وأقبل عبد الله بْن طاهر بْن الْحُسَيْن إلى الشام، فظفِر بنصر بْن شَبَث فِي سنة عشر ومائتين، وأقبل سائرًا إلى مِصر، فتلقّاه عليّ بْن الجَرَويّ بالأموال والإنزال، وانضمّ إِلَيْهِ، وبعث عبد الله بْن طاهر إلى عُبَيْد يدعوه إلى السمع والطاعة، فلم يتحاشَ عُبَيْد إلى ذَلكَ، وسار ابن طاهر، فنزل بُلْبَيس، فراسل عبيدًا أيضًا وخوَّفه ومنَّاه وأرهبه، فلم يجنح إلى شيء من ذَلكَ، وبعث عُبَيْد أيضًا أَبَا صالح حَمَّاد بْن المُخارِق إلى أمير المؤمنين المأمون، وجعل يدافع ابن طاهر، ويُحكم أموره، ويحفِر خَنْدَقه، ويشحن سُفُنه وجعل عليها ابن الأكشف، وابن طاهر يتراخى عَنْهُ، غير أَنَّهُ قد بعث عُمَّاله يجبُون الخَراج، وسار ابن طاهر من بُلْبَيس حتى نزل زُفيتة وعقد بها جِسرًا، وبعث عيسى بْن يزيد الجُلُوديّ إلى شَطُنُوف، وأقبلت سُفُن ابن طاهر من الشام فجعل عليها أَبُو السُّرور عسامة بْن الوزير الشَّيْبانيّ، فالتقوا، فانهزم أصحاب عُبَيْد، وأقبل ابن طاهر إلى خَنْدَق عُبَيْد الَّذِي احتفره، فنزل عَلَيْهِ يوم الجمعة لخمس خلون من المحرَّم سنة إحدى عشرة، فتقابلوا، فاستأمن أَبُو السُّرور فِي جمع كبير إلى ابن طاهر، ثمَّ تخامروا.
[ ١٣٥ ]
قَالَ أَبُو تَمَّام حَبيب بْن أَوس الطائيّ:
لَعَمْرِي لَقَدْ كَانَتْ بِمِصْرَ وقْعَةٌ … أَقَامَتْ عَلَى قَصْدِ الهُدَى كُلَّ مَائِل
عَلَى الخَنْدَقِ الأَقْصَى وَمَا كَانَ حَوْلَهُ … وَمَا قَدْ يَلِيهِ مِنْ فَضَاءٍ وَسَاحِلِ
رَأَى ابْنُ السَّرِيِ النَّصْرَ أَوَّلَ يَوْمِهِ … وَأَوْدَى بِلَيْثٍ مِنْ أَبِي السَّروِ بَاسِلِ
لَوَيْنَ جُموعٌ ابنِ السَّرِيِّ وَخَيْلُهُ … شَمَاطِيطَ تَتْرَى كَالنَّعَامِ الحَوَافِلِ
فَلَمَّا رَأَوْا أَنْ لَا مَحِيصَ وَأَنَّهُ … كِفَاحُ الرَّدَى فِي كُلِّ حَقٍّ وَبَاطِلِ
تَوَخَّوا أَمَانَ الأَرْيَجِيِّ ابْنِ طَاهِرٍ … فَمِنْ فَارِسٍ يَأْتِيهِ طَوْعًا وَرَاجِلِ
وقدِم أَبُو صالح التَّميميّ بأَمان عُبَيْد من قِبَل أمير المؤمنين يوم الثلاثاء لأربع بقين من المحرَّم سنة إحدى عشرة، وبتوقيع المأمون إلى ابن طاهر فِي طيّ كتابه الَّذِي كتب بِهِ ابن طاهر يسأَل فِيهِ أَمان عُبَيْد بهذه الأبيات:
أَخِي أَنْتَ مَوْلَايّ الَّذِي أَحْفَظُ نُعْمَاهُ … فَمَا تَهْوَى مِنَ الأَمْرِ فَإِنِّي سَوْفَ أَهْوَاهُ
وَمَا تَسْخَطُ مِنْ شَيءٍ فَإِنِّي لَسْتُ أَرْضَاهُ … لَكَ اللَّه عَلَى ذَاكَ لَكَ اللَّه لَكَ اللَّه.
وقام بالصُّلح محمد بْن أَسباط كاتب عُبَيْد بْن السَّريّ عَلَى الخراج واشترط لعبيد شروطًا، فكتب عبد الله بْن طاهر لعبيد كتاب أَمان، وأشهد فِيهِ شهودًا من الجُند، والفُقَهاء، وإشراف أهل مِصر، وجمعًا ممَّن يُنسَب إلى العَدالة وذلك فِي صفر سنة إحدى عشرة ومائتين، وتوجَّه عُبَيْد فِي أهل بيته عَلَى عبد الله بْن طاهر يوم الإثنين لستّ بقينَ من صفر، فخلع عَلَيْهِ ابن طاهر، وأجازه بعشرة آلاف دينار، وأمره بالخروج إلى المأمون.
حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو نصر أحمد بْن عليّ بْن صالح، قَالَ: أخبرني ياسين بْن عَبْد الأحد، قَالَ: سمِعت أَبِي، يَقُولُ: لمَّا دخل عبد الله بْن طاهر مِصر كنتُ فيمن دخل عَلَيْهِ، فقلتُ: حَدَّثَنَا ابن لَهِيعة، عَنْ أَبِي قُبَيل، عَنْ سُبَيع، قَالَ: " يا أهل مِصر، كيف إِذا كَانَ فِي بلدكم فِتنة فولِيَكم فيها الأعرج، ثمَّ الأصفر، ثمَّ الأمرد، ثمَّ يأتي رجُل من ولَد الْحُسَيْن لا يُدفَع ولا يُمنَع تبلغ راياته البحر الأخضر يملأها عدلًا، فقلتُ: كَانَ
[ ١٣٦ ]
ذَلكَ، كانت الفِتنة، فولِيَها السَّريّ وهو الأعرج، والأصفر ابنه أَبُو نصر، والأمرد عُبَيْد بن السَّريّ، وأنت عبد الله بْن طاهر بْن الْحُسَيْن "
قَالَ أحمد الحَمْراويّ:
أَتَرْجُو مَهَاةٌ دَفْعَ ضِرْغَامِ غَابَةٍ … لَشَتَّانَ مَا بَيْنَ المَهَا والهَزَابِرِ
وإِنَّ أَحَقَّ النَّاسِ أَنْ يَشْهَدَ الوَغَى … وَيَقْصِفَ أَصْلَابَ المُلُوكِ الجَبَابِرِ
لَمَنْ لَمْ يَكُنْ فِي الرَّوْعِ فِي زِيّ غَادَةٍ … وَلَمْ يَحْتَجِبْ صُبْحًا لِمشْطِ الضَّفَائِرِ
ثمَّ ولِيَها عبد الله بْن طاهر بْن الْحُسَيْن من قِبَل المأمون عَلَى صلاتها وخَراجها، دخلها يوم الثلاثاء لليلتين خلَتا من ربيع الأوَّل سنة إحدى عشرة فجعل عَلَى شُرَطه مُعاذ بْن عزيز أيَّامًا، ثمَّ جعل مكانه عَبْدَوَيْه بْن جَبلَة من الأَبناء، وأقام عبد الله بْن طاهر فِي مُعسكره حتى خرج عُبَيْد بْن السَّريّ إلى بَغْداد يوم الخميس للنصف من جمادى الأولى سنة إحدى عشرة.
قَالَ حَبِيب بْن أَوْس الطائيّ:
فَأَوْرَدَهُ بَغْدَادَ يَهْوِي بِرِجْلِهِ … ذَمُولٌ تَرَامَى فِي قلَاصٍ ذَوَامِلِ
فَأَصْبَحَ قَدْ زَالَتْ ظِلَالُ نَعِيمهِ … وأَيُّ نَعِيمٍ لَيْسَ يَوْمًا بِزَائِلِ
حَدَّثَنِي نصر بْن عبد الله بْن عُبَيْد بْن السَّريّ، أن عبيدًا عاش بعد خروجه من مِصر زمانًا، وأنه مات بسُرَّ مَنْ رأَى سنة إحدى وخمسين ومائتين.
وجمع عبد الله بْن طاهر عَلَى المسير إلى الإسكَندريَّة، فبعث عَلَى مُقدَّمته الْعَبَّاس، وهاشم من قُوَّاد العَجَم من أهل خُراسان وذلك لمستهلّ صفر سنة اثنتي عشرة، واستخلف عليها عيسى بْن يزيد الجُلُوديّ، ونزل عبد الله بْن طاهر عَلَى حِصن الإِسكَندريَّة، قصدها فِي ربيع الأوَّل سنة اثنتي عشرة، وحصرها بِضع عشرة ليلة، فخرج إِلَيْهِ أهلها بأَمان، وصالح الأَنْدَلُسيِّين عَلَى أن يسيّرهم من الإِسكَندريَّة حين أحبّوا عَلَى أن لا يُخرجوا فِي مراكبهم أحدًا من مِصر، ولا عبدًا، ولا آبقًا، فإِن فعلوا، فقد حلَّت لَهُ دِماؤهم، ونكْثُ عَهْدِهم، وتوجَّهوا، فبعث ابن طاهر مَن يفتّش عليهم مراكبهم، فوجد فيها جمعًا من الذين اشترط عليهم أن لا يُخرِجوهم، فأَمر ابن طاهر بإِحراق مراكبهم فسأَلوه
[ ١٣٧ ]
أن يردّهم إلى شرطهم.
ففعل، وولَّى عَلَى الإِسكَندريَّة إلياس بْن أَسَد بْن سُلَيْمَان خُدا من ولد بَهْرام شُوِبين.
ورجع ابن طاهر إلى الفُسطاط فِي جمادى الآخرة سنة ثنتي عشرة فولَّى عيسى بْن المُنْكَدِر بْن محمد بْن المُنْكَدِر القُرَشيّ انقَضاء، وأمر بالزيادة فِي المسجِد الجامع.
فزِيد فِيهِ مثله، ثمَّ ركِب النيل متوجّهًا إلى العِراق لخمس بقينَ من رجب سنة ثنتي عشرة، فكان مُقامه بِمصر بعد أن صحَّت لَهُ الولاية إلى أن خرج عَنْهَا سبعة عشر شهرًا وعشرة أيَّام.