ثمَّ ولِيَها حَفْص بْن الوَليد كَرْهًا، أخذوه قوَّاد الفروض بذاك، فأقام عليها رجب
[ ٦٥ ]
وشعبان وعلى شُرَطه عُقْبة بْن نُعَيم، ولحِق حسَّان بن عَتاهِية بمَرْوان، وقدِم حَنْظَلة بْن صَفْوان الكلبيّ مِن إفريقيَّة، قد أَخرجوه أهلها فنزل الجيزة، فكتب مَرْوان إلى أهل مِصر: أمَّا إذ أَبَيْتُم وِلاية حسَّان فقد أمّرتُ عليكم حَنْظَلة بْن صَفْوان.
فامتنع المصريُّون وأظهروا الخلْع، ومضى رَجاء بْن الأَشْيم فِي الفروض إلى حَنظَلة، فأخرجه إلى الخَوْف الشرقيّ، ومنعوه من المُقام فِي الفُسطاط، وهرب ثابت بْن نُعَيم من فِلَسْطين يريد مِصر، فبعث إِلَيْهِ حَفْص بشُرَحبِيل بْن قُلَيب الحجريّ يمنعَهُ مِن دخولها، وخرج إِلَيْهِ زبَّان بْن عَبْد العزيز بْن مُرْوان ببني أبيه ومواليه من أرض مِصر، ومع زبَّان جمع من قيس، فقاتلوا ثابتًا، فهزموه، قَالَ الغِطْرِيف الحِميْريّ:
وَمِنْ زَامِلٍ لَا قَدَّسَ اللَّه زَامِلًا … ومن أعبد الماملك المراغل
وَمِنْ شَيْخِ سَوْءٍ خَرَّقَ اللهُ عَظْمَهُ … حُفَيْصٍ وأَتْبَاعٍ لَهُ غَيْرِ طائِلِ
وقال سَعِيد بْن شُريح مولى تُجِيب يهجو حَفْصًا، وكان سَعِيد مُنقطِع إلى زبَّان بْن عَبْد العزيز بن مَرْوان:
يَا بَاعِثَ الخَيْلَ تَرْدِي فِي ضَلَالَتِهَا … مَن الْمُعَظِّمُ فِي الكِتافِ جَاوَانِ
لَا زَالَ بُغْضي ينْمِي فِي صُدُورِكُمُ … إذ كانَ ذلكَ مِنْ حُبّي لِزَبَّانِ
وسكت مَرْوان عَنْ أهل مِصر بقيَّة سنة سبع وعشرين، ثمَّ عزل حَفْصًا مستهلّ سنة ثمان وعشرين ومائة.
الحَوْثَرة بْن سُهَيل أَخو العَجْلان بْن سُهَيل بْن كَعْب بْن عامر بْن عُمير
[ ٦٦ ]
بْن رِياح بْن عبد الله بْن عَبْد بْن قراض بن باهلة
ثمَّ ولِيَها حَوْثَرة بْن سُهَيل البَاهليّ من قِبَل مَرْوان، فسار إليها ومعه عمرو بْن الوضَّاح فِي الوضَّاحيَّة وهم سبعة آلاف، وعلى أهل حِمص نُمير بن يَزيد بْن حُصَين بْن نُمَير الكِنْدي، وعلى أهل الجزيرة مُوسَى بن عبد الله الثَّعْلبيّ، وعلى أهل قِنَّسرين أَبُو جمل بْن عمرو بْن قيس الكِنْديّ، وبعث حَوْثرة بأبي الجراح الجرشيّ بِشر بْن أَوس إلى مِصر، فقدِمها يوم الأحد لليلتين خلتا من المحرَّم سنة ثمان وعشرين ومائة، واجتمع الجُند إلى حَفْص وسأَله أن يمانع الحَوثَرة.
فامتنع، وقال لأبي الجراح: قد سلَّمت إليك ما بيدي.
