَّه بْن مالك، وكانت بالإسكندريَّة مراكب الأَنْدَلُسيّين، قد قفلوا من غزوهم،
[ ١٢٠ ]
فنزلوا الإسكندرية ليبتاعوا ما يُصلحهم، وكذلك كانوا عَلَى الزمان، وكانت الأُمَراء لا تمكّنهم دخول الإِسكندريَّة إنَّما كَانَ الناس يخرجون إليهم فيبايعونهم، فلمَّا عُزل عُمَر بْن هلَّال كتب إِلَيْهِ عَبْد العزيز الجَرَويّ يأمره بالوثب عَلَى الإسكندريَّة والدُّعاء لَهُ بها، وأَن يُخرج الفَضل بْن عبد الله منها.
فبعث عُمَر بْن هلَّال إلى الأَنْدَلُسيّين، فدعاهم إلى القيام معه فِي إخراج الفَضل عَنْهَا، فساروا معه، فأَخرج الفَضل منها ودعا إلى الجَرَويّ، فوثب أهل الإِسكندريَّة عَلَى الأَنْدَلُسيّين، فأَخرجوهم وردّوا الفَضل عليهم، وقُتل من الأنْدَلُسيِّين نفَر وانهزموا إلى مراكبهم، ثمَّ عزل المُطَّلِب أخاه وولَّى عليها إِسْحَاق بْن أَبْرَهة بْن الصبَّاح بن الوليد بْن أَبي سَمر بْن أَبْرَهة بْن الصبَّاح الأَصبحيّ، فسار إِلَيْهِ عُمَر بْن هلَّال وذلك فِي شهر رمضان سنة تسع وتعين ومائة، ثمَّ عزله المُطَّلِب وولَّاها أَبَا بَكْر بن جُنادة بْن عيسى المَعافريّ.
وأقبل عبد الله بْن مُوسَى إلى مِصر طالبًا لدم أخيه الْعَبَّاس فِي المحرَّم سنة مائتين، فنزل عَلَى عَبْد العزيز بْن الوزير الجَرويّ، فسار معه فِي جيُوش لَهُ كثيرة العَدَد فِي البّر والبحر حتى نزل الحِيزة، فخرج إِلَيْهِ المُطَّلِب فِي أهل مِصر، فحاربوه فِي صفر سنة مائتين، فرجع الحَرَويّ إلى شَرقيون، ومضى عبد الله بْن مُوسَى إلى الحِجاز، وظهر للمُطَّلِب أن أَبَا حَرْمَلة فَرَج الأَسْود الَّذِي كاتب عبد الله بْن مُوسَى وحرَّضه عَلَى المسير، فطلبه المُطَّلِب، فهرب فَرَج إلى الجَرويّ، فهدم المُطَّلِب دُوره كلَّها، فدفع إِلَيْهِ الجَرَويّ من الأموال ما أعاد بِناءَها.
وجدّ المُطّلِب فِي أمر عَبْد العزيز الجَرَويّ، فبلغ الجَرَويّ ذَلكَ، فأخرج السَّريّ بْن الحكَم من السِّجن، فعاهده وعاقده أَنَّهُ يُطلقه من سِجنه ويُلقي إلى أهل مِصر أن كتابًا ورد بوِلايته عَلَى أن يثور بالمُطَّلِب ويخلعه.
