ثمَّ انتزى محمد بْن أَبِي حُذيفة فِي شوَّال سنة خمس وثلاثين عَلَى عُقبة بْن عامر خليفة عبد الله بْن سعد، فأَخرجه من الفُسطاط، ودعا إلى خلع عثمان، وحرّض عَلَيْهِ بكلّ شيء يقدِر عَلَيْهِ، وأَسعر البلاد.
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَدِينِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ الْحَارِثِ الْحَضْرَمِيِّ، أَنَّ ابْنَ أَبِي حُذَيْفَةَ كَانَ يَكْتُبُ الْكُتُبَ عَلَى أَلْسِنَةِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ يَأْخُذُ الرَّوَاحِلَ فَيُضَمِّرُهَا، ثُمَّ يَأْخُذُ الرِّجَالَ الَّذِينَ يُرِيدُ أَنْ يَبْعَثَ لِذَلِكَ مَعَهُمْ فَيَجْعَلُهُمْ عَلَى ظُهُورِ الْبُيُوتِ، فَيَسْتَقْبِلُونَ بِوُجُوهِهِمُ الشَّمْسَ لِتُلَوِّحَهُمْ تَلْوِيحَ الْمُسَافِرِ، ثُمَّ يَأْمُرُهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا إِلَى طَرِيقِ الْمَدِينَةِ بِمِصْرَ، ثُمَّ يُرْسِلُونَ رُسُلًا يُخْبِرُونَ بِهِمُ
[ ١٤ ]
النَّاسَ لِيَلْقَوْهُمْ، وَقَدْ أَمَرَهُمْ إِذَا لَقِيَهُمُ النَّاسُ، أَنْ يَقُولُوا: لَيْسَ عِنْدَنَا خَبَرٌ، الْخَبَرُ فِي الْكُتُبِ.
ثُمَّ يَخْرُجُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ وَالنَّاسُ كَأَنَّهُ يَتَلَقَّى رُسُلَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﵇، فَإِذَا لَقُوهُمْ، قَالُوا: لا خَبَرَ عِنْدَنَا عَلَيْكُمْ بِالْمَسْجِدِ.
فَيَقْرَأُ عَلَيْهِمْ كُتُبَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ، فَيَجْتَمِعُ النَّاسُ فِي الْمَسْجِدِ اجْتِمَاعًا لَيْسَ فِيهِ تَقْصِيرٌ، ثُمَّ يَقُومُ الْقَارِئُ بِالْكِتَابِ، فَيَقُولُ: إِنَّا لَنَشْكُو إِلَى اللَّهِ وَإِلَيْكُمْ مَا عُمِلَ فِي الْإِسْلَامِ وَمَا صُنِعَ فِي الْإِسْلَامِ، فَيَقُومُ أُولَئِكَ الشُّيُوخُ مِنْ نَوَاحِي الْمَسْجِدِ بِالْبُكَاءِ، ثُمَّ يَقُولُ، ثُمَّ يَنْزِلُ عَنِ الْمِنْبَرِ وَيَنْفُرُ النَّاسُ بِمَا قُرِئَ عَلَيْهِمْ.
فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ شِيعَةُ عُثْمَانَ اعْتَزَلُوا مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي حُذَيْفَةَ وَبَارَزُوهُ، وَهُمْ مُعَاوِيَةُ بْنُ حُدَيْجٍ، وَخَارِجَةُ بْنُ حُذَافَةَ، وَبُسْرُ بْنُ أَبِي أَرْطَاةَ، وَمَسْلَمَةُ بْنُ مُخَلَّدٍ الأَنْصَارِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ قَحْزَمٍ الْخَوْلانِيُّ، وَمُقَسِّمُ بْنُ بُجْرَةَ، وَسَعْدُ بْنُ مَالِكٍ الأَزْدِيُّ، وَخَالِدُ بْنُ ثَابِتٍ الْفَهْمِيُّ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ لَيْسَ لَهْمُ مِنَ الذِّكْرِ مَا لِهَؤُلاءِ، وَبَعَثُوا سَلَمَةَ بْنَ مَخْزَمَةَ التُّجِيبِيَّ، ثُمَّ أَحَدَ بَنِي زُمَيْلَةَ إِلَى عُثْمَانَ لِيُخْبِرَهُ بِأَمْرِهِمْ وَبِصَنِيعِ ابْنِ أَبِي حُذَيْفَةَ "
حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَادٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ لَقِيطٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَلَمَةَ بْنَ مَخْزَمَةَ، قَالَ: " لَمَّا انْتَزَى ابْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ بِمِصْرَ بِخَلْعِ عُثْمَانَ دَعَا النَّاسَ إِلَى أُعْطِيَاتِهِمْ، قَالَ: فَأَبَيْتُ أَنْ آخُذَ مِنْهُ.