فعُزل حَفْص يومئذ، وأمر عبد الرحمن بْن سالم بْن أَبِي سالم الجيشانيّ بالصلاة بالنَّاس إلى قدوم الحَوْثَرة، وختم عَلَى الدواوين وبيت المال، وخشيّ أهل مِصر من حَوْثَرة، فبعثوا إِلَيْهِ يزيد بْن مسروق الحَضْرَميّ، فتلقَّاه بالعَريش، فسأَله أن يُؤمنهم عَلَى ما أحدثوا.
فأجابه الحَوْثَرة إلى ما سأَل، وكتب لهم كتابًا بعهدٍ وأمان، فأتاهم بِهِ يزيد، فاطمأنّوا إلى ذَلكَ.
ثمَّ بعث إليهم حَوْثَرة يستأْذِنهم فِي المسير إليهم والدخول إلى مِصر، فأَذِنوا لَهُ، وسار إليها حتَّى نزل المُسنَّاة، وبعث إليهم: إن كنتم فِي الطاعة فالقَوني فِي الأَردِيَة.
فقال رَجاء بْن الأَشْيم الحَضْرَميّ لحفْص بْن الوَليد: أَطعني أيُّها الأمير، وامنعْهم، قَالَ: أكره الدِّماء.
قَالَ: فدَعْني أَقِف فِي جبل، فإن رَأَيْت ما تُحبّ تطرَّقنا، وإن كَانَ غير ذَلكَ استنقذناك منهم.
قَالَ: قد أعطاني ما ترى من العهد ولن أستظهر بغير اللَّه.
فقال رجاء: والله لا رغِبتْ نفسي عَنْ نفسك فخرج إِلَيْهِ حَفص ووجوه الجُند حتى دخلوا عَلَيْهِ فُسطاطه، فقال لحَفص ورَجاء: ما أنتما؟ قالا: حَفص، ورَجاء.
قَالَ: قيّدوهما.
فقيّدوا، وانهزم أهل مصر، وكان دُخُول الحَوثَرة عَلَى الصلاة، وعيسى بْن أَبِي عَطاء عَلَى الخَراج يوم الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة خلت من المحرَّم سنة ثمان وعشرين ومائة فجعل حَوْثَرة عَلَى شُرطه حسَّان بْن عَتاهية.
حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو نصر أحمد بْن عليّ بْن صالح، قَالَ: حَدَّثَنَا يحيى بْن عثمان بْن صالح، عَنْ أبيه، قَالَ: سَمِعْتُ بَكْر بْن منصور، يَقُولُ: " قدِم علينا كتاب أمير المؤمنين مَرْوان فِي حَوْثَرة بْن سُهَيل أن قد بعثتُ إليكم رجُلًا أعرابيًا بَدَوِيًّا فصيح اللسان من حاله ومن حاله كذا، فأجمعوا لَهُ رجُلًا فِيهِ مثل فِضاله يسدّده فِي القضاء، ويصوّبه
[ ٦٧ ]
فِي النظر، ويسدّد فِي كذا وكذا.