فعاهده السَّريّ عَلَى ذَلكَ، واتَّفقا جميعًا عَلَى عقد بينهما، فأَطلقه الجَرَويّ وألقى ذِكر وِلايته إلى الجُند فاستقبله الجُند، من أهل خُراسان وعقدوا لَهُ عليهم، وامتنع المِصريُّون من وِلايته، فنزل داره بالحمراء، فبعث إِلَيْهِ المُطَّلِب
[ ١٢١ ]
بالجُند يحاربونه فِي كلّ ناحية من الفُسطاط، فأَلَحوه فِي منزله لا يخرج منه وأحاطوا بِهِ، ثمَّ سار إِلَيْهِ هُبَيرة بْن هاشم بْن حُدَيج سلخ شعبان سنة مائتين، فتحاربوا بسُوق وَردان وفي أصحاب القَرَظ، وثارت غُبرة لا يرى منها أحد شيئًا، وتحيَّر بهيرة فَرَسه عند حيّز الإوَزّ، فسقط فِي حُفرة، فانكسرت رِجله، وأدركه جمع من أصحاب السَّريّ، فقتلوه وهم لا يعرِفونه واحتزّوا رأسه فأَتَوا رأسه، فأَتَوا بِهِ السَّري، فعظُم عَلَيْهِ مقتله وانصرفت الفِئَتان وقد أظهروا الجزَع والوجد بقتل هُبَيرة، وانكسر المصريّون لذلك وعلاهم السَّريّ، وأهل خُراسان.
قَالَ سَعِيد بْن عُفير:
لَعَمْري لَقَدْ لَاقى هُبَيْرَةُ حَتْفَهُ … بِأَفْضَلَ مَا تُلْقَى الحُتُوفُ السَّوَارِعُ
بِأَنْفٍ حَمِيٍّ لَمْ تُخَالِطْهُ ذِلَّةٌ … وَعِرْضٍ نَقيٍّ لَمْ تَشِنْهُ المَطَامِعُ
عَشيَّةَ يَسْتَكْفِيهِ مُطَّلِبُ الَّذي … بِهِ ضَاقَ ذَرْعًا والْمَنَايَا كَوَارِعُ
فَمَا انْفَكَّ يَحْمِيهِ وَيَجْعَلُ نَفْسَهُ … لَهُ جَنَّةً حَتَّى احْتَوَتْهُ المَصَارِعُ
فَلَاقَى الْمَنَايَا فَوْقَ أَجْرَدَ سَابحٍ … وَفِي الكَفِّ مَأْثُورٌ مِنَ الهِنْدِ قَاطِعُ
فَبَيْنَا يخُوضُ الهَوْلَ مِنْ غَمَرَاتِهِ … أَعْدَاؤُهُ مِنْ حَوْلِهِ قَدْ تَجاشعُوا
تَقَطَّرَ فِي أُهْوِيَّةٍ عَنْ جَوَادِهِ … فَصَادَفَهُ حَيْنٌ مِنَ المَوْتِ وَاقِعُ
فَلَمْ أَرَ مَقْتُولًا أَجَلَّ مُصَابُهُ … عَلَى مَنْ يُعَادِي وَالَّذِينَ يُجَامِعُ
مِنَ ابْنِ حُدَيْجٍ يَوْمَ أَعْلَنَ نَعْيَهُ … وَقَامَ بِهِ فِي النَّاسِ رَاءٍ وَسَامِعُ
كِلَا الْفيْلَقَيْنِ. . . . . . . . . … مَقَامًا عَلَى مَا كَانَ فِيِهِ يُمَاصِعُ
فَوَلَّوْا فُلُولًا قَدْ عَلَتْهُمْ كآبَةٌ … وَكلُّهُمُ بَادِي التَّلَهُّفِ جَازِعُ
وطلب المُطِّلِب الأَمان من السَّريّ عَلَى أن يسلِّم إِلَيْهِ الأمر ويخرج عَنْ مِصر، ففعل ذَلكَ السَّريّ وسلَّم إِلَيْهِ المُطَّلِب، وخرج المُطَّلِب فِي بحر القُلْزُم إلى مَكَّة.
قَالَ دِعْبِل للمُطَّلِب:
[ ١٢٢ ]
فكَيْفَ رَأيْتَ سُيُوفَ الجَرِيشِ … وَوَقْعَةَ مَوْلَى بَنِي ضَبَّةِ
أَحجَّتْكَ أَسْيَافُهُمْ كَارِهًا … وَمَا لَكَ فِي الحجّ مِن رَغْبَةِ
فكانت وِلاية المُطّلِب هذه الثالثة عليها سنة وثمانية أشهُر