فَقُدِّرَ لِي أَنِّي رَكِبْتُ إِلَى عُثْمَانَ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ ابْنَ أَبِي حُذَيْفَةَ إِمَامُ ضَلالَةٍ كَمَا قَدْ عَلِمْتَ، وَأَنَّهُ انْتَزَى عَلَيْهِ بِمِصْرَ فَدَعَانَا إِلَى أُعْطِيَاتِنَا، فَأَبَيْتُ
[ ١٥ ]
أَنْ آخُذَ مِنْهُ.
قَالَ: قَدْ عَجَزْتَ إِنَّمَا هُوَ حَقُّكَ.
وَبَعَثَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ إِلَيْهِمْ لِيُصْلِحَ أَمْرَهُمْ "
فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ جَرِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَاسِينُ بْنُ عَبْدِ الأَحَدِ بْنِ اللَّيْثِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، " أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي حُذَيْفَةَ لَمَّا انْتَزَى عَلَى عُثْمَانَ، بَعَثَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ إِلَى أَهْلِ مِصْرَ يُعْطِيهِمْ مَا سَأَلُوا، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ أَبِي حُذَيْفَةَ فَخَطَبَهُمْ، ثُمّ قَالَ: أَلا إِنَّ الْكَذَّابِ كَذَا وَكَذَا قَدْ بَعَثَ إِلَيْكُمْ سَعْدَ بْنَ مَالِكٍ لِيُقِلَّ جَمَاعَتَكُمْ، وَيُشَتِّتَ كَلِمَتَكُمْ، وَيُوقِعَ التَّخَاذُلَ فِيكُمْ، فَانْفِرُوا إِلَيْهِ.
فَخَرَجَ إِلَيْهِ مِنْهُمْ بِمِائَةٍ أَوْ نَحْوِهَا، فَلَقُوهُ بِمَرْحَلَةِ بَنِي سَعْدٍ وَقَدْ ضَرَبَ فُسْطَاطَهُ وَهُوَ قَائِلٌ، فَقَلَبُوا عَلَيْهِ فُسْطَاطَهُ وَشَجُّوْهُ وَسَبُّوهُ، فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ وَعَادَ رَاحِلًا مِنْ حَيْثُ جَاءَ، وَقَالَ لَهُمْ: ضَرَبَكُمُ اللَّهُ بِالذُّلِّ وَالْفُرْقَةِ وَشَتَّتَ أَمْرَكُمْ بَأْسَكُمْ بَيْنَكُمْ وَلا أَرْضَاكُمْ بِأَمِيرٍ أَرْضَاهُ عَنْكُمْ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْحَضْرَمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عُمَيْرَةَ الْجُذَامِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، قَالَ: " انْتَزَى مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ عَلَى الإِمَارَةَ، فَأَمَّرَ عَلَى مِصْرَ وَتَابَعَهُ أَهْلُ مِصْرَ طُرًّا إِلَّا أَنْ يَكُونَ عِصَابَةً، مِنْهُمْ: مُعَاوِيَةُ بْنُ حُدَيْجٍ، وَبُسْرُ بْنُ أَبِي أَرْطَاةَ "
وحَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد، عَنْ أبيه، عَن ابن لَهِيعة، عَنْ يزيد بْن حَبيب، قَالَ: " وأَقبل عبد الله بْن سعد، حتى إذا بلغ جِسر القُلْزُم وجد بِهِ خيلًا لابن أَبِي حُذَيفة، فمنعوه أن يدخل، فقال: ويلكم، دَعُوني أدخل عَلَى جُندي فأُعلمهم بما جئت بِهِ، فإنّي قد جئتهم بخير.
فأَبَوا أن يدعوه، فقال: والله لَوددتُ أَنّي دخلت عليهم فأَعلمتهم بما جئتُ بِهِ ثمَّ مِتُّ.
فانصرف إلى عَسقَلان وكرِه أن يرجع إلى عثمان، فقُتل عثمان وهو بعسقلان ثمَّ مات بها، وأجمع محمد بْن أَبِي حُذيفة عَلَى بعث جيش إلى عثمان "
فحَدَّثَنِي محمد بْن مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بْن يحيى بْن عُميرة، قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الله بْن يوسف، عَن ابن لَهِيعة، عَنْ يزيد بْن أَبِي حَبيب، " أنَّ محمد بْن أَبِي حُذَيفة، قَالَ: من يشترط فِي هذا
[ ١٦ ]
البعث؟ فكثُر عَلَيْهِ من يشترط، فقال: إِنَّما يكفينا منكم ستمائة رجُل.