قَالَ بَكْر بْن منصور: فأَجمع الناس كلُّهم يومئذ عَلَى اللَّيث بْن سعد، وفيهم مُعلِّماه: يزيد بْن أَبِي حَبيب، وعمرو بْن الحارث، وجمع الجُند إلى المسجد، فخطبهم الحَوْثَرة بشِعر بليغ:
دَعَوْتُ أَبَا لَيْلَى إِلَى الصُّلْحِ كَيْ يَبُو … بِرَأْيٍ أَصِيلٍ أَوْ يُرَدَّ إِلَى حِلْمِ
دَعَانِي لِشَبِّ الْحَرْبِ بَيْني وَبَيْنَهُ … فَقُلْتُ لَهُ مَهْلًا هَلُمَّ إِلَى السِّلْمِ
وبعث حَوْثَرة الخيل فِي طلَب رُؤساء الفِتْنة ووجوههم وهم: محمد بن شُريح بْن مَيمُون المَهْريّ، وعمرو بْن يَزيد الشَّيبانيّ، وعُقْبة بْن نُعَيم الرُّعَينيّ، ويزيد بْن مَسْروق الحَضْرَمي، ومحمود بْن سَليط الجُذاميّ، وأيّوب بْن بَرْغوث اللخْمي، فجُمِعوا لَهُ، أو عامَّتهم، ثمَّ ضرب عُنُق: رَجاء بْن الأَشْيم، وعمرو بْن سَليط، وابن بَرغُوث فِي جمع منهم يوم الثلاثاء اثنتي عشرة ليلة بقِيَتْ من المحرَّم سنة ثمان وعشرين ومائة، وقتل محمد بن شريح بن ميمون المهري، ثمَّ قتل عُقْبة بْن نُعَيم، وفَهد بْن مَهْديّ، وقال حَسَّان بْن عَتاهِية لَحوْثَرة: لم يبقَ لحَضْرَ موت إِلّا هذا القَرْن، فإن قطعتَه قطعتَها.
يعني: خَير بْن نُعيم كَانَ عَلَى القضاء، فعزله حَوثَرة، وفرض الحَوثَرة لشِيعة مَرْوان ومن كَانَ يكاتبه فروضًا فِي الخاصَّة، ففرض لزبَّان بْن عَبْد العزيز فِي موالي بني أُمَيَّة ألفًا، وفي قيس ألفًا، وَفرَض لزيد بْن أَبِي أُمَيَّة المعَافِريّ ثلاثمائة، وعقد الحَوْثَرة لمحمد بْن زَبَّان بْن عَبْد العزيز عَلَى الجُند وأنفذ معه أهل الديوان إلى العَريش، فقتل عوف بْن حيران الحَرويّ، وطلبوا ثابت بن نُعَيم الجُذاميّ حتَّى اسروه وبعثوا بِهِ إلى مَرْوان، ثمَّ قتل الحَوثَرة حَفص بْن الوليد، ويزيد بْن مُوسَى بن وَردان يوم الثلاثاء لليلتين خلتَا من شوَّال سنة ثمان وعشرين ومائة.
وكان زَبَّان بْن عَبْد العزيز شديد التحريض عَلَى حَفْص بْن الوليد حتَّى قُتل، فكانت حضر موت. . . . وكان. . . . . . عورات زبَّان أيَّام المسوِّدة، وقال مسرُور الخَولانيّ:
[ ٦٨ ]
فَإيَّاكَ لَا تَجْنِي مِنَ الشَّرِّ غِلْظَةً … فَتُؤذِي كَحَفْصٍ أَوْ رَجَا بْن الأُشَيم
فَلَا خَيْرَ فِي الدُّنْيا وَلَا العَيْش بَعْدَهُمْ … فَكَيْفَ وَقَدْ أَضْحَوا بِسَفْحِ المُقَطَّمِ
وقال ابن ميَّادة المُرّيّ:
لَقَدْ سَرَّني إنْ كَانَ شَيْئًا يَسُرُّني … مُغَارُ ابْنِ هَبَّارٍ عَلَى بَلْخَ والسَّفرُ
وحَوْثَرَةُ المُهدِي بِمصْرَ جِيَادَهُ … وأسْيَافَهُ حَتَّى استَقَامَتْ لَهُ مِصرُ
وقال مرسل بْن حمير يبكي حفصًا وأصحابه:
يَا عَيْنِ لَا تُبْقي مِنَ العَبَرَاتِ … جُودِي عَلَى الْأَحْيَاء وَالْأَمْوَاتِ
بَكِّي الَّذين مَضَوْا فَهُمْ صَادقوا … صدقات. . . . . تَاراتِ
يَا حَفْص يَا كَهْفَ العَشِيِرةِ كُلِّهَا … يَا اخَا النَّوَالِ وَسَاتِرَ الْعَوْرَاتِ
إِمَّا قُتِلْتَ فَأَنْتَ كُنْتَ عَمِيدَهُمُ … والكَهْفَ لِلأَيْتَامِ والجَارَاتِ
أَوْذَى رَجَاءٌ لَا كَمِثْلِ رَجَائِنَا رَجُلٌ … وَعُقْبَةُ فَارِجُ الكُرُبَاتِ
وَشَبَابُنَا عَمْرو وَفَهْدٌ ذُو النَّدَى … وابْنُ السَّليطِ وعَامِرُ الْغَارَاتِ
قُتِلُوا وَلَمْ أَسْمَعْ بِمِثْل مُصَابِهِمْ … سَرَوَاتُ أَقْوامٍ بَنُوْ سَرَوَاتِ
طُلَّتْ دِمَاؤُهُمُ فَلَمْ يُعْرَجْ لَهُمْ … بَيْنٌ وَلَمْ يُطْلَبْ لَهُمْ بِجُنَاةِ
وقدِم إلى مصر داعِيَة عبد الله بْن يحيى طَالِب الحقّ، فدعاهم، فبايع لَهُ ناسٌ من تُجيب وغيرهم، فبلغ ذَلكَ حسَّان بْن عَتاهِية، فاستخرجهم، فقتلهم حَوْثَرة.
ثمَّ صرف الحَوْثَرة عَنْهَا فِي جمادى الأولى سنة إحدى وثلاثين ومائة، وبعث بِهِ مَرْوان مدَدًا إلى يزيد بْن عمرو بْن هُبَيرة بالعِراق، فحضر الحصار بواسِط، ثمَّ قُتل مَعَ يزيد بْن هُبيرة، واستخلف الحَوْثَرة عَلَى مِصر حسَّان بْن عَتاهِية ".
وقال ابن أَبِي مَيْسَرة: استخلف عليها أَبَا الجرَّاح الجَرشيّ.
فكانت ولايته عليها ثلاث سنين وستَّة أشهُر
المُغيرة بْن عُبَيْد اللَّه بْن المُغيِرة بْن عبد الله بْن مَسْعَدة بْن حكمه بن مالك
[ ٦٩ ]
بْن حُذَيفة بْن بَدْر بْن عمرو بْن جُوَيَّة بْن لَوْذان بْن ثَعْلَبَة بْن عَدِيّ بْن فَزارة بْن ذُبْيان بْن بَغِيض بْن رَيث بن غَطَفان
ثمَّ ولِيَها المُغِيرة بْن عُبَيْد اللَّه الفَزاريّ من قِبَل مَرْوان عَلَى صلاتها، قدِمها يوم الأربعاء لستٍّ بقين من رجب سنة إحدى وثلاثين ومائة فجعل عَلَى شُرَطه ابنه أَبَا مَسعَدة عبد الله بْن المُغِيرة، وكان ليّنًا محبَّبًا إلى الناس، وخرج المُغِيرة إلى الإسكندريَّة فِي رمضان واستخلف عليها أَبَا الجرَّاح الجرَشيّ عَلَى الجُند والشُّرَط، ثمَّ هلك أَبُو مَسْعَدة، فجزع عَلَيْهِ أَبُوهُ، ثمَّ تُوفي بعده لثنتي عشرة ليلة، كانت وفاته يوم السبت لثنتي عشرة ليلة، خلت من جمادى الأولى سنة اثنتين وثلاثين ومائة، فكانت ولايته عليها عشرة أشهُر واستخلف ابنه الوليد بْن المُغِيرة، وأجمع الجُند عَلَى أن يولَّوا عبد الله بْن عبد الرحمن بْن حُدَيج الشُّرَط إلى أن يأتي رأي مَرْوان، ثمَّ صُرف الوَليد فِي النِّصف من جمادى الآخرة.