فاشترط من أهل مِصر ستمائة رجُل عَلَى كل مائة منهم رئيس، وعلى جماعتهم عبد الرحمن بْن عُدَيس البَلَويّ، وهم: كِنانة بْن بِشر بْن سَلَمان التُّجِيبيّ، وعُروة بْن شُتيم الليثي، وأبو عمرو بْن بُذيل بْن ورقاء الخُزاعي، وسودان بْن أَبِي رُومان الأَصبحيّ، ودِرع بْن يشكُر اليافعيّ، قَالَ يزيد بْن أَبِي حَبيب: وسُجن رجال من أهل مِصر فِي دورهم، منهم: بُسر بْن أَبِي أَرطاة، ومُعاوية بْن حُديج، فبعث ابن أَبِي حُذيفة إلى مُعاوية بْن حُدَيج وهو أَرمل ليكُرهه عَلَى البيعة، فلمَّا رأَى ذَلكَ كِنانة بْن بِشر وكان رأس الشيعة الأُولى، دفع عَنْ مُعاوية بْن حُديج ما كِره، ثمَّ قُتل عثمان ﵀، وكان قتله فِي ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، ثمَّ أنّ الركب انصرفوا إلى مِصر، فلمَّا دخلوا الفُسطاط ارتجز مرتجزهم:
حُذْهَا إِلَيْكَ وَاحْذَرَن أَبَا حَسَنْ
إنَّا نُمِر الحَرْبَ إِمْرَارَ الرَّسَنْ
بِالسَّيْفِ كَيْ نُخْمِدَ نِيرَانَ الفِتَنْ
قَالَ يزيد بْن أَبِي حَبيب: فلمَّا دخلوا المسجد صاحوا: إِنَّا لسنا قتَلة عثمان ولكن اللَّه قتله.
فلمَّا رأَى ذَلكَ شيعة عثمان، قاموا وعقدوا لُمعاوية بْن حُديج عليهم وبايعوه، فكان أوَّل من بايع عَلَى الطلب بدم عثمان وفيهم يحيى بْن يَعمَر الرُّعينيّ، ثمَّ العبليّ، فسار بهم مُعاوية بْن حُديج إلى الصعيد، فبعث إليهم بْن أَبِي حُذيفة خيلًا، فالتقوا بدِقناش من كُورة البَهْنَسي، فهزم أصحاب ابن أَبِي حُذيفة، ومضى مُعاوية بْن حُديج حتى بلغ
[ ١٧ ]
بَرقة، ثمّ رجع إلى الإسكندريَّة، ثمّ إن ابن أَبِي حُذيفة أمر بجيش آخر عليهم قيس بْن حَرْمَل اللَخْميّ وفيهم ابن الجُثما البَلَويّ، فاقتتلوا بخَرِبتا أوَّل يوم من شهر رمضان سنة ستّ وثلاثين، فقُتل قيس بْن حَرمَل، وابن جُثما وأصحابهما، وسار مُعاوية بن أَبِي سُفيان إلى مصر، فنزل سَلْمَنت من كُورة عين شمس فِي شوَّال سنة ست وثلاثين، فخرج إِلَيْهِ ابن أَبِي حُذيفة، وأهل مِصر ليمنعوا مُعاوية وأصحابه أن يدخلوها، فبعث إِلَيْهِ مُعاوية: إِنَّا لا نُريد قتال أحد إنَّما جئنا نسأَل القوَد بدم عثمان، ادفعوا إلينا قاتليه عبد الرحمن بن عُدَيس، وكِنانة بْن بِشر، وهما رأسا القوم.
فامتنع ابن أَبِي حُذيفة، وقال: لو طلبت منَّا جديًا رطب السُّرّة بعثمان ما دفعناه إليك.
فقال مُعاوية بْن أَبِي سُفيان لابن أَبِي حُذيفة: اجعل بيننا وبينكم رَهنًا فلا يكون بيننا وبينكم حرب.
فقال ابن أَبِي حُذيفة: فإني أرضى بذلك.
فاستخلف ابن أَبِي حُذيفة عَلَى مِصر الحكم بْن الصَّلت بْن مَخزَمة بْن المطّلب بْن عَبْد مَناف، وخرج فِي الرهن هُوَ، وابن عُدَيس، وكِنانة بْن بِشر، وأبو شمس بْن أَبَرهة الصبَّاح، وغيرهم من قتَلة عثمان، فلمَّا بلغوا لُدّ سجنهم مُعاوية بها وسار إلى دِمَشق فهربوا من السِّجن، إلَّا أَبُو شمس بْن أَبَرهة، فقال: لا أدخله أسيرًا وأخرج منهُ آبقًا.
وتبِعهم صاحب فِلَسطين فقتلهم، فأَتبع عبد الرحمن بْن عُديس رجُل من الفُرس، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: اتَّقِ اللَّهَ فِي دَمِي فَإِنِّي بَايَعْتُ النَّبِيَّ ﷺ تَحْتَ الشَّجَرَةِ.
فَقَالَ لَهُ: الشَّجَرُ فِي الصَّحَرَاءِ كَثِيرٌ.
وَقَتَلَهُ "
وأخبرني ابن قُدَيد، عَنْ يحيى بْن عثمان بْن صالح، عَن ابن عُفير، عَن الليث، قَالَ: قَالَ محمد بْن أَبِي حُذيفة فِي الليلة التي قُتل فِي صباحها: هذه الليلة التي قُتل فِي صباحها عثمان، فإن يكن القِصاص لعثمان، فسنُقتَل فِي غد ".
فقُتل فِي الغد، وكان قتل: ابن أَبِي حُذيفة، وابن عُديس، وكِنانة بْن بِشر، ومن كَانَ معهم فِي الرهن فِي ذي الحجة سنة ستّ وثلاثين
[ ١٨ ]